الشاعر العراقي أحمد وهيب الأمين لـ حرمون في رحلة الفكر والأمل بين مخبر الفيزياء وشجن القصيدة..

اليوم

1
الأسبوع

13
الشهر

13
السنة

13
الإجمالي

13

*مختبر الفيزياء، ومحراب الشعر، محاولتان بشريتان لفهم سر الوجود واستنطاق خباياه؛ فالفيزياء تضع العالم في معادلة، والقصيدة تضع الكون في نبضة.

* الشاعر الحقيقي هو ضمير أمته وصوت الحق الذي لا ينكسر، يضيء عتمة الدرب بالجمال وينتصر للإنسان دائمًا.

 

تنسيق وإعداد: الإعلامية فادية الجرماني الحلبي

 

حين تلتقي دقة المختبر العلمي بفيض الإحساس الشعري، تتولّد تجربة فريدة تعكس عمق الوعي الإنساني وحرارة الانتماء للكلمة. ضيفنا في هذا اللقاء هو الأديب والشاعر العراقي أحمد وهيب الأمين، مؤسس مجلة نازك الملائكة للشعر والأدب، الذي خاض دروب الحياة بين صرامة الفيزياء وجماليات القصيدة، محتفظاً بجذوة الأمل وسط ركام الحروب والتحدّيات. يأخذنا هذا الحوار في رحلة شائقة عبر محطات النشأة، وفلسفة الإبداع، ورؤيته لقضايا الأدب والثقافة في عالمنا العربي.

 

أولاً: الجذور والبدايات

1- ممكن تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟

ج: أحمد الأمين، شاعر من العراق، مؤسس مجلة نازك الملائكة للشعر والأدب. مدرس فيزياء حاليًا، قبل ذلك عمل في أهم مؤسسة علمية عراقية “الطاقة الذرية العراقية”، لكن بعد العدوان الثلاثيني على العراق تمّ تدميرها فعمل بعدها في التدريس.

 

2- ممكن العودة إلى البدايات والنشأة. كيف بدأت؟ ما أبرز العوائق خلالها؟ وكيف تخطيتها؟ ما أبرز ما تتذكره من مواقف جعلتك تكتشف نفسك وحفرت في وجدانك؟

ج: ولدتُ ونشأتُ في بيئةٍ عراقية يمتزج فيها شغف المعرفة بالتعلق بالكلمة الأصيلة. كانت البدايات مبكرة جداً، حيث تشكل وجداني بين رفوف الكتب وسحر اللغة، بينما كان شغفي بالفيزياء ينمو جنباً إلى جنب مع عشق الشعر، وكأنني أبحث عن النظام في الكون بالفيزياء، وعن روحه بالشعر. أما العوائق، فلم تكن سوى انعكاسٍ للظروف القاسية التي مر بها وطننا؛ من حروب وحصار، ووصولاً إلى فاجعة تدمير صرحنا العلمي في الطاقة الذرية، والتي كانت صدمة حفرت عميقاً في الوجدان. تخطيتُ تلك المرارات بالصبر، بالإيمان بالرسالة، والتمسك بالكلمة والفكر كملجأ وسلاح. أبرز ما أتذكره ويتملّك وجداني، هو ذلك الشغف الأول حين اكتشفتُ أن الأبيات الشعرية ليست مجرد أوزان، بل هي طاقة تشبه طاقة المادة التي أدرسها، وموقف الوقوف في المحاريب العلمية والأدبية وسط كل هذا الركام، متمسكاً بالتعليم والأدب كفعل بقاء وأمل.

 

ثانياً: بين الفيزياء والقصيدة

3- جمعتَ بين الفيزياء والشعر، وهما عالمان يبدوان متباعدين. كيف التقت لغة العلم مع لغة القصيدة في تجربتك؟

ج: يبدو للوهلة الأولى أن الفيزياء والقصيدة يقطنان في عالمين مختلفين؛ فالأولى تسعى نحو الصرامة والمنطق والقوانين الرياضية، بينما تسبح الثانية في عوالم الخيال والعاطفة والصورة. لكنني في أعماق تجربتي لم أرهما منفصلين؛ فالفيزياء علّمتني كيف أنظر إلى النظام الدقيق للكون وجمال بنيته، والشعر منحني الروح لكي أنطق بهذا الجمال وأعبر عن نبض الإنسان داخله. في مختبر الفيزياء، كنت أبحث عن الحقيقة من خلال التجربة والبرهان، وفي محراب الشعر، كنت أبحث عنها عبر الإحساس والوجدان. وكلاهما، في النهاية، محاولتان بشريتان لفهم سر الوجود واستنطاق خباياه؛ فالفيزياء تضع العالم في معادلة، والقصيدة تضع الكون في نبضة.

 

4- هل كانت موهبتك الشعرية وليدة الموهبة الفطرية، أم أنها تشكلت مع القراءة والتجربة الحياتية؟

ج: موهبتي الشعرية ولدت أولاً من رحم الفطرة؛ فقد كانت نبتةً بريّةً غرسها الله في وجداني، ونبضاً عفوياً يسبق التعلم والدرس. لكن الفطرة وحدها -مهما بلغت من الصفاء- تظل طاقةً كامنة تحتاج إلى مَن يستنطقها ويصقل جوهرها. لهذا، تضافرت مع هذه الفطرة رحلة طويلة ومتعمقة من القراءة النهمة، والبحث الدؤوب، والدراسة المستمرّة لمكامن اللغة ومورثها البليغ، فضلاً عن التجارب الحياتية القاسية والجميلة التي صقلت الرؤية وأضفت على الحرف عمقاً وإدراكاً. فالشاعر في الحقيقة هو التقاء الفطرة الموهوبة بالوعي المدروس، حيث يُزهر الإلهام الفطريّ بماء المعرفة والبحث والخبرة.

 

ثالثاً: التحوّلات، الحروب، وفلسفة المقاومة بالأدب

5- عملت في مؤسسة الطاقة الذرية العراقية قبل تدميرها، ثم انتقلت إلى التدريس. كيف انعكست هذه التحولات على شخصيتك وإبداعك؟

ج: إن التحول من أروقة الهيئة العراقية للطاقة الذرية إلى ميدان التعليم والتدريس لم يكن مجرد تغيير في مسار الوظيفة، بل كان تحولاً عميقاً انعكس على بنيتي الشخصية والفكرية والإبداعية. في الطاقة الذرية، كنتُ أتلمّس العلم في أرقى منصاته البحثية؛ علمٌ يتسم بالدقة المتناهية والتفكير المنهجي والمسؤولية العالية. ولكن بعد العدوان الثلاثيني الأليم وما نتج عنه من تدمير لهذه المؤسسة التي مثّلت صرحاً علمياً شامخاً للوطن، وضعتني تلك اللحظة الفارقة أمام خيار التماسك وتحويل الصدمة إلى طاقة عطاء جديدة. حين اتجهتُ بعد ذلك إلى تعليم الفيزياء، وجدتُ في القاعة الدراسية محراباً جديداً لغرس بذار المعرفة؛ فالتعليم صقل في شخصيتي الصبر، والقدرة على تبسيط الأفكار المعقدة، والتواصل الوجداني الحي مع الأجيال. أما على صعيد الإبداع، فقد منحني هذا التحول عمقاً إنسانياً وتأملياً؛ فصار الحرف الشعري عندي أكثر شجناً ونضجاً، ممتزجاً بصلابة الباحث وشغف المعلم الذي يرى في البناء وتحدي الركام أسمى رسالات الحياة.

 

6- الحروب تركت أثرًا عميقًا في العراق. كيف استطاع الشاعر داخلك أن يحافظ على الأمل وسط كل هذا الخراب؟

ج: الحرب قد تهدم الصروح وتترك الآثار عميقة في الجسد والذاكرة، لكنها أبداً لا تملك القدرة على إطفاء الجمرة الأولى للإنسان: جمرة الفكر والأمل. لقد كان الشاعر في داخلي هو الحارس الأخير على بقاء المعنى؛ فعندما كان الخراب يحيط بنا، كان الشعر هو النافذة التي أتنفس منها النور، والوسيلة التي أرمم بها ما انكسر في الروح. الأمل بالنسبة لي لم يكن مجرد أمنية عابرة، بل كان قراراً واعياً بالانحياز إلى الحياة؛ فالقصيدة هي فعل مقاومة ضد الفناء، ورسالة تُعلن أن كلمة الحب والجمال أطول عمراً من صوت الدماء والدمار. وكما تعلمتُ من الفيزياء أن الطاقة لا تفنى، آمنتُ بأن طاقة الخير والجمال في هذا الوطن لا تموت؛ لذا ظللتُ أكتب وأُعلّم وأؤسس للمستقبل، مؤمناً بأن الأدب هو الجسر الذي نعبر عليه من وسط الركام لنبني العراق الذي نليق به ويليق بنا.

 

7- تؤكد دائمًا أن “الشعر قضية”. ما القضية التي يحملها أحمد وهيب الأمين في قصائده اليوم؟

ج: الشعر بالنسبة لي ليس ترفاً كلامياً، بل هو قضية وجود وحياة. وقضيتي اليوم تتلخّص في الدفاع عن إنسانية الإنسان، وترميم ما كسره الخراب والزمن في وجدان الروح العراقية والعربية، والانتصار للجمال والمعرفة في مواجهة قبح الجهل والتدمير. أكتب لأبقي جذوة الأمل متقدة، ولأؤكد أن الكلمة الحرة هي الحصن الأخير لبقاء الهوية والنور.

 

8- يرى البعض أن انخراط الشاعر في الخطاب السياسي أو الأيديولوجي قد يُضعف القصيدة. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

ج: القصيدة تُحتضر حين تتحوّل إلى بيانٍ حزبي أو شعارٍ ضيق، لكنها تبلغ قمة مجدها وحماسها حين تدافع عن ‘قضية الوطن والإنسان’! أنا لا أرهن حرفي لأيديولوجيا عابرة، بل أجعله ثورةً للحق، وشعلةً للحرية، وصوتاً لكل مَن يُسلب حقه في الحياة. فالشاعر الحقيقي لا يتبع الساسة، بل يُلهم أمة.

 

9- ماذا يمثل لك الحرف والكلمة؟ وهل ترى أن للشاعر مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون فنية؟

ج: الكلمة بالنسبة لي ليست مجرد حروف تصف على السطور، بل هي روح تسري في نسيج الوجود وملاذ للإنسان حين تضيق به السبل. وأما الشاعر، فمسؤوليته الأخلاقية تسبق فنيته؛ فالكلمة أمانة ثقيلة وموقف شريف، والشاعر الحقيقي هو ضمير أمته وصوت الحق الذي لا ينكسر، يضيء عتمة الدرب بالجمال وينتصر للإنسان دائمًا.

 

رابعاً: الثقافة الرقمية والإصدارات الأدبية

10- أسست مجلة نازك الملائكة الإلكترونية. ما الدافع وراء تأسيسها، وما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها؟

ج: أسست مجلة (نازك الملائكة) وفاءً لروح الريادة والأدب الرفيع؛ لتكون منبراً حراً يحتضن الأقلام الجادة، ويحمل رسالة الدفاع عن جمال الكلمة وإحيائها وسط زحام الركام.

 

11- هل تعتقد أن المنصات الإلكترونية أصبحت شريكًا حقيقيًا للكتاب الورقي، أم أنها مجرد وسيلة فرضتها التكنولوجيا؟

ج: المنصات الإلكترونية لم تكن مجرد فرض تكنولوجي، بل أصبحت شريكاً حقيقياً ونافذة حية تكسر حواجز المسافات، لتصل بالكلمة إلى كل قتيل عتمة وباحث عن نور.

 

12- صدر لك “ديوان الأمين”، ولديك أربعة كتب جاهزة للطباعة. ماذا سيجد القارئ في هذه الإصدارات الجديدة؟

ج: سيجد القارئ في إصداراتي الجديدة نبضاً يمزج بين رومانسية الوجدان وعمق الفلسفة، ملتحفاً بحرقة وعشق الوطن، لنرسم معاً لوحة تنبض بالأمل وجمال الكلمة.

 

13- يلاحظ القارئ حضور الحب والطبيعة في معظم نصوصك. لماذا يشكلان هذا الحضور الطاغي في تجربتك الشعرية؟

ج: الحب والطبيعة هما نبض روحي وملاذي الأبدي؛ فبالحب تتفتح زهور الحرف ونتذوق معنى الحياة، وفي أحضان الطبيعة نلتقي بصفاء الوجود وجماله الخالد. وبهما معاً أروي ظمأ القصيدة، وأهزم عتمة اليأس.

 

14- يُقال إن العراق يلد الشعراء كما يلد النخيل التمر. ما سر خصوصية القصيدة العراقية برأيك؟

ج: سر القصيدة العراقية أنها وُلِدت من رحم الألم وعناق النخيل؛ يرتوي حرف الشاعر فيها من دمع السواقي وعطر التراب، فيفيض الحرف عشقاً أزلياً يتحدّى العتمة، وينبت في أرض الحزن جنائن من الورد والجمال.

 

15- نُشرت أعمالك في العديد من الصحف العربية والعراقية، كما تمتلك حضورًا رقميًا عبر موقع إلكتروني وقناة يوتيوب. كيف تنظر إلى أهمية التوثيق الرقمي للأديب؟

ج: التوثيق الرقمي اليوم ليس ترفاً، بل هو طوق نجاة للكلمة في وجه النسيان؛ فهو يحفظ أمانة الفكر عبر الزمن، ويجعل نَبض الأديب حيّاً يطرق أبواب القلوب في كل مكان بلا حدود.

 

خامساً: آفاق الشعر ورؤية المستقبل

16- في رأيك، ما أبرز التحديات التي تواجه الشاعر العربي في الوقت الحاضر؟

ج: أبرز التحديات تكمن في طغيان السرعة والاستهلاك السريع على حساب عمق الوجدان، وتهميش الثقافة الجادة وسط صخب العالم الرقمي، مما يضع الشاعر أمام مسؤولية صعبة لإيصال رسالة الكلمة الصادقة وحمايتها من الانطفاء.

 

17- لماذا لا يزال المثقف يُنظر إليه في كثير من المجتمعات باعتباره مصدر إزعاج أو خطر؟

ج: لأن المثقف الحقيقي صوت حر لا يساوم، يحمل مرآةً تفضح زيف الواقع، ويسأل الأسئلة التي يخشاها المستبدون؛ فالحرية أبداً خطرٌ على عروش الاستبداد.

 

18- ما الصفات التي يجب أن يتحلى بها الشاعر الحقيقي ليبقى أثره حاضرًا في ذاكرة الأجيال؟

ج: الصدق المطلق في التعبير، والعمق الوجداني، والارتباط بهموم الإنسان وأمله؛ فالكلمة الصادقة وحدها هي التي تتجاوز حدود الزمان لتعيش في خلود الذاكرة.

 

19- هل ترى أن الشعر العربي يعيش اليوم مرحلة ازدهار، أم أنه يمرّ بأزمة في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي؟

ج: الشعر لا يموت ولا يمر بأزمة، بل يعيش مخاضاً جديداً؛ فمنصات التواصل منحت الحرف انتشاراً أوسع، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على عمق الوجدان ونقاء الجوهر وسط صخب السرعة.

 

20- ما المشاريع الأدبية التي تعمل عليها حاليًا، وما الذي ينتظره جمهورك في المرحلة المقبلة؟

ج: أعمل حالياً على وضع اللمسات الأخيرة لديواني الجديد المعنون (عقد الياسمين)، لينتظر القارئ في المرحلة المقبلة واحةً غزلية تفيض بالوجد والبوح العذب الذي يلامس أرواح العشاق.

 

21- في ختام هذا اللقاء، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى الشباب العرب، وإلى كل من يحمل حلم الكتابة والإبداع؟

ج: رسالتي لكل شاب يحمل قلم الإبداع: آمن بصدق شعورك، واجعل من كلمتك منارةً للحق والجمال؛ فالحياة تضيق بنا، لكن القصيدة وحدها هي التي تتسع لأحلامنا وتخلد أثرنا.

 

22- كلمة أخيرة ترغبون بتوجيهها عبر منصة حرمون؟

ج: كل الشكر لمنصة (حرمون) على هذا اللقاء الجميل الذي استقرّت فيه حروف الوجد؛ ودمتم منارةً للثقافة والجمال، تحتضن الإبداع وتنشر أريج الكلمة الصادقة في قلوب محبيها.

#حوارات

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x