
عصام سعيد المقت.. طابع راشيا الفضيّ
كان يغبطني عندما تبرز وسيلة إعلامية صورة صديقي، صهري العزيز عصام المقت بين صفحاتها، أو في معرض تحقيق صحافي عن ما تشتهر به راشيا الوادي، فلا تجد أشهر فيها من أن تتصل به لتزوره في محترفه التاريخي بجانب القاعة العامة في مدينة الاستقلال الموسميّ المنسيّ، سائلة مصورة باحثة عن حرفة صياغة الفضة والذهب وتاريخها في راشيا، وكيف تريشنت فيها خلال قرن مضى، وكيف نشأت فيها محترفات صياغة راقية كان بعضها فروعاً لمحترفات رشاويين صاغة في الشام. وفي الشام أحبوا أن يحيوا متجاورين فكان حيٌ للتيامنة.
من شاشة فضيّة، إلى صفحات مجلة، إلى صفحات جريدة، قبل أن يدهمها الاندثار الورقيّ، لينتقل مجد صهري إلى المواقع الإلكترونيّة؛ سامحه الله، حاور الجميع إلا منصة حرمون. ربما لأنه كان يعتبرها “في الجيبة”، مرّات عدة أحثه على الفيض لنوثّق، فيبتسم ويتلكأ بدلال حيناً أو بمواربة حيناً آخر، حتى لم يبقَ لنا من مشروع التحقيق الجهيض إلا صورٌ لعشرات المصنوعات الفضيّة، أرادها ربما للذكرى لتفصح عن مكنونات فنّه، وصورةٌ باسمة وهو يلتقط أنبوب الغاز المشتعل، ولا ندّعي أنها صورٌ حصريّة أيضاً.
زبدة الفكرة ليست هنا، بل أصبح صهري العزيز “طابع راشيا الفضيّ”، يزيّن الإعلام، ففي مقابلة مع موقع الخليج، في تاريخ 29 مايو 2014، بعنوان “عصام المقت: “الرشانية” تقاوم الاندثار” تقول الصحافية إنّه ابن 58 عاماً وله في كار الصياغة 35 عاماً، وتعتبره “يعتبر الحرفي الوحيد بعد تراجعها.
عصام المتربّع على ضوء الذهب والفضة، ونجم الجرائد والشاشات والمواقع.. غادرنا أمس عصر الثلاثاء 13 من تشرين الأول 2026، لتفقد راشيا سفيرها الجوهرجيّ من عالم الدنيويات إلى عالم الملكوت. وهذا الضوء المعتق بروح الطيبة، بمعجن الوفاء، بنبل القيم، بطيب الجيرة، لا يخبو لا في وجدان المجتمع في عالم الأرض ولا في عالم الملائكة السماوي.
أعرف ذا البسمة اللطيفة، الأخّاذة بلا نفاق أو زيف، الوادعة بتواضع ولطف آسر، بملقاه المحبّ، ولسانه الدافئ، وثقافته المتماسكة، ودفاعه الشرس عن موقفه ورأيه، وبثقة أقول إن عصاماً من القلة التي تفكر “من فوق”، بعقلها. عصام المحنّك في مساومات الزبونات من النسوة القرويّات، على بضع غرامات من الفضة أو في صفقة بيع دملج أو إسوارة، عصام البورصة في مكاشفاتهنّ الريفيّة، في ما يتعدى مدخل الضيعة ومطلّ القرية، في ما لا تدرسه كبريات معاهد إدارة الأعمال من خبرات ومهارات تفاوض وإدارة وتواصل..
****
عرفته منذ أكثر من نصف قرن في جلسات المتة والقهوة ودفء الشتاء، يعمّرها أكثر من جيل عركته الأيام والثورات والسياسة وكارات الحياة، اكتشفنا أنّنا على طرفي نقيض في كثير من الأفكار وحب الألوان، فالثورة التي كانت تتأجج في دمي لا يصل من نارها أو جحيمها أو أوارها إلى دمه شرارة تذكر. اكتشفت حينها خبرة صداقة الضدّ، ومحاورة المختلف، وأخذت أكتشف الزوايا المظلمة والمتاهات المعتمة من رأيي ومن فكري، لأصوّبه، متلمساً طريقي الجلجلة إلى التفلسف، وأكشف في الوقت نفسه الثقب الأسود للفكر والحوار الذي يبتلع الجميع. كان عصام شريكي المضارب، بوعي منه أو بغير وعي، في الرحلة الفريدة إلى جوفه اللامتناهي، وأحياناً نعود منه وأحياناً لا نعود.
من مظاهر عراكنا الثقافيّ أنه في أواخر السبعينيّات اقترح عليّ قراءة كتاب عن بلوهر، وعندما عرفت أنه ينتمي إلى حضارة الشرق الأقصى، أعدته إليه، معتذراً، وقلت له مؤنّباً: حريّ بي أن أقرأ عن وطني وأرضي التي تتلاشى تحت قدميّ، عن بلدي وتاريخه، عن فلسطين ومَن يغتصبها، فلا أرى القراءة ترفاً أو اطلاعاً لأجل الاطلاع.
محطّة ثانية، كانت في علاقتنا المديدة، بعد الاحتلال الإسرائيلي تمّ تجميد النشاط السياسي والحزبي وتعطلت الأنشطة الثقافية، وكنت عشرينياً، فوجدت ضرورة لتفريغ الطاقة في الاهتمام برابطة عائليّة كان عصام نائب رئيس فيها، جرى حوار بين المبادرين من الشباب مع الهيئة الإدارية وتمّ التسلم والتسليم، وانتخاب هيئة إدارية وانتخابي رئيساً، وكانت في المناسبة لقاءات عديدة وحوارات كثيرة.
محطة ثالثة، عندما تقدّم بطلب يد أختي الصغرى إملي، لم أرحّب حينها بالمشروع، لأني كنتُ أحب لها أن تكمل دراستها إلى صف أعلى، لقيمة العلم للمرء، وبخاصة للبنت، لكن كان لها وللمرحومة والدتي رأي آخر، فتم النصيب بحضور الحبيب.
كان عصام يزن طعامه بميزان فضّة، كمّية ونوعاً، وهذا كان يرتب على “الشيف إملي” جهداً، لبذل عناية كافية في متابعة لوائح الطعام المقبول أو المرذول. “هالأكلة أضرتني”، “تلك مناسبة، بس بلا زيت”، و”هذا من دون توابل…”. ومضى عقوداً من السير على شعرة الحمية حتى اضطر لمراجعة طبيب بروفسور راشاويّ بارع مراراً. وعندما تسأله عن رفقته بالحمية يقول “هوهو”، أي منذ وقت مديد يكاد لا يعرف بدايته.
كان القدر كامناً في خريف 2025، حيث بدأت آلام جديدة تقضّ مضجعه، فعاد للفحوص والاستشارات والصور والتحاليل، حتى بلغ مستشفى الجامعة الأميركية لإجراء ناظور معدة للدقة في التشخيص. بلغ التشخيص حد أخذ عينة للاشتباه بإصابة سرطانية. تأكدت الشبهة وبدأت رحلة العلاج الشعاعي والكيماوي. تكرر أكثر من مرحلة، لكن قال الأطباء إنهم سيطروا على الحالة ولكن لا بدّ من فحوص دورية كل فترة للمتابعة.
بعد فترة اقترحوا استئصال المعدة، تجنباً لعودة الإصابة وانتشارها.. وقالوا إنها عملية معقدة، لكنها ضمن الاستطاعة. إنما الكلفة كبيرة!! رفض عصام وأصرّت الأسرة فبموازاة تأكيد الأطباء بنجاح العملية وبكونها العلاج الشافي لحماية الزوج والأب، لا تُقاس الأموال بتلك النعمة. تيسّرت العملية. استُؤصلت المعدة. دُفعت التكاليف الفلكيّة. وعاد المريض شاكراً ربه على حسن النتيجة، وعادت الأسرة تحمد حسن الخيار المتاح، المسوَّق بنكهة العراقة.
تخلّى عصام عن لوائح الحمية، تذوّق بعد عقود من الامتناع أو القمع أطايب الطبق اللبنانيّ، متلذذاً بها.
بعد أشهر قليلة عاد التوعّك. وعادت الزيارات المتكررة إلى المستشفى، وأخذت الحالة تزداد حدّة. والتفسير الطبي التهابات تمّت السيطرة عليها. لكن الحقيقة الواضحة أن الإصابة السرطانية عادت من جديد، بحدّة جديدة، بخطة خبيثة كامنة ومبيتة عن سبق إصرار وترصّد، متسلّلة من أمكنة جديدة.
هنا لا يجوز أن نمرّ على تلك الحقيقة مرور الكرام، او مرور البلهاء، لا فرق أحياناً، بل لفتح الأسئلة واسعاً وعميقاً في التفاصيل، في الوسائل، في مدى مراعاة الاقتراحات الطبية لصحة المريض، ومدى مصداقيّة تفسيرات الأطباء، لصحة المرضى؛ هل الأطباء ينفذون خطة رشيدة لإنقاذ مريض باءت بالفشل؟ أم أنهم يختبرون فرضية ليحسموا نتيجتها؟ وفي هذه الحالة ينبغي أن يكون عملهم تطوّعاً ومقترناً بتطوّع المريض ووعيه أن العمل الطبي تجريبي، ومفتوح على خيارات عدة، منها خيارات سلبية، ليرفعوا عنهم تهمة اعتبارهم مرضاهم ميدان تجارب؟ إن كان المرض لا يمنعه استئصال معدة بكلفة 15 ألف دولار، فلماذا يتمّ استئصالها إذن؟! والنتيجة هي الوفاة؟ وهذه الكلفة على أسرة مستورة تطال خبزها الكفاف وماءها القراح، وليست من فضلة ميراث أو ورقة لوتو؟ فمَن يحاسب جزّاري الطب، إن صدق السؤرال المفتوح على الكافة للنقاس والتحقيق، في مغارة علي بابا اللبنانية، الذين يستغلون عقليّة العامة بوهم “المكتوب ما منّو مهروب”!!
****
على كل حال يا عزيزي عصام، لنا جميعاً بسمتك الأولى، ولنا أنا وزوجتي، بسمتك الأخيرة، التي غمرتنا بها، يوم زرناك، وسمعنا صوت مناداة، فقالت أم جمال “تشوف عصام شو بدو؟”. بادرت زوجتي بطلب أنها بتحب تسلم عليه، فلم يكن مانع. دخلنا الغرفة فتفاجأ بنا، واستقبلنا ببسمة سحريّة من الوداعة واللطف والدفء. كانت ومضة عابرة من فرح اغتاله وجع وألم. فقطب وجهه بحزن وسكت. أخذت الغصة تجفّف حناجرنا. فقدّرنا الموقف وتمنينا لعصامنا الفرج بالعافية وخرجنا. ولكن حدسنا كان يقيناً أنّها البسمة الأخيرة.
يا طابع راشيا الفضيّ، يا من ضنّ علينا بحوار نعيد نشره الآن ترحّماً وذكرى، وأنت في معراجك إلى الربّ، حَيِّ من نعرفه ومن تعرفه، ولا تخبرهم عنا.. أننا سقطنا في التهلكة والتلاشي، أننا نخجل بما نحن وما ألنا إليه، أننا أمة تساقطت كورق الخريف، جبلٌ هنا، وادٍ هناك، ساحلٌ هنالك، ميادين مذابح وحمّامات دم، تتنازع على قسمة ضيزى وكلّها خاسرة لأن قلوبها شتّى وعقولها فارغة من وجدان.
***
نشيّعك اليوم. والعيون دمعى، والأرواح حرقى، والنفوس لوعى. ولكن عزاءنا بسمتك وروحك وقلبك ورفقتك، فكنتَ نجدتنا عندما نستغيث بمُعين، وكنت سندنا عندما يعزّ السند.
سلاماً عليك يوم ولدت، ويوم نشأت طفلاً نجيباً يصرّ المدير جورج أبو عسلي على تقديمك ورقة مختار لإثبات هويتك الضائعة لبنان والأردن، ليضمن لمتفوّق المدرسة عصام السعيد المقت خوض امتحان شهادة السرتفيكا، أواخر الستينيّات.
ويوم توجّعت فصبرت، ويوم ارتقيت فعبرت عروجاً إلى الربّ العليّ طاهراً منقّى.
سلاماً عليك يا مَن كان يبرز مكتبته في مدخل بيته ويحميها من يد السوقة العابثة ومن غبار الناس.
سلاماً عليك، بما أعطيت وأفنيت عمرك فغلّة أسرة الأقمار والكواكب تحمل الضوء منك وبك وبعدك إلى كل مدار.
وحسبي شهادة والشهادة اختبار.
الرحمة لروحك والعزاء لأسرتك ومحبيك، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون والمجد للعطاء النبيل. ولـ”حرمون” عزاء “لمعة الفضة” الآتية بلا ريب.
*فجر الأربعاء 14 – 10 -2026










