
لماذا عيد العمل؟
هاني سليمان الحلبي
(ناشر منصة حرمون – عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين – عضو نقابة محرري الصحافة)
النفس الإنسانية، مجهزة طبيعياً باستعدادات وحوافز كثيرة، من شأنها تعزيز الحافزية للبقاء والحياة.
وهذه الحوافز هي قوى وميول من شأنها تحفيز الكائن للعمل والفعل والحضور ليعمل ويعطي وينمو ويتطوّر ويطوّر ويرتقي بوجوده من حال إلى حال ومن مرتبة إلى مرتبة.
وأن يُشكر العاملون حقهم وواجب على مَن يرون في عملهم صنعاً جميلاً يستحق الشكر. وما يستحق الشكر هو بطبيعته مَن كان عاملاً لجودة الحياة ورفعتها وسموّها. وهذا النوع من العمل هو في جوهر التحفز للحياة. وكل مَن يعمل للحياة هو منها ولها، كنسبة الابن للأم.
والاعتدال عادة قيّمة وسطى بين تطرّفين، كالشجاعة وسطى بين التهوّر والجبن، والحق بالشكر لمن يعمل هو وسط بين تضخّم الأنا في العامل وبين الخوف من الحضور بالسعي للاختفاء كلياً.
ومن وجوه التطرّف بالمغالاة الفردية اتجاه فراعنة وملوك وأباطرة إلى تدمير ما عمله السابقون أو إلى محو أسماء السابقين عليهم لإضافة أسمائهم هم ونسبة تلك الأعمال إليهم، وهم لم ينالهم من غبارها شيء ولا من كدّها نقطة عرق. وهكذا اعتُبرت سرقة الأعمال وجهود الآخرين نقيصة ومثلبة مذمومة في كل أدوار التاريخ.
وجه إيجابي يُذكر في هذا المعنى، لملك متنور هو جلجامش، ملك أوروك (الوركاء) في بلاد ما بين النهرين، بعد عودته من رحلته الشهيرة في البحث عن زهرة الخلود، التي قالت له العرّافة، حسب نص الملحمة، إنها تساعده على أن يخلد فيعصى جسده الموت ويبقى إلى الأبد؛ لكنه لما عاد منكسر الخاطر وأصبح على مقربة من أسوار المدينة التي رفعها وتوّجها الآجر الأحمر، اقتنع أن ما يبقى من الأفراد العاملين هو عملهم المحسّن للحياة والمطوّر قيمتها والرافع مستواها، وليتحقق هذا ينبغي أن يكون العمل لخدمة الناس كافة، بلا حدود.
بهذه القناعة قدّم جلجامش العمل على مَن يُنسب إليه، فالعمل هو الأبقى، وإن كان من حق العاملين أن يحفظ حقهم في ما عملوا. فيُنسب إلى إقليدس ما قدّم للرياضيات وإلى ماكس ما قدّم للذرّة وإلى أفلاطون وزينون وغيرهم ما قدّموا للفلسفة… لكن قيمة الأمر ليست في نسبة العمل إلى فرد إلا للتنظيم الحقوقي والملكية الفكرية، في حد زمني ما، لأن المتاح بعد هذا الحد هو المشاع الإبداعي للحضارة، بل في قيمة العمل ودورها في رفع مستوى الحياة إلى سموّ أعلى مما هي عليه. وكل عمل لا يسمو بالحياة وبالإنسان هو جهد مهدور وسعي مبتور.
لذلك كثيرون هم الهادمون للجمال والبناء ولا يستحق عملهم إلا التنديد والاستنكار والقمع، وكثيرون هم المعطّلون قوة الروح العاملة والجسد العامل بالإحباط والإعاقة وغيرهما، وهؤلاء يجب علاجهم واستعادتهم لجادة العمل البناء أو إزاحتهم من درب العاملين للحياة والخير والحق.
كل عيد عمل وأنتم طيّبون عاملون للحياة والخير والحق.


