
بين مبضع الطبيب وفكر الفيلسوف.. الدكتور أسعد منذر يفتح علبة أسراره الشيّقة لـ “حرمون”.. إلى التفاصيل
في هذا اللقاء الاستثنائي، تُبحر منصة “حرمون” في عوالم قامة علمية وثقافية بارزة، جمعت بين دقة العلوم الطبية وعمق الرؤى الفلسفية. نلتقي بالباحث الطبيب الدكتور أسعد جابر منذر، ابن مدينة السويداء، وأول اختصاصي بأمراض الكلى في المحافظة، ومؤسس قسم الكلية الصناعية فيها. الدكتور منذر ليس طبيباً يداوي الأجساد فحسب، بل هو مفكر يبحث في كينونة الإنسان، وباحث أصيل في التراث والتاريخ السياسي والأدب الشعبي لجبل العرب.
في هذا الحوار الشيّق والممتد، يأخذنا في رحلة عبر مسيرته المهنية الحافلة بين الوطن والغربة، متحدّثاً عن تحدّيات البدايات، وتطوّر ميثاق الطب، والعلاقة الجدليّة بين الأدب والطب، ورؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعيّ في الرعاية الصحية، وصولاً إلى قراءته العميقة لمئوية الثورة السورية الكبرى وأثرها في بناء الهوية الوطنية الجامعة.
إعداد وتنسيق: ميساء عبدالله أبو عاصي
البدايات الأكاديمية والمهنية: تمازج الطب والفلسفة
1- نتشرّف باستضافتكم في موقع “حرمون”، وحبذا لو تُعرّفون قراءنا وزوار موقعنا بحضرتكم؟
أنا الدكتور أسعد جابر منذر، من مدينة السويداء، من مواليد عام 1956. حصلت على شهادة الطب العام سنة 1981 من جامعة دمشق، ثم شهادة الاختصاص بأمراض الكلى الداخلية عام 1986. وافتتحت قسم الكلية والكلية الصناعية (غسيل الدم) في السويداء؛ إذ كنت طبيب الكلى الأول في المحافظة. خلال فترة الاختصاص درست الفلسفة في جامعة دمشق. أنا مهتم بالتراث والأدب عموماً، والأدب الشعبي خصوصاً، وكذلك بالتاريخ، ولا سيما التاريخ السياسي، إن صح التعبير. صدر لي كتاب بعنوان: (البعد الوطني للشعر الشعبي في جبل العرب)، ولي عدة مقالات ومحاضرات، أبرزها: “الجبل يواجه الفرنسيين من الانتفاضة إلى الثورة (1920-1925)”، “الذكاء الاصطناعيّ والطب”، “علاقة الأدب بالطب”، و”قراءة في حيثيّات حكم الإعدام بحق سلطان باشا الأطرش”.
2- خلال فترة دراستك لاختصاص أمراض الكلى، درست الفلسفة أيضاً في جامعة دمشق. كيف جمعت بين العلوم الطبيّة والفلسفة؟ وهل أثر ذلك على طريقة تفكيرك وممارستك الطبيّة؟
لا شك في أن دراسة الفلسفة تعزّز قدرة الطبيب على المحاكمة العقلية، وتمنحه مقاربة أكثر وعياً للحالات المرضية. وفي هذا المجال تحضرني واقعة في كلية الفلسفة؛ عندما دخلت إلى مكتب أحد الأساتذة لمناقشة حلقة البحث التي كنا قد سلمناها مسبقاً له، وكان رجلاً متقدماً في العمر، وله هيبة ووقار، ويبدو أنه قد عرف بطريقة ما أنني طبيب رغم حرصي على إخفاء ذلك. قال لي: “لقد وضعت لك علامة 19 من عشرين، والعلامة الأخيرة تركتها لأسألك: ما الذي دفعك لدراسة الفلسفة وأنت طبيب؟”، فأجبته: “كي يكتمل فهمي لطبيعة الإنسان؛ فيزيائياً وفيزيولوجياً من خلال الطب، وفكرياً وعقلياً من خلال الفلسفة”. وأتذكّر أنه كان سعيداً جداً بهذا الجواب، فمنحني العلامة الأخيرة.
تحدّيات التأسيس والعمل في الغربة
3- لكونك أول طبيب لأمراض الكلى في السويداء، كيف كانت التحديات التي واجهتها في اختيار هذا الاختصاص في منطقتك والتخرّج فيه؟
التحديات التي واجهتني في بداية عملي في الاختصاص كانت كثيرة، وأهمها ضعف الإمكانيّات المادية في المستشفى، ولا سيّما في تأمين التحاليل الدقيقة التي تحتاجها متابعة مريض الكلى عموماً، ومريض التنقية الدموية (غسيل الدم) خصوصاً. يُضاف إلى ذلك أن طبيعة الاختصاص لم تكن مفهومة وقتها، حتى من قبل كثير من الزملاء.
4- أمضيت معظم حياتك العملية في الغربة، كيف أثر الابتعاد عن الوطن على مسيرتك المهنية وعلى نظرتك للطب والثقافة؟ وكيف تنظر إلى مفهوم الوطن وبخاصة في حالة البعد عنه؟
لنبدأ بموضوع الوطن باعتباره سؤالاً يثير الشجون؛ ففي الغربة يصبح الوطن انتماءً وهوية بعيداً عن أي موقف سياسي من حكومة أو نظام. أذكر عندما ركبت الطائرة متوجهاً إلى ليبيا عام 1988 وصارت الطائرة فوق البحر، لاحظت أنني لا أشعر بحركتها إلا من خلال ابتعادها عن الساحل السوري، فحضرني القانون الفيزيائيّ الذي يقول: “لا تُدرك حركة جسم ما إلا إذا قورنت بجسم ثابت”، فكتبت وأنا في الطائرة: “هل يوجد أثبت من الوطن لندرك حركتنا ومسارنا؟”.
أما التأثير على حياتي المهنية فكان كبيراً جداً؛ إذ أتيح لي في الغربة الاحتكاك والتفاعل مع كوادر طبية من جنسيات متعددة، والاطلاع على تجارب وأساليب عمل مختلفة. في الفترة التي عملت فيها في ليبيا، كانت الدولة تعتمد على إدارة مستشفياتها من قِبل طواقم كاملة من جنسية واحدة لكل مستشفى، وقد كان نصيبي أن أعمل مع طاقم بولوني (بولندي). وباختصار، وجدت أنّهم لا يتفوّقون علينا من الناحية الفردية؛ فالطبيب السوري يساوي أو يتفوق على الطبيب البولندي، ولكنهم يتفوقون علينا – وهذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها – بالعمل الجماعيّ بروح الفريق المتكامل، وهذه نقطة أساسية في كل المجالات، لكنها في الطب حيوية وأساسية لرفع سوية العمل والكفاءة. وفي السعودية، لاحظت كفاءة الإدارات، وكم هو مهم أن تكون إدارة القطاع الصحي كفؤة وبعيدة عن الفساد.
رؤية نقدية للممارسات الطبية المعاصرة
5- كيف تطوّرت تقاليد ممارسة الطب وميثاقه (قسم أبقراط)؟ وهل لاحظت فروقاً في هذا الأسلوب بين سورية والبلدان الأخرى التي عملت فيها؟
ربما أجبت عن جزء من هذا السؤال في جوابي السابق. أقول نعم، هناك اختلافات في أساليب العمل بين البلدان المختلفة؛ فقد تحدثت للتوّ عن العمل الجماعي عند البولنديين، ويبدو أنه نمط العمل في الدول المتقدمة عموماً، كذلك تحدثت عن كفاءة الإدارة في السعودية. الطاقم الطبي في السعودية خليط من جنسيات مختلفة، وفيه كثير من الهنود والباكستانيين، وهؤلاء يتميزون بصفة غالبة على معظمهم، وهي اهتمامهم بتدقيق ملف المريض الورقي ليكون سليماً من الناحية القانونية، وكثيراً ما يكون ذلك على حساب خدمة المريض. بينما نحن السوريين نميل إلى العمل الفردي، والطبيب منا يسعى لكي يكون “موسوعياً” ليعتمد على نفسه في كل شيء؛ ولهذا السبب لم تتشكل لدينا في سورية “مدرسة طبية” ذات تقاليد محددة وبروتوكولات علاجية ترتكز على تجارب وطنية شاملة، رغم وجود أسماء طبية سورية على مستوى عالٍ ومعروفة عالمياً، ولهم إنجازات كبيرة مسجلة بأسمائهم.
التراث والأدب: امتداد الهوية الإنسانيّة
6- حضرتك مهتم بالتراث والتاريخ والأدب والشعر الشعبيّ، ما الذي شدّك إليها؟ أهي موهبة فرديّة أم ميراث في الأسرة؟
لا شك في أن الطبيعة الذاتية للفرد تحدد ميوله في المجالات كافة، لكنني لا أنكر تأثير الوالد على ميولي في هذا الاتجاه؛ فقد كان شاعراً وله أشعار شعبية وجدانية جميلة ومؤثرة، كما كان عازف ربابة مميزاً. وصوتُ الربابة هو أول صوت موسيقي تحفظه ذاكرتي؛ ولهذا، ورغم كل أنواع الموسيقى التي سمعناها فيما بعد، فإن صوت الربابة هو أكثر ما يطربني ويعيد شريط الذكريات في مخيلتي. كما كانت لي محاولات قليلة لكتابة الشعر الشعبي، لكن الوالد كان له دور مقصود في عدم تطور هذه المحاولات، خوفاً من تأثيرها على دراستي.
7- كتابك “البعد الوطني للشعر الشعبي في جبل العرب” يسلط الضوء على دور الشعر في الهوية الوطنية. كيف ترى تأثير الشعر الشعبي على المجتمع اليوم؟
في الحقيقة، كتاب “البعد الوطني للشعر الشعبي في جبل العرب” تناول فترة المواجهة مع العثمانيين ثم مع الفرنسيين في الفترة الممتدة بين (1837–1937)، واستعرض أشعار الثوار أنفسهم، وليس ما قاله عنهم شعراء آخرون. فهؤلاء الثوار، كما كانوا فرساناً في الميدان، كانوا فرسان الكلمة، وعبروا عن مشاعرهم الوطنية التي تطورت من مفهوم الدفاع عن البيت والديرة إلى مفهوم الوطن بمعناه الحديث، ومن القتال تحت بيرق القرية إلى القتال تحت العلم العربي الذي رفعه الثوار فوق دار الحكومة في دمشق عام 1918. اليوم، ورغم نسبة التعليم العالية جداً في مجتمع السويداء، ما زال للشعر الشعبيّ دور كبير بل وأساسي في ملامسة مشاعر الناس وتوجيه وعيها السياسي والمجتمعي. ويأتي الدور هنا على الشعراء الشعبيين لتطوير الشعر الشعبي من حيث الشكل والمضمون والمواضيع المطروحة.
8- هل ترى علاقة بين الطب والأدب في تجربتك الشخصيّة؟ وكيف يظهر ذلك في حياتك المهنية أو الفكرية؟
العلاقة بين الأدب والطب أو بين الطب والأدب كانت منذ القدم مثار نقاش ومحل جدال طويل ومستمر؛ فمن الباحثين من اعتبر أن هذه العلاقة راسخة وأكيدة، بينما أصرّ آخرون على أنه لا يوجد ما يجمع بين الطب والأدب بأي حال من الأحوال. من جهتي، أنا مقتنع بأن العلاقة بين الطب والأدب علاقة أكيدة وراسخة، وأساس هذه العلاقة هو ما في الطب من فن، وما في الأدب من علم. فالطب، ورغم كل التطوّر الهائل الذي طرأ على أدواته، ما زال يحتفظ بمساحة كبيرة تعتمد على الحدس والصلات الوجدانية والعاطفية بين الطبيب والمريض. وبدوره، الأدب هو من أهم العلوم الإنسانية، ويلاحظ المهتم بالأدب تطوّر أدوات الأديب وتنوع المدارس النقدية التي وضعت أسساً وقواعد لكثير من الأجناس الأدبية، حتى لتلك التي تدعو إلى غياب الحدود بين الأجناس؛ فللشعر قواعده وضوابطه، بما في ذلك قصيدة النثر التي لها مقوّماتها وضوابطها، وكذلك القصة والرواية، بمعنى أن الأدب يقترب من محددات العلم بمعناه المجرد، فحتى المتمردون على القواعد صار عليهم أن يكسروها وفق قواعد معينة.
أما تأثير الأدب على حياة الطبيب المهنية، فمما لا شك فيه أنه تأثير متبادل وبالاتجاهين؛ فمن المعروف أنه لكي يبدع المرء في الأدب لا بد أن يمتلك الموهبة، ومن يمتلك الموهبة فهو – بلغة الفلسفة – أديب أو شاعر بالقوة، وكي يصبح أديباً بالفعل لا بد من صقل موهبته بمزيد من المعارف والثقافة والمران. هنا، وبانحياز معلن، أقول: إن الطبيب إن امتلك الموهبة فسينتج أدباً رقيقاً متميزاً؛ ذلك لأن الطب يوفر له فرص صقل الموهبة وتشذيبها، ويمده بمخزون فريد من التجارب الإنسانية. وهكذا، لا يبدو مستغرباً ما قاله الطبيب الروائي والمسرحي البريطاني (وليام سومرست موم): “إن على كل أديب أن يمارس عملاً لبعض الوقت في مستشفى لتتعمّق خبرته”.
وبالمقابل، فإن للأدب دوراً مهماً في أداء الطبيب واقترابه أكثر فأكثر من الصورة المثالية لممارسة المهنة. وفي هذا الصدد، فإن د. محمد كامل حسين –وهو الحائز على جائزة الدولة التقديرية للعلوم الطبية عام 1966 في مصر– أجاب عن سؤال أحد تلامذته عن أفضل طريقة لتعلم الطب بالقول: “هناك طريقة واحدة لتتعلّم وتصبح طالب طب ممتازاً؛ أن تجلس بجانب سرير المريض، وتتحدّث معه، وتفحصه، وتتعلم منه، ثم تذهب إلى البيت وتقرأ شكسبير”.
9- كيف ترى تأثير الأحداث التاريخيّة على الهوية الثقافية لشباب اليوم في السويداء خاصة، وسورية عامة؟
التاريخ هو الذاكرة الوطنية التي تقوّي وترسّخ دعائم الشعور الوطني. التاريخ ليس نصوصاً مقدسة بحرفيتها، بل هو تجارب بشرية نستمد منها الدروس والعبر. صحيح أن الوقوف عند حرفيّة التاريخ هو جمود ومراوحة في المكان، لكن الصحيح أيضاً أن تجاهل التاريخ هو عدميّة قاتلة، ومن لا يعرف تاريخه كمن لا يعرف أهله. من هنا، فإن التركيز على التاريخ بما يعنيه من روابط مشتركة بين أبناء الوطن هو الرافعة الحقيقيّة لبناء الهوية الوطنية الجامعة، وتجاوز كل هويات ما قبل الدولة، من عائلية وقبلية وطائفية.
المستقبل والتكنولوجيا: الطب في عصر الذكاء الاصطناعي
10- لديك مقالات عن الذكاء الاصطناعي والطب، كيف ترى مستقبل العلاقة بين التقنية والطب في السنوات المقبلة؟
لا شك في أن الطب من المجالات التي يجب أن تستفيد من التطور التقني، ولقد قدم الذكاء الاصطناعي خدمات جليلة في حقل الممارسة الطبيّة؛ سواء في تحليل البيانات، أو في مجال العمل الجراحي المعتمد على (الروبوت)، وتقنيات التصوير الشعاعي، وأدوات التشخيص. لكن الكثير من الحدود لاستخدام الذكاء الاصطناعي ما زالت موجودة، وأهمها أن الكثير من مواضيع الطب ما زالت غير قابلة للقياس المجرد؛ نحن حالياً – وعلى سبيل المثال – نستطيع قياس ضغط المريض وحرارته، لكننا لا نستطيع حتى الآن قياس درجة الألم. كما أن كثيراً من الأعراض لا يمكن ملاحظتها بالتأمل أو الفحص السريريّ، بل نعتمد على طريقة شرح المريض لهذه الأعراض، وهذا الشرح يتأثر بثقافة المريض ومدى خوفه أو عدم اهتمامه بعَرَض معين. ومن هنا يأتي دور العلاقة المباشرة بين الطبيب والمريض؛ هذه العلاقة الوجدانيّة المباشرة لم تستطع الآلة – على الأقل حتى الآن – أن تقوم بها.
11- برأيك، هل يمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يغيّر جذرياً طريقة تعامل الأطباء مع المرضى، أم أنه مجرد أداة مساعدة؟
بالتأكيد سيكون للذكاء الاصطناعيّ تأثير على العلاقة بين الطبيب والمريض، وكما أوضحت سابقاً، فإن الذكاء الاصطناعي يقدم خدمات عظيمة في سرعة تحليل البيانات بغض النظر عن غزارتها وحجمها مهما كان كبيراً. وبالمقابل، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يقلل بصورة مضطردة مدى الشفافيّة والقدرة على شرح الحالة الصحية للمريض بسبب ابتعاد المريض عن الاحتكاك المباشر بالطاقم الطبي. كما أن هذا الاستخدام المضطرد طرح إشكالية قانونية متعلقة بالمسؤولية عن الخطأ والمضاعفات؛ فعند استخدام الروبوت مثلاً في الأعمال الجراحيّة، يُطرح السؤال الصعب: على مَن تقع مسؤولية الخطأ الطبي؟ هل هي على المستخدم، أم على الشركة المصنعة، أم على المبرمج؟ مما وضع مثل هذا السؤال في صلب اهتمام المعنيين، ووصل الأمر لطرح سؤال مصيريّ عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحلّ حقاً مكان الأطباء.
وفي هذا الصدد، يقول الباحث وجراح الأعصاب أنطونيو دي ليفا: “إن الآلات لن تحل محل الأطباء، لكن الأطباء الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيحلون محل الأطباء الذين يتجنبون استخدامه، وإن لم نترك مهمة التشخيص للذكاء الاصطناعي بالكامل، فثمة مهام فرعية يمكن إسنادها له، وتكون بمثابة أداة مساعدة فعالة”. وفي هذا الموضوع، أختم بما يُروى عن العالم (أينشتاين) عندما وجّه له زملاؤه اللوم على دعم البرنامج النووي الأميركي وما نتج عنه من جريمة هيروشيما وناغازاكي، أنه قال: “اكتشاف الطاقة النووية لا يزيد خطراً عن اختراع عود الثقاب، لكن المشكلة في الأخلاق”. وسواء صحّت نسبة هذه المقولة لأينشتاين أم لا، فإنها تبقى ذات رمزية ودلالة كبيرتين، على أمل أن تحكم الأخلاق والإنسانية عالمنا الذي أصبح قرية صغيرة جداً، كما يقال.
مواقف من الذاكرة ورسائل للجيل القادم
12- ما هي أكثر لحظة تفخر بها في حياتك المهنيّة أو الأدبية؟
أكثر اللحظات التي يشعر فيها أي طبيب بالسعادة والفخر هي عندما يرى نظرات الفرح في عيون مريض وأهله بعد شفائه من حالة حرجة. على الصعيد الشخصي، من دواعي فخري أنني استطعت أن أترك بصمات مهنية في كل مكان عملت فيه. ومن الحوادث الطريفة، أن مريضة جاءت إلى مستشفى تبوك في السعودية بحاجة لتركيب قثطرة وريد مركزي (وداجي أو تحت الترقوة)، وحسب الأصول المهنيّة، شرحت للمريضة وابنها طريقة العمل ونسبة الفشل الضئيلة التي يمكن أن تحصل، فأصرّ مرافق المريضة أن يطلب من إدارة المستشفى استدعاء جراح أوعية لتركيب القثطرة. وعندما غادرت المكان، ناداني الطبيب المتمرّن باسمي ليسألني أمراً ما، وعندما سمع المرافق الاسم عاد إليّ وسألني: “أنت الدكتور أسعد؟”، قلت: “نعم أنا هو”، فأثلج صدري بالقول: “خلاص، أنت مَن سيقوم بالمهمة ولا داعي لطلب طبيب آخر”.
13- لو كانت لديك رسالة تودّ توجيهها للشباب المهتمين بالطب أو الأدب، فماذا تكون؟
رسالتي لمن يود أن يدرس الطب أن يحب مهنته أولاً، وأن يدرك مبكراً أن الناس تأتي إلى كل أصحاب المهن وهي بكامل قوتها وهندامها، إلا المريض الحقيقي؛ فإنه يأتي من موقع ضعف ويضع ثقته بالطبيب، وهذه الثقة لا تُقدر بثمن، وعلى الطبيب أن يحافظ عليها لأنه إن فقدها لن يستطيع استرجاعها مطلقاً. أعود وأكرّر ما أنا مقتنع به من أن الأدب يجعل ممارسة الطبيب أكثر شفافية ووجدانية، كما أن الثقافة عموماً توسّع أفق الطبيب وتسهل عمله المهني.
مئويّة الثورة السورية الكبرى وأبعادها الوطنية
14- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة “حرمون” قد أطلقت 3 لقاءات علميّة حول المئويّة. ماذا ترى في مناسبة المئويّة، وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟
الثورة السورية الكبرى كانت مدرسة معرفية قبل أن تكون معارك عسكرية ظافرة؛ ذلك لأنها طرحت مفهوم الوطن والمواطنة بمعناه الحقيقيّ عبر تبني شعار “الدين لله والوطن للجميع”. ومن هنا، وفي هذا الظرف السياسي الصعب، فإن الاحتفال الحقيقي بذكرى الثورة يكون بالعمل على ترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة كي نعيد توحيد سورية على أساس التساوي في الحقوق والواجبات لكل أفراد الوطن، وضمان حق الاعتقاد دون أن يكون لعقيدة ما أن تعطي امتيازات دنيوية وسياسية لمعتنقيها؛ فالكل سواسية في الوطن.
15- ينشط “مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون” في السويداء بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياءً لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقكم؟
مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون يقوم بجهد كريم ومقدّر في إحياء مواقف الثورة السورية الكبرى وإبراز دلالاتها والعبر المستقاة منها. آمل أن يستمر هذا الجهد وأن يصل إلى مرحلة تحويل المركز إلى مركز أبحاث ودراسات تاريخية وسياسية.
16- أية كلمة ترغب بنشرها عبر منصة “حرمون”؟
أشكر إدارة منصة “حرمون” على التكرم باستضافتي لإنجاز هذه المقابلة، والشكر موصول للأخت ميساء أبو عاصي على جهدها في إعداد المقابلة. كما أشكر الأستاذ المهندس سميح الجباعي والقائمين على العمل في “مركز سميح” على جهودهم المبذولة من أجل نشر ثقافة الثورة والوطن والوطنيّة. تحياتي لكم جميعاً.
للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:
https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB





