التقرير التحليلي السياسي والاستراتيجي – السبت، 31 تشرين الأول / أكتوبر 2026

اليوم

1
الأسبوع

3
الشهر

3
السنة

3
الإجمالي

3

خريطة التحولات الحاكمة: انكسار اليمين العالمي، معركة السيطرة على الكنيست، وحصار الاستقرار اللبناني

 

إعداد وتوثيق:  قسم الدراسات والتوثيق – منصة حرمون

 

تتقاطع حسابات الحرب والانتخابات والأسواق العالمية عند سؤال محوري واحد: ما الذي يتبدل فعلياً عندما تسقط الرهانات السياسية على أعتاب الواقع الصلب؟ إن التحولات الجارية على الساحتين الدولية والإقليمية تؤكد أن الامتدادات العابرة للحدود والضغوط الخارجية عاجزة عن التعويض عن فقدان التماسك الداخلي والمشروعية المؤسسية.

فمن انكسار رهانات اليمين المتطرف في صندوق الاقتراع من البرازيل إلى صربيا، إلى مأزق التهديد العسكري الأميركي المكبّل بأزمات التموين الصاروخي واهتزازات الأسواق، وصولاً إلى معارك السيطرة التشريعية داخل الكنيست لإزاحة بنيامين نتنياهو؛ ترتسم خريطة مشهد إقليمي ودولي يلقي بظلاله الثقيلة على الداخل اللبناني.

وفيما تشتعل المنطقة على التخوم، يجد لبنان نفسه مشدوداً بين حبال الانقسام السياسي والقضائي وضغوط المحاور الخارجية، بين ادعاء قضائي في ملف ضهر البيدر يسعى لاحتواء الفتنة، ومخططات اقتصادية وعسكرية إسرائيلية-أميركية تستهدف الجنوب والثروة النفطية، محكومة بسعي حثيث لمنع الانفجار الكبير.

المحور الأول: الميدان المحلي اليومي | لبنان بين الفتنة القضائية وضغوط الاستقرار

فيما خطفت الانتخابات الإسرائيلية واستحقاقاتها الأضواء لعدة أيام، عادت الملفات والاستحقاقات المحلية اللبنانية لتطفو بقوة على سطح المشهد السياسي، في ظلّ انقسام سياسي خطير يُنذرُ بانفجار الوضع اللبناني، بالتوازي مع مساعٍ سياسية يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري ودخل على خطها المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير محاولةً لتطويق الأزمة والحفاظ على نوع من الاستقرار الداخلي في ظل التصعيد الكبير الذي تشهده المنطقة على كافة الجبهات (السعودية – اليمنية والأميركية – الإيرانية)، مع تزايد القلق من استغلال نتنياهو الوقت الضائع في تشكيل الحكومة المتوقعة في كيان الاحتلال لتوسيع الحرب على لبنان أو إيران.

  1. الإشكال القضائي-الأمني وتطورات ملف “ضهر البيدر“

وفي تطورٍ قضائي بارز أعاد قضية شاحنة متفجرات ضهر البيدر إلى واجهة المشهد والإشكال القضائي الأمني ـ السياسي، ادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، على ثمانية أشخاص ينتمون إلى حزب الله، في قضيّة نقل شاحنة المتفجّرات الّتي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر. وأوضحت الوكالة الوطنية للإعلام أنّ “المدّعى عليهم الثّمانية جميعهم معروفون بالأسماء، بينهم الموقوفان علي الكردي وهيثم أمهز”، مشيرةً إلى أنّه “ادّعى أيضاً على خمسة آخرين ينتمون إلى حزب الله، معروفين بالألقاب، ولم تظهر أسماؤهم الكاملة”.

ولفتت الوكالة إلى أنّ “الادّعاء على هؤلاء، جاء بجرائم الاعتداء على أمن الدّولة الدّاخلي، ارتكاب جرائم تمسّ بقانون الدّولة، مخالفة قرارات الحكومة وحيازة الأسلحة والمتفجّرات، وتأليف جمعيّات غير مشروعة هدفها النّيل من سلطة الدّولة وهيبتها”. وذكرت أنّ “عقوبة المواد المدّعى بها على هؤلاء، تصل إلى الأشغال الشاقّة مدّة عشر سنوات”.

أ. موقف المقاومة والدلالات القانونية

في أول تعليق لحزب الله، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور حسين الحاج حسن أنّ “الادّعاء الذي أصدره مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بحق عدد من المواطنين اللبنانيين يفتقر إلى أبسط قواعد الميثاق الوطني وشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والعديد من القوانين اللبنانية وجميعها تضمن الحقوق المشروعة لأي مقاومة ضدّ الاحتلال”. وأشار في تصريح إلى أنّ “المعتقلين وبقية المواطنين المدّعى عليهم كانوا يقومون بواجب وطنيّ دفاعاً عن بلدهم وسيادة الدولة ولحماية الشعب اللبناني، وهو ما يستحقون عليه التكريم وليس المحاكمة”، مشدّداً على أن “لا علاقة لهم بكل الاتهامات الباطلة التي صدرت عن جهات في السلطة وخارجها”. وشدّد على أن “هؤلاء المقاومين لم يكونوا في موقع المسّ بأمن الدولة وسلامتها، بل يواجهون العدو الإسرائيلي الذي يتهدد وجود لبنان من خلال استمرار احتلاله وجرائم الاغتيال والتفجير والتدمير التي يمارسها يومياً ضدّ وطننا وشعبنا”.

ويرى حقوقيون ومحللون سياسيون أن غياب تهمة “الإرهاب” عن الادعاء يحمل دلالة أساسية، لأن الادعاء لم يمنح الحملة السياسية التوصيف الذي حاولت إلصاقه بالقضية، ويُحرم المطالبين بالإحالة إلى المجلس العدلي من الاستناد إلى اتهام إرهابي قضائي لتسويق مطلبهم.

ب. الضغوط الخارجية والتجاذبات الحكومية

وربطَت مصادر سياسية بين التسريع في الادّعاء القضائي في القضية، وبين التلويح الأميركي بفرض سلّة عقوبات مالية جديدة تطال قضاة وضباطاً يعرقلون وفق الزعم الأميركي الإجراءات الأمنية والقضائية لتنفيذ قرارات الحكومة ضد حزب الله وعقوبات أخرى على مسؤولين حزبيين وسياسيين من خارج فريق المقاومة أصدروا مواقف سياسية تتعارض والسياسات الأميركية في الفترة الأخيرة.

ووفق ما تقول المصادر لجريدة “البناء” اللبنانية فإنّ الادّعاء يهدف لتسريع المسار القضائي لاحتواء الضغوط الخارجية والداخلية على السلطة اللبنانية لإحالة القضية إلى المجلس العدلي، فيما رئيس الجمهورية ليس متحمّساً للإحالة إلى القضاء العدلي طالما أنّ القضاء العسكري يقوم بواجباته والنتيجة أسرع وأفعل من القضاء العدلي، فيما رئيس الحكومة نواف سلام متردّد بالإحالة إلى القضاء العدلي، ولو كان يحبّذ الفكرة، لكنه يخشى مواجهة داخلية كبيرة مع تلقيه نصائح سعودية بالتريّث حرصاً على عدم انفجار الوضع الداخلي.

وفي سياق ذلك، اطلع رئيس الجمهورية من اللواء حسن شقير على نتائج زيارته إلى السعودية، وعرض معه الأوضاع العامة في البلاد وعمل الأمن العام. وأفادت أوساط إعلامية بأنّ اللواء شقير التقى عدداً من المسؤولين السعوديين ونقل إليهم رسائل من مرجعيات لبنانية، وعاد بأجواء إيجابية مفادها تأكيد الرياض على الحفاظ على الاستقرار الداخلي اللبناني وتجنّب المواجهة.

في المقابل واصلت “القوات” حملة التوظيف والابتزاز السياسي في قضية شحنة ضهر البيدر، والضغط بكافة الوسائل على رئيسي الجمهورية والحكومة للإحالة إلى المجلس العدلي، حيث أشار عضو تكتل “الجمهوريّة القويّة” النّائب جورج عدوان إلى أنه “في حال لم يُحَل هذا الملف إلى المجلس العدلي، لن يحضر وزراء “القوات اللبنانية” الجلسة الحكوميّة المقبلة”.

  1. الحصار الاقتصادي والمخططات الحدودية جنوباً

على صعيد آخر، أعلن المكتب الإعلامي لوزير الطاقة والمياه جو الصدي عن عقد جولة رابعة من الاجتماعات في بيروت الأسبوع المقبل، لاستكمال المباحثات بهدف التوصّل إلى صيغة نهائية لإعلان النوايا  (LOI)، في ملف الكهرباء. غير أنّ مصدراً نيابياً قال لجريدة “البناء” اللبنانية إنّ العرض القطري لحلّ أزمة الكهرباء في لبنان لن يُكتب له النجاح رغم النوايا القطرية الحسنة، لكن الولايات المتحدة لن تسمح بحل أزمة الكهرباء انطلاقاً من قرارها بحصار لبنان على كافة الصعد للضغط لانتزاع شروط تخدم المصالح الاقتصادية الأميركية والأمنية الإسرائيلية. مضيفة أن الولايات المتحدة لديها أطماع حقيقية بالثروة النفطية والغازية في البحر المتوسط والمياه الإقليمية اللبنانية وهي تستخدم العدوان الإسرائيلي والاحتلال للجنوب لتحقيق أهدافها المشتركة مع إسرائيل.

وفي السياق، كشفت جهات غربية في لبنان عن خطط وخرائط أميركية ـ إسرائيلية لبناء مشاريع اقتصادية وتجارية وسياحية وشبكة بنى تحتية جديدة في جنوب لبنان تربط بين الناقورة وجبل الشيخ. وتخوّفت الجهات من استغلال إسرائيلي لأي حرب أميركية جديدة على إيران لتوسيع الأعمال الحربية ضد لبنان.

ميدانياً، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلية عدوانها على الجنوب، فنفذت عمليات تمشيط واسعة بالأسلحة الرشاشة في الخيام والقنطرة. وأفادت معلومات عن انفجار صاروخين اعتراضيين في أجواء بلدتي الطيبة ودير سريان، فيما أطلق جيش الاحتلال قذائف هاون باتجاه بلدة المنصوري. واستهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدات المنصوري وكفرتبنيت ووادي زبقين بقصف مدفعي طاول أيضاً بلدة حداثا في بنت جبيل.

  1. المواقف الوطنية والأمن الداخلي
  • المواقف الإسلامية والوطنية: سأل نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب السلطة عن “إنجاز واحد من أجل مصلحة لبنان”. وأضاف: “على السلطة اللبنانية أن تراجع مواقفها وأن تقرأ التطورات بشكل جيد، خاصة وأن كل أحلامها ورهاناتها قد فشلت في تحقيق أي هدف من الأهداف التي كانت تطمح إليها، لا سيما اتفاق الإطار الذي فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق أدنى المطالب اللبنانية بسبب تعنت الكيان الصهيوني ورفضه تنفيذ أي خطوة مهما كانت بسيطة”. ولفت إلى “أن رهان السلطة اللبنانية على المفاوضات أثبت فشله الذريع وبات واجباً عليها أن تصحح موقفها، وتقتنع بأن الخضوع للإملاءات الأميركية لن يؤدي إلى أي نتيجة”.
  • خطاب المفتي قبلان: توجّه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان في خطبة الجمعة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالقول: “لا قيام للبنان إلا بتضامن وطني وميثاقية كاملة واتفاق تام على قضايا الدفاع الوطني، ودون ذلك ستقضي سنوات عهدك دون أي نتيجة، ونحن لا نريد لك ذلك، وتذكّر أنّ إسرائيل كيان إرهابي خطير وغدّار ولا نريدها أن تمارس لعبة الغدر عليك، والحل بيدك، وهو أن تبدأ بلمّ شمل وطني سيادي ووحدة وطنية صلبة، ودون ذلك ستخسر قدرتك الوطنية وحيثيّتك الجامعة، وكذلك لا نريد لك أن تخسر حضورك الوطني، وبخاصة أن لإسرائيل عقيدة عدوانيّة لا تخشى إلا منطق القوة والوحدة الوطنية والقدرات الداخلية الصلبة من وراء صيغة الشراكة التأسيسية للبنان”.
  • موقف رئيس التيار الوطني الحر: تساءل رئيس “التيّار الوطني الحر” النّائب جبران باسيل، “ألا يتحرّك الضمير أمام جريمة قتل كاهن؟”. وأشار إلى أنّ “الحكومة لم تطالب بإعادة النّازحين، وأمام جرائمهم أخرجت المسجونين! تسجّل الطلّاب السّوريّين، وتقفل صفوفاً مدرسيّةً بوجه طلّابنا المقهورين! وأنتم لا يحرّككم إلّا قتل مسؤول منكم!”، لافتاً إلى أنّكم “لا تقومون إلّا باعتكافات. ممثلون لكن فاشلين!”. وختم: “أكثر من مليونَي سوري، وكلّكم متواطئون”.
  • الإنجازات الأمنية: أمنياً، أعلنت قيادة الجيش في بيان، أنه “وبعد عملية رصد ومتابعة أمنية، دهمت وحدة من الجيش منزل المواطن (م.ر.) في منطقة البحصاص – طرابلس، وأوقفته لإتجاره بالأسلحة الحربية، وضبطت في حوزته كمية من الأسلحة والذخائر الحربية بالإضافة إلى أعتدة عسكرية”. كما أوقفت وحدة أخرى عند الحدود اللبنانية السورية في الشمال 139 سوريّاً لدخولهم إلى الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية.

 

المحور الثاني: المشهد الإقليمي | حصار نتنياهو ومعركة السيطرة على الكنيست

بالانتقال إلى المشهد الإقليمي، تنتقل المعركة داخل الكيان الإسرائيلي من صناديق الاقتراع إلى أروقة السيطرة على الكنيست والتأثير في صنع القرار التشريعي والمؤسسي.

إسرائيلياً، تتجه الأنظار إلى المعركة الأولى داخل الكنيست الجديد. فقد كشفت موران أزولاي في «يديعوت أحرونوت» أن ممثلي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان يناقشون استبدال رئيس الكنيست أمير أوحانا عند افتتاح المجلس في العاشر من تشرين الثاني. ويتطلب ذلك تعاوناً مع القوائم العربية، بما يسمح بنقل السيطرة على جدول الأعمال التشريعية إلى الأكثرية المقابلة، حتى قبل تشكيل حكومة جديدة. وهنا تبدأ ترجمة خسارة نتنياهو أكثريته إلى خسارة أدوات فعلية في إدارة المؤسسات.

وتشمل الأجندة المتداولة بين أطراف المعارضة نقاطاً جوهرية:

  1. تحديد مدة تولّي رئاسة الحكومة بعهدة محددة.
  2. تعديل قوانين التجنيد المفصّلة لحلفاء نتنياهو من الأحزاب الحريدية.
  3. الدفع نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول.
  4. يُصرّ ليبرمان على تشريع يمنع أي مسؤول متهم بقضايا جنائية من تولّي رئاسة الحكومة.

هذه مقترحات تحتاج إلى اتفاق وإقرار واختبار قانوني، لكنها تكشف طبيعة التهديد المباشر الذي يواجهه نتنياهو: أن يبقى رئيساً لحكومة تصريف أعمال مغلولة اليدين، بينما يعمل الكنيست على تغيير الشروط التي يراهن عليها للعودة بأكثرية في انتخابات جديدة.

وفي هذا السياق، تصبح حكومة الأقلية احتمالاً ينضج بعد التعاون البرلماني. لم يثبت صدور إعلان من آيزنكوت بتأجيلها؛ لكن تقديم السيطرة على الكنيست يفتح مساراً عملياً لذلك. تُختبر قدرة المعارضة والقوائم العربية على العمل معاً، ويصبح نتنياهو أضعف، وتُختبر استجابته لانتقال موازين القوة داخل المؤسسات. أما ليبرمان، فقد أعلن رفض حكومة تستند إلى القوائم العربية، ما يجعل انتقال التعاون البرلماني إلى تفاهم حكومي معركة سياسية لاحقة، تتأثر بنتائج المرحلة الأولى وكلفة تعطيل البديل.

والأولوية في هذه القراءة هي انتزاع التسليم بنتائج الاقتراع والالتزام بالمسار المؤسسي، واختبار ما إذا كان نتنياهو وحلفاؤه سيحترمون قرارات الأكثرية الجديدة أم سيحاولون تعطيلها بتعبئة الشارع. تأخير حكومة الأقلية يُحرم نتنياهو وحلفاءه من ذريعة مبكرة لتقديم تحركهم باعتباره مواجهة لحكومة تعتمد على العرب. فإذا وقع التعطيل قبل تشكيلها، ظهرت المعركة على حقيقتها: رفض ترجمة نتائج الانتخابات إلى صلاحيات ومؤسسات. وعندما تنضج حكومة الأقلية لاحقاً، تكون قد سبقتها تجربة تعاون برلماني ووقائع أضعفت قدرة نتنياهو على منع انتقال السلطة.

 

المحور الثالث: الميزان العالمي | مأزق “الحرب القصيرة” وسقوط رهانات اليمين

تتقاطع حسابات الحرب والانتخابات والأسواق عند سؤال واحد: ماذا سيتغيّر بعد الثالث من تشرين الثاني، حتى تصبح الحرب على إيران قابلة للحسم السريع، بعدما جرى تأجيلها تفادياً لكلفتها؟

  1. معضلة “الحرب القصيرة” والقيود العسكرية والاقتصادية

تثير الرواية الأميركية عن احتمال شن «حرب قصيرة ومكثفة» على إيران بعد انتخابات الثالث من تشرين الثاني سؤالاً بسيطاً: إذا كانت الحرب سريعة وحاسمة، وقادرة على فرض الشروط الأميركية وإنهاء أزمة الطاقة، فلماذا لم تُخَض قبل الانتخابات، ويُستثمر انتصارها لمصلحة الحزب الجمهوري؟ أما إذا كان التأجيل لتجنّب ارتفاع النفط واضطراب الأسواق قبل الاقتراع، فما الذي سيجعل هذه المخاطر قابلة للسيطرة بعده؟ تتغير روزنامة المحاسبة الانتخابية، لكن قدرات إيران ومخزونات الصواريخ وحساسية الاقتصاد لا تتغير تلقائياً معها.

التحضير العسكري جدّي، لكن الجدّية لا تعني ضمان النتائج. ففي تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» في 29 تشرين الأول، كشف مايكل غوردون ولارا سيليغمان وشيلبي هوليداي أن قائد القيادة المركزية براد كوبر عرض على ترامب خيارات عسكرية تجاه إيران، بحضور وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان. وكان تقرير سابق للصحيفة قد تحدث عن إبلاغ دول خليجية بالاستعداد لاحتمال حملة قصيرة ومكثفة بعد الانتخابات. كلا التقريرين يوثقان إعداد الخيارات، ولا يثبت صدور قرار نهائي بالحرب.

أ. أزمة المخزون الصاروخي والقدرة الدفاعية

السؤال العسكريّ يبدأ من الدفاع، لأن امتلاك القدرة على القصف لا يساوي امتلاك القدرة على تحمّل الرد. فقد نقلت «ستارز أند سترايبس» في 28 تشرين الأول إرسال منظومة «باتريوت» من تكساس إلى إسرائيل، دون إعلان عدد صواريخها. وسبقت ذلك، خلال أيلول، بطارية إضافية إلى السعودية لحماية منشأة نفطية، وأخرى إلى قطر لحماية منشأة غاز، وفق تقرير نُشر في الثاني من تشرين الأول. التعزيزات إذن بدأت قبل الانتخابات بأسابيع؛ والمطلوب معرفة ما أضافته إلى قدرة الصمود، لا الاكتفاء بتعداد الطائرات التي نقلتها.

هنا يجب تجنّب الخلط بين البطارية ومخزون ذخائرها. فرقم 48 المنشور في تقارير الدفاع الصاروخي يخص حمولة بطارية «ثاد» المؤلفة من ست منصات، تحمل كل منها ثمانية صواريخ؛ ولا يثبت أن شحنة «باتريوت» الأخيرة إلى إسرائيل تضمّ العدد نفسه. والأهم أن نقل بطارية وذخائر من موقع إلى آخر يزيد الدفاعات في الموقع المستقبِل، لكنه لا يزيد المخزون الأميركي الإجمالي إلا بمقدار ما يدخل إليه من إنتاج جديد.

الأرقام الأحدث المتاحة عن أزمة التعويض تستحق الوقوف عندها:

  • في 16 تشرين الأول، أوردت «يورونيوز»، نقلاً عن تحقيق «سي بي إس» وتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية  (CSIS)، أن المخزون السابق للحرب قُدّر بنحو 2300 صاروخ «باتريوت».
  • الاستهلاك تراوح بين 1050 و1430 صاروخاً، مقابل تسليمات تعويضيّة متوقعة تقل عن 500 خلال السنة المالية 2026.
  • هذا يعادل متوسطاً حسابياً يقل عن 42 صاروخاً شهرياً، وليس رقماً موثقاً للإنتاج الصناعي الشهري. كما أورد التقرير متوسط مهلة تسليم يقارب ثلاث سنوات ونصف لطلبيات «باك-3».

ولو افترضنا، لتوضيح حجم القيد فقط، إمداداً يتراوح بين 45 و48 صاروخاً شهرياً، ووزعناه بالتساوي بين أوكرانيا وإسرائيل والسعودية وقطر، لكانت حصة كل طرف نحو 11 إلى 12 صاروخاً. هذه ليست قسمة أميركية معلنة، بل مثال حسابي، وهي تتجاهل احتياجات القوات الأميركية وبقية الحلفاء. لكنها تكتسب دلالة عندما نقارنها بما نقلته «كييف إندبندنت» في 28 تشرين الأول عن زيلينسكي: متوسط ما تلقته أوكرانيا من الولايات المتحدة خلال 2026 بلغ 12 صاروخ «باتريوت» شهرياً. التشابه العددي لا يثبت توزيعاً متساوياً، لكنه يوضح ضيق هامش التعويض.

ب. تداعيات الأسواق واهتزاز الاقتصاد

في الاقتصاد، قدّمت جلسة أمس الجمعة اختباراً مبكراً لكلفة القلق:

  • أورد تحديث «الشرق بلومبرغ» عند الساعة 18:55  هبوط «ناسداك 100» بأكثر من 4% أثناء التداول، و«ستاندرد أند بورز 500» بنحو 5,2%، وتراجع سهم «إنتل» بما بلغ 31% و«أمازون» 3,2% (أرقام أثناء الجلسة وليست إقفالات نهائية).
  • محرك البيع الأساسي كان الشك في عوائد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، الذي قدّر التقرير حجمه لدى عمالقة التكنولوجيا بنحو 750 مليار دولار هذا العام. الحرب المحتملة تدخل إذاً إلى سوق تعيد تقييم أحد أهم رهانات نموّها.
  • وبالتزامن، أظهرت شاشة «الشرق بلومبرغ» برنت قرب 117.64 دولاراً، مرتفعاً 2,4 %، بينما هبط الذهب أثناء التعاملات بما يصل إلى 3,6 % إلى 39,3876 دولاراً للأونصة، متّجهاً إلى خسارة شهرية تتجاوز 6 %.
  • وأورد تقرير الذهب تسعير المتداولين احتمالاً يتجاوز 70% لرفع الفائدة في كانون الأول.

هنا تتداخل مخاطر الطاقة مع التمويل: النفط المرتفع يغذّي التضخم، والفائدة المرتفعة تضغط على الاستثمار وتقييم الأسهم، فيما قد يدفع طلب السيولة إلى بيع أصول أخرى.

لا يكفي أن تقول واشنطن إنّها تريد حملة قصيرة: يمكن تحديد مدة القصف المخطّطة، لكن لا يمكن فرض مدة الرد الإيراني أو موعد استقرار الملاحة والطاقة والأسواق. ويبقى وارداً أن يعلن ترامب في الرابع من تشرين الثاني تمديد المهلة، لإعطاء نائبه جي دي فانس فرصة إضافية لتلقّي جواب من إيران، أو استجابة لطلب الحلفاء بالتريّث. هذا الاحتمال ينسجم مع استمرار قنوات التفاوض؛ فتقرير فارناز فصيحي وتايلر بيجر في «نيويورك تايمز» نقل أن فانس اقترح استئناف المفاوضات وقيادة الوفد الأميركي بنفسه، وأن ترامب وافق على الرسالة قبل إرسالها.

  1. سقوط الرهانات الانتخابية لترامب ونتنياهو (البرازيل وصربيا)

على الجانب الآخر من المشهد الدولي، سقطت رهانات سياسية كبرى لترامب ونتنياهو في كل من البرازيل وصربيا عبر أدوات متشابهة: تعبئة شعبية رفعت المشاركة، وتحويل الاعتراض إلى قوة انتخابية منظمة.

أ. الهزيمة الانتخابية في البرازيل

في الخامس من تشرين الأول، توجّه بنيامين نتنياهو إلى فلافيو بولسونارو مهنئاً بتقدّمه في الجولة الأولى من الانتخابات البرازيلية، ومتمنياً له الفوز في الجولة النهائية، ومعلناً تطلّعه إلى استعادة «الصداقة الاستثنائية» بين إسرائيل والبرازيل. وبعد ثلاثة أسابيع، كان المرشح الذي راهن عليه نتنياهو يخسر أمام لولا دا سيلفا، ويطعن في النتائج، ثم يتجه إلى الولايات المتحدة التي فتحت أبوابها لاستقباله. بين التهنئة الإسرائيلية قبل الانتخابات والاستقبال الأميركي بعدها، تتضح هوية الرهان الذي أسقطه الناخبون البرازيليون.

حصل لولا على 51.8% مقابل 48.2% لبولسونارو، بفارق نحو 4.4 ملايين صوت، بعدما كان قد حلّ ثانياً في الجولة الأولى بنحو 45% مقابل نحو 47% لمنافسه. وتكشف المقارنة بين الجولتين أن الفوز صُنع بالتعبئة: ازداد عدد الأصوات الصحيحة بنحو 8,4 ملايين صوت، وفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي المحدّث في 29 تشرين الأول. استطاع معسكر لولا تغيير اتجاه المنافسة، وتحويل الشعور بخطر عودة اليمين إلى مشاركة انتخابية حسمت النتيجة.

دخل نتنياهو هذه المنافسة بصفته طرفاً معلناً. كان يتطلّع إلى استبدال رئيس برازيلي يصطدم معه حول الحرب على غزة، برئيس يعد بإصلاح العلاقة مع إسرائيل. وأعطت رسالته لبولسونارو هذا الخيار اسمه ومعناه: انتصار المرشح اليميني هو الطريق الذي اختاره لاستعادة العلاقة التي يريدها مع أكبر دول أميركا اللاتينية. لذلك فإن فوز لولا هزيمة سياسية لنتنياهو، لأن الناخبين أبقوا في الرئاسة الخصم الذي أراد إزاحته، وأسقطوا الحليف الذي تمنّى انتصاره.

وفي واشنطن، اتخذ الرهان أدوات تتجاوز الرسائل. يوثّق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس محاولات مسؤولين في إدارة ترامب دعم حملة فلافيو بولسونارو، وتوجيه موظفي السفارة الأميركية إلى تجنّب التواصل مع منافسين محتملين له داخل اليمين. كما يعرض توظيف الضغوط التجارية والعقوبات في الصراع مع السلطات البرازيلية بشأن معسكر بولسونارو. هذه الوقائع تجعل الهزيمة البرازيلية اختباراً فاشلاً للقدرة على تحويل النفوذ الأميركيّ إلى نتيجة انتخابية تخدم الحليف.

بعد ظهور النتيجة، شكّك ترامب في نزاهة الانتخابات من دون تقديم دليل، فيما طالب بولسونارو بإلغائها. ثم قال الرئيس الأميركيّ إنه يوافق على استقباله، وأكد مسؤول في الخارجيّة استعداد واشنطن لإصدار تأشيرات له ولعائلته، وجاء وصوله إلى ميامي رغم قرار قضائي بمنعه من السفر دليلاً على حجم العلاقة. هكذا انتقلت العلاقة من دعم الرهان على الوصول إلى الرئاسة إلى استقبال صاحبه بعد سقوطه؛ وبقي لولا في برازيليا، بينما انتهى منافسه في الولايات المتحدة.

ب. سقوط الحليف الاستراتيجي في صربيا

وفي الخامس والعشرين من تشرين الأول، سقط رهان آخر في صربيا. حازت «القائمة الطلابية» 53.7%  و141 مقعداً من أصل 250، مقابل 39.5% و103 مقاعد لقائمة ألكسندر فوتشيتش، بحسب إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني المنشورة في 30 تشرين الأول. وأنهى الفوز أربعة عشر عاماً من حكم الحزب التقدمي. بدأت الحركة من المطالبة بالمحاسبة بعد كارثة محطة نوفي ساد التي أودت بحياة 16 شخصاً، ثم بنت قدرة على تحويل الاحتجاج إلى أكثرية برلمانية.

وكانَت العلاقة الإسرائيليّة بفوتشيتش قد بلغت مستوى يفسّر حجم الخسارة. ففي الأول من تشرين الأول، نشر فلاديمير كرولي في معهد «روسي» دراسة بعنوان «لماذا تهم انتخابات صربيا ترسانة إسرائيل؟»، تناولت صربيا باعتبارها قاعدة إنتاج محتملة للصناعة العسكرية الإسرائيلية. ووثّقت إطلاق الحوار الاستراتيجي في نيسان 2026، ثم افتتاح منشأة مشتركة لتجميع المسيّرات الإسرائيلية في أيلول. كانت تل أبيب توسّع شراكتها الصناعيّة مع بلغراد قبل أسابيع من خسارة الرجل الذي رعاها.

عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن مكانة فوتشيتش عندما وصفه بأنّه من أبرز قادة أوروبا ومن أعظم أصدقاء إسرائيل، وشكره على دعمه وصداقته الشخصيّة. أما أليكس وينستون، فكتب في «جيروزاليم بوست» يوم الانتخابات أن استمرار قيادته يحفظ لإسرائيل علاقة أوروبية مهمة، مستعرضاً التعاون العسكري وإمدادات الذخائر. كانت مصلحة إسرائيل في بقائه ظاهرة في كلام مسؤوليها وقراءة صحافتها، ثم جاءت الصناديق لتحرمها استمرار حكم هذا الحليف.

وعلى الضفة الأميركية، بنى فوتشيتش شبكة وصول إلى الدائرة الترامبية. وكشف تقرير «N1» في الثامن من تشرين الأول، استناداً إلى إفصاحات مقدّمة لوزارة العدل، دور شركة «فالكور» في ترتيب مقابلة له مع «بريتبارت» ولفت انتباه ترامب إليها، فأعاد نشرها. وبلغت مدفوعات الحكومة الصربيّة للشركة نحو 794 ألف دولار خلال فترة التقرير من آذار إلى أيلول. كان القرب من ترامب رصيداً يجري الاستثمار فيه، لكنه عجز عن إنقاذ الحكم من التصويت العقابي.

الخلاصة

في البرازيل وصربيا، هُزمت رهانات ترامب ونتنياهو بأداتين متشابهتين: تعبئة شعبية رفعت المشاركة، وتحويل الاعتراض إلى قوة انتخابية منظمة. خسر نتنياهو مرشحه في البرازيل وحليفاً استراتيجياً في صربيا، وخسرت الدائرة الترامبية فرصتين لتثبيت نفوذها عبر حلفاء اليمين. الرسالة التي خرجت من الصناديق أن التأييد الخارجي والعلاقات والاتفاقات لا تمنح أصحابها حصانة من المحاسبة؛ وحين ينجح الخصوم في تنظيم القوة الشعبية، يصبح إسقاط الحلفاء هزيمة لمن راهن عليهم.

وهذه الخلاصة الدولية والإقليمية تجد صداها المباشر في لبنان: إن الضغوط الأجنبية، والمشاريع الاقتصادية الموعودة، والتهديدات العسكرية المباشرة، لن تفلح في فرض واقع سياسي جديد يمس الميثاقية والوحدة الوطنية؛ فالتوازنات الصلبة المنبثقة من الواقع الميداني والشعبي هي الحاكم الأساسي لمسار الأحداث من واشنطن وتل أبيب إلى بيروت والجنوب.

#تقارير_وملفات

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x