الفنانة زينب الفوعاني لـ حرمون : حين يصيرُ اللونُ مساحةَ أمانٍ للموهبة

حوار خاص لمنصة «حرمون» مع الفنانة زينب علي الفوعاني

إعداد وتنسيق: فادية الجرماني الحلبي

في مرسمٍ يجمع الألوان والموسيقى والحِرف، تعمل الفنانة التشكيلية زينب علي الفوعاني على فكرة تبدو بسيطة وهي عميقة في آن: لكل إنسان موهبة، وكل ما تحتاج إليه مكانٌ آمن يؤمن بها ويمنحها فرصة النموّ. من هذه القناعة أسّست العام 2019 «L’atelier des couleurs»، بعد مسيرة بدأتها بمعرضها الفردي الأول «أحاسيس متناثرة» العام 2015، ثم تواصلت بمشاركات في أكثر من ستين معرضاً داخل لبنان وخارجه، وإنجاز أكثر من ثلاثمئة لوحة أصلية، والإشراف على ما يزيد على ألف عمل فني لطلاب وفنانين ناشئين.

وهي حاصلة على شهادة في العلاج بالفن، ودرست التنمية البشرية وإرشاد الأسرة وتدريب المدرّبين والتصميم الرقمي، وتشغل عضوية مجلس إدارة نقابة الفنانين والحرفيين في البقاع.

في هذا الحوار تتحدّث الفوعاني عن البدايات والشغف، وعن الجمع بين دور الفنانة والمديرة والمدرّبة، وعن الفن وسيلةً للتعبير وتخفيف الضغوط، وعن عقبات الفنان الشاب في لبنان ودور البلديات والمؤسسات في دعمه، وعن حلمها بمنصة للمواهب تنطلق من البقاع.

 

من الشغف إلى الرسالة

1- كيف كانت بداياتكِ في عالم الرسم والفن؟ ومتى شعرتِ أن الشغف يمكن أن يتحوّل مساراً مهنياً؟

بدأت علاقتي بالرسم من حبٍّ حقيقي للوحة والألوان. ومنذ طفولتي وجدت نفسي في الرسم أكثر من أي شيء آخر؛ كان بالنسبة إليّ مساحةً أعبّر فيها عن مشاعري وأفكاري، قبل أن أدرك أن الفن قد يصبح يوماً جزءاً أساسيّاً من حياتي.

ومع الوقت لم يعُد الرسم مجرد هواية. صرتُ أدرس وأتطوّر وأجرّب وأشارك، وبدأت أكتشف أن الفن ليس لوحةً جميلة فحسب، بل لغة وقدرة على التعبير والتأثير في الآخرين.

أما اللحظة التي أحسست فيها أن الشغف قد يتحوّل إلى مسار مهنيّ، فكانت حين بدأت أرى أثر الفن في الناس، وبخاصة الأطفال والشباب. عندها أدركت أن رغبتي أكبر من أن أرسم لنفسي؛ أريد أن أخلق مساحةً تساعد غيري على اكتشاف موهبته والثقة بنفسه. ومن هنا كبرت الفكرة حتى تأسس «L’atelier des couleurs» عام 2019، ومنذ ذلك الحين صار الفن عندي شغفاً ومهنةً ورسالةً في آن واحد.

 

2- أسّستِ «L’atelier des couleurs» عام 2019، ما الدافع وراء تأسيس المحترف، وما الفكرة التي أردتِ تقديمها من خلاله؟

كان إيماني بأن لكل شخص موهبة، لكنها تحتاج إلى مكان آمن يؤمن بها ويمنحها فرصة النموّ، هو الدافع الأساسيّ وراء تأسيس «L’atelier des couleurs».

حين أسّست المحترف عام 2019 لم أرد مجرّد مكان لتعليم الرسم، بل مساحةً فنية وإنسانية يدخلها الطفل أو الشاب، وحتى الكبير، فيكتشف شيئاً جديداً عن نفسه، ويعبّر عن مشاعره ويكتسب الثقة بقدراته.

ومن هنا وسّعنا مفهومنا للفن، فأضفنا إلى الرسم والموسيقى مجالات أخرى كالحِرف والتصميم واللغات، لأنني أؤمن بأن الفن ليس مهارةً نتعلمها فحسب، بل وسيلة لبناء الإنسان. وهذا بالتحديد ما أحاول أن أحافظ عليه في «L’atelier des couleurs»: أن يبقى المكان الصحيح لكل موهبة تستحق أن تنمو.

 

ثلاثة أدوار في مرسم واحد

3- كيف تصفين تجربتك في الجمع بين دور الفنانة ودور المديرة والمدرّبة؟

هي تجربة فيها تحدٍّ كبير، لكنها في الوقت نفسه من أكثر التجارب التي منحت حياتي معنًى.

بوصفي فنانة، أحتاج دائماً إلى البقاء قريبةً من اللوحة والألوان ومن مشاعري وأفكاري، لأن الفن عندي ليس مجرد مهنة بل جزء من هويتي. وبوصفي مديرة، تقع عليّ مسؤولية أكبر: أن أحافظ على رؤية «L’atelier des couleurs» وأطوّرها، وأخلق بيئة يستطيع فيها كل شخص أن يكتشف موهبته ويشعر بقيمته. أما بوصفي مدرّبة، فأعيش أجمل أجزاء التجربة حين أرى طالباً كان خائفاً من المحاولة، ثم تتكوّن لديه بعد فترة ثقة بعمله وبنفسه. هذا في نظري هو النجاح الحقيقيّ.

أحياناً يكون الجمع بين الأدوار متعباً، فأنتِ تديرين وتعلّمين وتعملين فنانةً في الوقت نفسه، لكن كل دور يغذّي الآخر: الفنانة تمنح الرؤية، والمديرة تحوّل الرؤية إلى مشروع، والمدرّبة تحوّلها إلى تجربة يعيشها الآخرون.

 

4- ما الذي يميز أسلوبك في تعليم الفنون، وخصوصاً للأطفال والنساء؟

ما يميز أسلوبي أنني أشتغل على أكثر من جانب في وقت واحد. أهتم طبعاً بالقواعد والأساسيات الفنية، وأحرص على أن تصل المعلومة إلى الطالب بطريقة واضحة وصحيحة، لكنني لا أرى أن على جميع الطلاب أن يتعلموا بالطريقة نفسها.

أنقل إليهم خلاصة تجربتي فنانة، وأحاول أن أختصر عليهم الطريق من خلال الأخطاء والتجارب التي مررت بها، ليصلوا إلى النتيجة بشكل أوضح وأسهل. وشخصية الطالب وراحته النفسية مهمّتان جداً عندي؛ أحاول أن أفهم ما يحبه وما يجعله يتفاعل، والطريقة المناسبة معه، فأحياناً تكون طريقة التعامل مع الطالب أهم من المعلومة نفسها.

وقد ساعدتني الدورات التي أجريتها في التنمية البشرية والعلاج بالفن كثيراً في هذا الجانب، إذ منحتني قدرة أكبر على قراءة شخصية الطالب وفهم احتياجاته، ومعرفة من أي باب أدخل إليه.

وأنا، خصوصاً مع الأطفال، لا أريد للطالب أن يخاف من الخطأ. أريده أن يجرّب ويعبّر ويتطور، وأن يتأسس في الوقت نفسه تأسيساً صحيحاً. لذلك لا أعدّ مهمتي تعليم الطالب رسم لوحة جميلة فحسب؛ هدفي أن أصقل موهبته، وأبني ثقته بنفسه، وأساعده على اكتشاف أسلوبه وشخصيته من خلال الفن.

 

5- من خلال تجربتك مع الطلاب، ما أبرز المواهب التي تكتشفينها، وكيف تساعدينهم على تطويرها؟

اكتشفت أن المواهب لا تكون كلها واضحة من البداية. أحياناً يفوّت الطفل على المحترف فرصةً لأنه يحب أن يجرّب، وعبر الوقت والممارسة نكتشف لديه قدرةً مميزة في الرسم أو الألوان أو التفاصيل، أو حتى في طريقة التفكير والتعبير.

وأحياناً تكون الموهبة أبعد من الجانب الفني؛ فقد ألاحظ طالباً لديه خيال واسع، أو شخصية قيادية، أو قدرة على التركيز والصبر، أو جرأة في التعبير، وهنا يكون دوري أن أساعده على اكتشاف هذه القدرة وتطويرها.

لا أحب أن أضع الطالب في قالب واحد. أراقب تطوّره واهتماماته وطريقة تفاعله، ثم أوجّهه إلى التمارين والتقنيات التي تناسبه، وأعمل معه على الأساسيّات بشكل صحيح، وأمنحه في الوقت نفسه مساحةً ليجرّب ويجد أسلوبه الخاص.

وأهم شيء عندي الصبر والاستمرارية، لأن الموهبة وحدها لا تكفي؛ إنها تحتاج إلى تدريب وتوجيه وتشجيع. وأجمل لحظة بالنسبة إليّ حين أرى الطالب بعد فترة وقد صار يفعل أشياء لم يكن يتخيل أنه قادر عليها، وصار هو نفسه يؤمن بموهبته.

 

الفن للتعبير والعلاج

6- كيف يمكن للفن أن يساعد الطفل أو المراهق على التعبير عن مشاعره وأفكاره بطريقة صحية وإبداعية؟

أؤمن بأن الفن يحكي أحياناً عن أشياء لا نستطيع الحديث عنها بالكلمات. قد يمتلك الطفل أو المراهق مشاعر وأفكاراً لا يعرف كيف يعبّر عنها، خصوصاً إذا كان خجولاً أو لا يستطيع شرح ما يشعر به. ومن خلال الرسم والألوان يجد مساحةً آمنة يعبّر فيها عن نفسه دون خوف من الحكم أو الانتقاد.

وأنا، بصفتي مدرّبة، لا أفرض عليه ما يجب أن يرسمه أو ما يجب أن تكون عليه الألوان، بل أعطيه الحرية وأراقب طريقة تعبيره، وأحاوره إن أحبّ الحديث عن عمله. وهنا يصير الفن وسيلةً للتواصل، لا مجرد إنتاج لوحة.

وأهم شيء عندي أن يشعر الطفل بأن المكان آمن وأن من حقه أن يكون على طبيعته. ومع الوقت يساعده ذلك على بناء الثقة بنفسه وفهم مشاعره بشكل أفضل، وعلى تحويلها من شيء داخليّ قد يكون مربكاً إلى شيء إبداعي يستطيع أن يراه ويعبّر عنه.

وأعدّ العلاج بالفن مجالاً متخصصاً؛ ودوري مدرّبةً هو استخدام الفن وسيلةً للتعبير والدعم، أما الحالات التي تحتاج إلى تدخل علاجي متخصص فمكانها عند المختصين.

 

7- حصلتِ على شهادة في العلاج بالفن، كيف توظفين هذا المجال في عملك الفني والتعليمي؟

أضافت شهادة العلاج بالفن بُعداً جديداً إلى طريقتي في التعامل مع الفن والطلاب. كنت أؤمن أصلاً بأن الفن وسيلة للتعبير، لكن دراسة العلاج بالفن جعلتني أفهم بشكل أعمق كيف نستخدم العملية الفنية لمساعدة الشخص على التعبير عن مشاعره وأفكاره بطريقة آمنة وإبداعية.

وفي عملي التعليمي أستفيد من هذه المعرفة لأفهم شخصية الطالب أكثر، وأعرف كيف أقترب منه وأختار الطريقة المناسبة للتعامل معه، لأن المشكلة أحياناً لا تكون في قدرة الطالب الفنية، بل في طريقة تقديم المعلومة أو في حاجته إلى مساحة من الأمان والثقة ليستطيع التعبير. وفي فني الخاص صرت أتعامل مع اللوحة مساحةً أصدق للتعبير عن المشاعر والتجارب والأفكار، لا عملاً بصرياً جميلاً فحسب.

وأميّز في الوقت نفسه بين استخدام الفن وسيلةً للتعبير والدعم ضمن التعليم، وبين العلاج بالفن اختصاصاً علاجياً. فأنا فنانة ومدرّبة أستفيد من أدوات ومبادئ تعلّمتها، أما الحالات التي تحتاج إلى علاج نفسي متخصّص فمكانها بالتأكيد عند المختصين. وقد عزّز هذا المجال إيماني بأن الفن ليس شيئاً نرسمه فقط، بل وسيلة نفهم بها حالنا ونعبّر عن أشياء قد تعجز الكلمات عن إيصالها.

 

8- هل يمكن للفن أن يكون وسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان؟ وكيف؟

بالتأكيد، وأرى ذلك بوضوح من خلال تجربتي. يمكن للفن أن يكون مساحةً يبتعد فيها الإنسان، ولو لفترة، عن ضغط الحياة، ويعود إلى ذاته. فحين يرسم الإنسان أو يعمل بيديه يتركّز على اللحظة نفسها، ويتحول جزء من التوتر والأفكار المتراكمة إلى ألوان وخطوط وأشكال، أو حتى قطعة فنية. وأحياناً لا يقدر الشخص على الحديث عمّا في داخله، لكنه يستطيع التعبير عنه بالفن.

وهذا مهم خصوصاً اليوم، مع السرعة والضغوط الاجتماعية وكثرة استخدام الهاتف ووسائل التواصل. وأحب أن يكون «L’atelier des couleurs» مساحةً حقيقية يعود فيها الشخص إلى التواصل مع نفسه ومع الآخرين، بعيداً عن الشاشة ولو لفترة.

الفن لا يحل كل المشكلات، لكنه يمنحنا مساحةً نتنفس فيها وننفّس ونعبّر ونستعيد جزءاً من التوازن. وأحياناً يكفي أن يكتشف الإنسان أنه قادر على صنع شيء جميل بيديه، فيمنحه ذلك شعوراً بالقيمة والقدرة. وإذا كانت الضغوط مرتبطة بحالة نفسية تحتاج إلى علاج، فدور المختص النفسي أساسي، أما دوري فأن أقدّم الفن مساحةً آمنة للتعبير والإبداع والدعم.

 

اللوحة والمعرض

9- أقمتِ معرضك الفردي الأول العام 2015 بعنوان «أحاسيس متناثرة»، ماذا يمثل هذا المعرض في مسيرتك الفنية؟

لمعرض «أحاسيس متناثرة» عام 2015 مكانة خاصة جداً في مسيرتي، فقد كان معرضي الفردي الأول، وكان بمثابة أول خطوة حقيقية لأقدّم نفسي فنانةً وأقول من خلال أعمالي: هذا عالمي، وهذا ما أريد أن أعبّر عنه.

واختيار الاسم لم يكن صدفة. كنت أتعامل مع اللوحة مساحةً أضع فيها مشاعر وأفكاراً مختلفة، بعضها واضح وبعضها لم يجد كلمات، فجاءت الأعمال أشبه بمجموعة من الأحاسيس والتجارب المترجمة إلى لون وشكل.

لم يكن المعرض مجرد لوحات معروضة أمام الناس، بل لحظة واجهت فيها نفسي فنانة، ورأيت كيف يمكن لما أعيشه وأحسّه أن يتحول إلى عمل فني يتواصل معه الآخرون. وبعده تغيّرت نظرتي إلى الفن؛ صار إيماني أكبر بأن الفنان لا يرسم ليقدّم صورة جميلة فحسب، بل يجب أن يكون لديه ما يقوله، حتى لو كان إحساساً لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. لذلك أعدّ «أحاسيس متناثرة» نقطةً مفصلية، ومنه بدأت مرحلة مختلفة في علاقتي باللوحة وبالهوية الفنية التي ما زلت أطوّرها إلى اليوم.

 

10- شاركتِ في أكثر من 60 معرضاً داخل لبنان وخارجه، كيف أثّرت هذه المشاركات في تجربتك الفنية؟

كانت المشاركة في أكثر من ستين معرضاً وفعالية فنية جزءاً مهماً جداً من تطوري فنانةً، لأنها أتاحت لي فرصةً مستمرة لأختبر أعمالي وأتعلم وأرى كيف يمكن للوحة أن تصل إلى الناس بطرق مختلفة.

كانت معظم مشاركاتي داخل لبنان، أما خارجه فكانت عبر معارض وفعاليات فنية إلكترونية، وقد فتح لي هذا النوع من المشاركة باباً للتواصل مع فنانين وجمهور من أماكن مختلفة، وأعطاني إحساساً بأن الفن قادر على تخطّي الحدود وإن كانت المشاركة رقمية.

كان كل معرض تجربةً جديدة، لا لعرض لوحة فقط، بل لأسمع الآراء، وأرى تجارب فنانين آخرين، وأراجع نفسي وأطوّر أدواتي وأسلوبي. وأعتقد أن تراكم هذه التجارب هو الذي جعلني اليوم أكثر وعياً بما أريد قوله من خلال اللوحة، وأكثر جرأةً في التجريب، وأفهم أكثر أي نوع من الفن يشبهني وأي رسالة أريد إيصالها.

 

11- ما أبرز محطة فنيّة أو معرض شاركتِ فيه وما زال يحمل مكانة خاصة بالنسبة إليكِ؟

من الصعب أن أختار محطة واحدة، لأن كل معرض ترك عندي أثراً مختلفاً، لكنني إن أردت اختيار محطة لها مكانة خاصة فسأعود حتماً إلى معرضي الفردي الأول «أحاسيس متناثرة» عام 2015.

كانت تلك أول مرة أضع فيها مجموعة من أعمالي أمام الجمهور تحت عنوان يحمل رؤيتي أنا فنانة. كانت فيها رهبة كبيرة، وفيها في الوقت نفسه شعور قويّ بأنني أخطو خطوةً حقيقية نحو الهوية الفنية التي أريد بناءها.

وإلى جانب هذا المعرض، تبقى المعارض السنوية التي نقيمها اليوم عبر «L’atelier des couleurs» قريبةً جداً من قلبي، لأنها تجمع بين دوري فنانةً ودوري مديرةً ومدرّبة. حين أرى أعمال الطلاب معلّقةً جنباً إلى جنب، وأرى فرحتهم وثقتهم وهم يعرضون إنتاجهم، أشعر بأن الفن صار عندي أكبر من لوحتي الشخصية.

ولعل هذا هو ما تغيّر مع الوقت: كان همّي في البداية أن أعبّر عن نفسي بالفن، واليوم صار لدي أيضاً شغف بأن أساعد الآخرين على العثور على صوتهم الفني الخاص.

 

12- أنجزتِ أكثر من 300 لوحة أصليّة، هل لكل لوحة قصة أو حالة شعورية معينة تقف خلفها؟

بالتأكيد، لكن ليست كل لوحاتي مرتبطة بحالة شعورية واحدة أو بقصة شخصية مباشرة. لديّ أعمال مستوحاة من الطبيعة، أحاول فيها أن أنقل المشهد والضوء والألوان والتفاصيل بطريقة تعبّر عن رؤيتي أنا للمكان.

وفي المقابل، هناك لوحات تحمل فكرةً أو رسالة محددة أريد إيصالها، فأجمع أكثر من صورة أو عنصر وأعيد تركيبها ضمن تكوين واحد لخدمة الفكرة. هنا تكون الصورة وسيلة، أما الرسالة فهي الأساس. وأحياناً تبدأ اللوحة من إحساس أو فكرة، ثم تتطور خلال العمل وتأخذ شكلاً مختلفاً؛ لذلك لا أحب أن أحصر نفسي بطريقة واحدة، بل أترك للفكرة أن تحدد كيف يجب أن تكون اللوحة.

ولهذا حين أتحدّث عن أكثر من ثلاثمئة لوحة أصلية لا أراها مجرد عدد، بل مجموعة مراحل وتجارب مختلفة: بعضها يحكي عن الطبيعة، وبعضها عن مشاعر وتجارب، وبعضها يحمل رسالة حاولت إيصالها بتركيب العناصر والألوان. وأهم ما في الأمر عندي أن يكون للوحة سبب لوجودها، وأن يشعر المشاهد بشيء أو يفكّر في شيء حين يقف أمامها.

 

13- كيف تختارين موضوعات لوحاتك، وما الذي يلهمك عندما تبدئين عملاً فنياً جديداً؟

بصراحة، ليست لديّ طريقة واحدة أو موضوع محدد أبدأ منه دائماً. أحياناً تكون البداية من مشهد أراه ويشدّني، خصوصاً من الطبيعة والضوء والألوان، أو حتى تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها غيري.

وأحياناً تكون عندي فكرة أو رسالة معينة أريد إيصالها، وهنا أبدأ بالتفكير في كيفية تحويلها إلى صورة وتكوين وألوان، وقد أستعين بأكثر من صورة أو مرجع لأبني المشهد الذي يخدم الفكرة. وفي أعمال أخرى أبدأ من إحساس أو حالة معينة، وأترك اللوحة تأخذ طريقها وتتطور؛ فأحياناً أعرف ما أريد من البداية، وأحياناً تفاجئني اللوحة نفسها وأنا أعمل عليها.

الإلهام عندي موجود في كل ما حولنا، لكن الأهم هو كيف يرى الفنان ذلك وكيف يترجمه بلغته الخاصة. وأحب دائماً أن يكون لدي سبب لأرسم اللوحة، سواء أكان جمال مشهد أم فكرة أم إحساساً أم رسالة أريد إيصالها.

 

من جدران المرسم إلى ميدان الفعاليّة

14- نظمتِ أكثر من 20 معرضاً وفعالية فنية، ما أبرز التحديات التي تواجه الفنان عندما ينتقل من الإبداع الفردي إلى تنظيم الفعاليات؟

ثمّة فرق كبير بين أن تكوني فنانة تشتغلين على لوحتك، وأن تنتقلي إلى تنظيم معرض أو فعالية فيها فنانون وطلاب وجمهور وتفاصيل كثيرة. وأصعب ما في الأمر، في رأيي، أن تحافظي على روحك الفنية وأنت منتبهة في الوقت نفسه إلى كل التفاصيل التنظيمية؛ فالمعرض الناجح ليس لوحات جميلة فحسب، بل اختيار للمكان، وترتيب للأعمال، وإضاءة، وتوقيت، وتنسيق، وتواصل مع الفنانين والضيوف، وإشراف على كل التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية صورة الفعالية.

وفي لبنان تحديات إضافية، من ناحية الإمكانات والتمويل والظروف العامة، وقد تضطرين أحياناً إلى العمل بإمكانات محدودة، لكنك تحاولين أن تقدّمي نتيجة تليق بالفنان وبالعمل الفني. وقد تعلمت أن التنظيم يحتاج إلى صبر ومرونة وقدرة على حل المشكلات بسرعة، وأن تعرفي العمل ضمن فريق وتوزيع المسؤوليات، لأن لا فعالية تنجح بجهد شخص واحد.

وكل معرض نظّمته كان تجربة جديدة علّمتني شيئاً، واليوم صرت أرى أن دوري فنانةً لا يقف عند اللوحة؛ فأحياناً يكون دوري أن أخلق مساحة تُوصل الفن إلى الناس وتجمع الفنانين والمواهب بعضهم ببعض.

 

15- شاركتِ ونظمتِ أكثر من 10 سمبوزيومات للرسم المباشر، ماذا يضيف الرسم أمام الجمهور إلى تجربة الفنان؟

الرسم المباشر أمام الجمهور تجربة مختلفة تماماً عن الرسم داخل المرسم. ففي المرسم يكون عندك هدوء ووقت ومساحة خاصة، أما حين ترسمين أمام الناس فتشعرين أنك تشاركينهم لحظة ولادة اللوحة، من أول خط إلى آخر لمسة.

والرسم المباشر تحدٍّ كبير بالنسبة إليّ، لأن الفنان يكون مكشوفاً أمام الجمهور، والكل يرى خطواته وقراراته وكيف يتعامل مع أي خطأ أو تغيير قد يحدث أثناء العمل. وهذا يقوّي الثقة بالنفس وسرعة البديهة والقدرة على اتخاذ القرار.

كما أن وجود الجمهور يخلق تفاعلاً جميلاً. فالناس يسألون أحياناً عن الفكرة أو الألوان أو طريقة التنفيذ، وهذا الحوار بحد ذاته يقرّبهم من الفن ويريهم أن اللوحة ليست مجرد نتيجة نهائية، بل رحلة كاملة. وبحكم مشاركتي في تنظيم السمبوزيومات رأيت كم تجمع هذه التجربة الفنانين وتخلق مساحة للتبادل والتعارف والتعلّم. وفي رأيي، من أجمل ما في الرسم المباشر أنك لا تقدّمين لوحة فقط، بل تجربة فنية حيّة للناس.

 

16- أشرفتِ على أكثر من 1000 عمل فني لطلاب وفنانين ناشئين، ماذا تعلمتِ من هذه التجربة؟

لعل أكثر ما تعلمته من الطلاب أن الموهبة ليس لها شكل واحد، وأنه لا ينبغي الحكم عليها من أول تجربة. ففي أكثر من ألف عمل فني رأيت أطفالاً وشباباً بدأوا بخطوات بسيطة جداً، ومع التشجيع والتدريب صار لديهم أسلوب وثقة وقدرة أكبر على التعبير. وعلّمني ذلك أن دور المدرّب لا يقتصر على إعطاء المعلومة، بل يشمل أن يعرف متى يوجّه ومتى يترك للطالب حرية التجربة.

وتعلمت أيضاً أن لكل طالب شخصيته وطريقته في التعلم؛ فهناك من يحتاج إلى تشجيع، وهناك من يحتاج إلى مساحة، وهناك من يحتاج إلى من يؤمن به قبل أن يؤمن هو بموهبته. وقد جعلتني هذه التجربة أرى الفن بعيون مختلفة، فالطفل قد يفعل شيئاً عفوياً جداً، وببساطته يذكّرنا بأن الفن لا يجب أن يبقى مقيّداً بالقواعد دائماً.

وأهم درس تعلمته أننا لا ينبغي أن نستعجل النتيجة. فأهم إنجاز أحياناً ليس أن يرسم الطالب لوحة جميلة، بل أن يكتشف أنه قادر على فعل شيء، وأن تصير لديه الجرأة ليقول: «أنا أستطيع».

 

الفنان الشاب والمجتمع

17- من وجهة نظركِ، ما أبرز العقبات التي تواجه الفنانين الشباب في لبنان اليوم؟

من أبرز العقبات اليوم، في رأيي، قلة المساحات والفرص الحقيقية التي تسمح للفنان الشاب بأن يعرّف بنفسه ويعرض أعماله ويلتقي بجمهور. كما أن الوضع الاقتصادي والظروف العامة في لبنان تدفع كثيراً من الشباب إلى وضع الفن جانباً، لأنهم يضطرون إلى التفكير أولاً بالاستقرار والعمل وتأمين مستقبلهم. وقد يمتلك الفنان موهبة كبيرة، لكنه لا يملك الإمكانات أو الدعم الكافي لتطويرها.

وثمة مشكلة ثانية، هي أن بعض المواهب لا تثق بنفسها بما يكفي. فقد يكون لدى الفنان شيء مميز، لكنه يخاف من المشاركة أو يقارن نفسه بغيره ويظن أنه لم يصبح جاهزاً بعد. وهنا يأتي دورنا مجتمعاً ومؤسسات وفنانين، في أن نخلق بيئة تشجّع الفنان الشاب وتمنحه فرصة حقيقية ليتعلم ويجرّب ويخطئ ويعرض أعماله.

وأنا أقول دائماً إن الموهبة وحدها لا تكفي، لكنها أيضاً لا ينبغي أن تضيع بسبب غياب الفرصة. فالفنان الشاب يحتاج إلى مساحة وتوجيه وتشجيع، وقبل ذلك كله إلى شخص يؤمن به ويعطيه أول فرصة.

 

18- كيف يمكن للبلديات والجمعيات والمؤسسات الثقافية أن تلعب دوراً أكبر في دعم الفنانين والمواهب المحلية؟

أولى الخطوات، في رأيي، أن نعدّ الفن جزءاً أساسياً من حياة المجتمع، لا شيئاً ثانوياً أو كمالياً. فبإمكان البلديات والجمعيات والمؤسسات الثقافية أن تؤدي دوراً كبيراً بتأمين مساحات للفنانين يعرضون فيها أعمالهم، وبتنظيم المعارض وورش العمل والفعاليات الفنية بشكل مستمر، وبمنح المواهب الشابة فرصة حقيقية لتظهر وتتعرف إلى الجمهور.

والدعم ليس بالضرورة مادياً دائماً؛ فأحياناً يكون توفير مكان، أو فرصة مشاركة، أو تسليط الضوء على فنان أو موهبة، بداية مهمة جداً في مسيرته. وأهم ما في الأمر الاستمرارية: ألا نكتفي بفعالية فنية مرة في السنة ثم ننتهي، بل أن تكون هناك خطة مستمرة لاكتشاف المواهب المحلية وتطويرها وإشراكها في الحياة الثقافية في المنطقة.

ومن خلال تجربتي رأيت كيف يصنع التعاون بين الفنان والمؤسسات المحلية فرقاً حقيقياً، لأن الفن حين يخرج من إطار المرسم ويصل إلى الناس يصير جزءاً من هوية المجتمع وذاكرته. وأتمنى أن نرى مستقبلاً اهتماماً أكبر بالفنان والحرفي اللبناني، خصوصاً في المناطق، لأن لدينا مواهب وقدرات كبيرة، وكل ما تحتاجه أحياناً الفرصة والمساحة المناسبة لتظهر.

 

19- لديك تجربة في التعاون مع البلديات والجمعيات، كيف تقيّمين أهمية هذه الشراكات في نشر الفن والوصول إلى فئات جديدة من المجتمع؟

هذه الشراكات أساسية في رأيي، لأن الفنان وحده قد تكون لديه الفكرة والموهبة، لكن التعاون مع البلدية أو الجمعية أو أي مؤسسة يفتح له مساحة أكبر ليصل إلى الناس. ومن خلال تجربتي، كان كل تعاون من هذا النوع فرصة لنخرج بالفن من إطار المرسم أو المعرض التقليدي، ونوصله إلى أشخاص ربما لم يكونوا أصلاً ليفكروا في حضور فعالية فنية أو المشاركة فيها.

كما تساعد هذه الشراكات على الوصول إلى فئات مختلفة من المجتمع، خصوصاً الأطفال والشباب والمواهب الجديدة، وتمنحهم فرصة ليروا الفن جزءاً من حياتهم لا شيئاً بعيداً عنهم. وأرى أن الشراكة الناجحة يجب أن تقوم على تكامل الأدوار: الفنان يقدّم الفكرة والخبرة، والمؤسسة تؤمّن الدعم والمساحة والوصول إلى المجتمع. والهدف في النهاية ليس إقامة فعالية ثم تنتهي، بل خلق حركة فنية مستمرة، وتشجيع الناس على المشاركة واكتشاف مواهبهم، وجعل الفن حاضراً فعلياً في حياة المجتمع.

 

الفن في العصر الرقمي

20- بعد دراستكِ الغرافيك ديزاين والإعلان، كيف ساهم التصميم الرقمي في تطوير تجربتكِ الفنية؟

أضاف الغرافيك ديزاين والإعلان بُعداً جديداً إلى تجربتي الفنية. فأنا في الأساس فنانة تشكيلية، لكنني حين درست التصميم الرقمي صرت أتعامل مع الصورة بطريقة مختلفة، وصرت أفكر أكثر في التكوين وتوزيع العناصر والألوان والخطوط، وفي كيفية إيصال فكرة معينة بصرياً بطريقة واضحة ومؤثرة.

وقد ساعدني هذا المجال كثيراً في عملي في «L’atelier des couleurs»، خصوصاً في الإعلانات والهوية البصرية وتصميم المواد الخاصة بالمعارض والفعاليات، وصارت لدي قدرة أكبر على ترجمة الفكرة من مرحلة التصور إلى الصورة النهائية. ولا أرى الرسم والتصميم مجالين منفصلين، بل على العكس: كل منهما يغذي الآخر. فالرسم يمنحني الحس الفني، والتصميم علّمني كيف أرتّب هذا الحس وأستخدمه بدقة أكبر لخدمة فكرة أو رسالة. والأهم أن التصميم الرقمي لم يغيّر هويتي فنانة، لكنه وسّع أدواتي وأتاح لي أن أعبّر عن أفكاري بأكثر من وسيلة.

 

21- إلى أي مدى أثّرت وسائل التواصل الاجتماعي في طريقة عرض الفنان اللبناني لأعماله والوصول إلى الجمهور؟

أثّرت بشكل كبير، وصارت وسائل التواصل الاجتماعي بصراحة جزءاً أساسياً من حياة الفنان اليوم. ففي السابق كان الفنان يحتاج إلى معرض أو مساحة فنية ليوصل عمله إلى الناس، أما اليوم فيستطيع أن يعرض لوحته ويصل إلى جمهور أكبر، حتى خارج لبنان، من خلال صورة أو فيديو. وقد منح ذلك فرصة كبيرة للفنانين الشباب خصوصاً، إذ صار لديهم مساحة يعرضون فيها أعمالهم ويبنون اسمهم دون انتظار فرصة من معرض أو مؤسسة.

لكنني أرى في الوقت نفسه أن وسائل التواصل سلاح ذو حدّين، فهي قد تجعل الفنان يهتم كثيراً بشكل العمل وطريقة ظهوره، وينسى أن الأساس هو العمل الفني نفسه والفكرة والقيمة التي وراءه. وأنا أستفيد منها شخصياً وسيلةً للتعريف بأعمالي ونشاطاتي، وللتواصل مع الطلاب والجمهور، ولإيصال الفعاليات الفنية إلى عدد أكبر من الناس. وأرى أن الفنان اليوم يحتاج إلى أن يعرف كيف يستخدمها، لا ليصير مشهوراً فحسب، بل ليوصل فنه ورسالته إلى الجمهور المناسب، ويحافظ في الوقت نفسه على هويته الفنية الخاصة.

 

رؤية وأحلام

22- إلى جانب الفن، درستِ مجالات مرتبطة بالتنمية البشرية وإرشاد الأسرة وتدريب المدربين، كيف تلتقي هذه المجالات مع تجربتكِ الفنية؟

هذه المجالات لم تكن بعيدة عن الفن في نظري، بل على العكس، ساعدني كل واحد منها على فهم الإنسان أكثر، وانعكس ذلك مباشرة على تجربتي فنانةً ومدرّبة. فالفن في النهاية يتعامل مع الإنسان ومشاعره وأفكاره وطريقة تعبيره، وحين تكون لدي معرفة بالتنمية البشرية وإرشاد الأسرة وتدريب المدربين يصير لدي وعي أكبر بكيفية التواصل مع الشخص، وكيف أفهم احتياجاته وأختار الطريقة المناسبة للتعامل معه.

وقد ظهر ذلك خصوصاً في عملي مع الأطفال والطلاب. فليس كل طالب يتعلم بالطريقة نفسها، وليس كل شخص بحاجة إلى الأسلوب نفسه أو القدر نفسه من التوجيه؛ وأحياناً لا تكون المشكلة في المعلومة، بل في طريقة إيصالها أو في طريقة تعاملنا مع الشخص. وساعدتني هذه المعارف مديرةً أيضاً، لأن إدارة فريق والعمل مع أناس مختلفين تحتاج إلى فهم الشخصيات والاستماع والتواصل وتحفيز كل شخص بالطريقة المناسبة. وأرى أن للفن علاقة قوية ببناء الإنسان؛ لذلك كلما فهمت الإنسان أكثر استطعت أن أكون فنانة ومدرّبة ومديرة أفضل، وأن أخلق بيئة فنية فيها مساحة للتعلم والتعبير والثقة بالنفس.

 

23- بصفتكِ عضواً في مجلس إدارة نقابة الفنانين والحرفيين في البقاع، ما القضايا التي ترين أنها تحتاج إلى اهتمام أكبر لدعم الفنان والحرفي؟

في رأيي، هناك أكثر من موضوع يحتاج إلى اهتمام أكبر، وأولها إعطاء الفنان والحرفي مساحة حقيقية ليظهر ويعمل ويبيع إنتاجه، لأن المشكلة أحياناً ليست في نقص المواهب بل في نقص الفرص. ومن المهم كذلك أن يكون هناك دعم أكبر للمعارض والفعاليات والورش الفنية، وتشجيع للفنانين والحرفيين على المشاركة، خصوصاً الشباب والمواهب الجديدة، حتى لا يبقى عملهم محصوراً في نطاق صغير.

ومن القضايا المهمة أيضاً توثيق أعمال الفنانين والحرفيين والتعريف بهم وبإنجازاتهم، لأن في البقاع مواهب كثيرة ربما لم تنل الظهور الكافي. أما بالنسبة إلى الحرفيين تحديداً فعلينا أن نساعد على الحفاظ على الحِرف اليدوية وتطويرها وربطها بالسوق وبالناس، لتبقى الحرفة مصدر إبداع ودخل في آن واحد. وأرى أن دور النقابة لا يقتصر على تمثيل الفنان والحرفي، بل يشمل جمعهم وفتح أبواب التعاون بينهم والمطالبة بفرص ومساحات أكبر لهم. وطموحي أن لا يضطر الفنان والحرفي في البقاع دائماً إلى الابتعاد ليجد فرصة، بل أن تكون لدينا هنا حركة فنية وثقافية قوية تمنحه قيمة وفرصة، وتوصل إنتاجه إلى جمهور أوسع.

 

24- ما المشروع الفني أو التعليمي الذي تحلمين بتحقيقه مستقبلاً، سواء على مستوى البقاع أو لبنان؟

لدي أكثر من حلم، لكنني إن أردت اختصاره في مشروع واحد فأحلم بإنشاء مساحة فنية وتعليمية أكبر تكون بمثابة منصة للمواهب، لا لتعليم الرسم أو الموسيقى فحسب، بل لاكتشاف الموهبة من بدايتها ومساعدتها على أن تكبر وتتحول إلى شيء حقيقي. وأتمنى أن تكون هذه المساحة مفتوحة للأطفال والشباب، وأن تجمع الفن التشكيلي والموسيقى والحِرف والتصميم والتعبير الإبداعي، وأن تضم مساحة للمعارض وورش العمل واللقاءات الفنية.

وأحلم خصوصاً بأن ينطلق هذا المشروع من البقاع، لأن عندنا مواهب كثيرة تستحق الفرصة، ثم يكبر ويصل إلى مناطق مختلفة في لبنان. ولا أريد أن يكون الهدف مجرد تخريج فنانين، بل بناء أشخاص يثقون بأنفسهم ويملكون القدرة على التعبير ومكاناً يكتشفون فيه إمكاناتهم. ولعل هذا الحلم أكبر من مشروع عادي، لكنني مؤمنة بأن كل مشروع كبير يبدأ بفكرة صغيرة وإيمان حقيقي بها، وهذا بالضبط ما حاولت أن أفعله منذ البداية من خلال «L’atelier des couleurs».

 

25- ماذا تقولين للطفل أو الشاب الذي يمتلك موهبة فنية، لكنه لا يملك الثقة الكافية ليبدأ طريقه في عالم الفن؟

أقول له: لا تنتظر حتى تصير واثقاً من نفسك لتبدأ، ابدأ لتبني ثقتك بنفسك. فما من فنان يبدأ وهو كامل أو يعرف كل شيء. قد تكون البداية بسيطة، وقد تخطئ، وقد تنجز شيئاً لا يعجبك، وهذا كله جزء من الطريق.

والأهم ألا تقارن نفسك بغيرك. فلكل فنان وقته وأسلوبه وطريقته الخاصة؛ ركّز على تطورك أنت، وتعلّم كل يوم شيئاً جديداً. وإن كانت لديك موهبة فلا تخَف منها ولا تخبّئها؛ ابحث عن المكان الصحيح وعن الشخص الذي يشجعك ويوجهك، وكن جريئاً في التجربة. وأنا أقول دائماً لطلابي: ربما لا ترى اليوم قيمة ما تفعله، لكنك مع الوقت والتدريب قد تكتشف أن لديك شيئاً مميزاً جداً. آمِن بموهبتك حتى لو لم يرها غيرك بعد، لأن أول شخص يجب أن يؤمن بك… هو أنت.

 

26- أية كلمة توجهينها عبر منصة حرمون؟

أحب أولاً أن أشكر منصة «حرمون» على هذه المساحة، وعلى اهتمامها بالفن والفنانين وتسليط الضوء على التجارب والمواهب المحلية. وأريد أن أقول إن دور المنصات الإعلامية والثقافية مثل «حرمون» مهم جداً، لأن دعم الفنان ليس مادياً دائماً؛ فأحياناً أن تعرّفي الناس إلى فنان، وتسلّطي الضوء على تجربته، وتمنحيه مساحة ليتحدث عن عمله، هو بحد ذاته دعم كبير يفتح له أبواباً جديدة. وأتمنى أن تظل «حرمون» وغيرها من المنصات تؤدي هذا الدور، لأن الفنان يحتاج إلى من يرى تجربته ويسمع صوته ويوصل فنه إلى الناس.

وأحبّ أن أوجّه كلمة إلى كل من لديه موهبة: لا تستهِن بالبداية الصغيرة، ولا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ. آمِن بموهبتك وطوّر نفسك وواصل التجربة، لأن كل موهبة تستحق فرصة. وأنا مؤمنة بأن الفن ليس لوحة أو موسيقى أو حرفة فحسب، بل طريقة نبني بها الإنسان ونترك أثراً جميلاً في المجتمع. وشكراً لـ«حرمون» على هذا الدعم وهذه المساحة، وإن شاء الله نظل نلتقي دائماً على الفن والإبداع.

#حوارات

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون