تكامل لوجستي بين الخليج والمتوسط: أبعاد الاتفاق السعودي التركي الأخير

يؤشر توقيع الاتفاقية الأخيرة بين الرياض وأنقرة في مجالي النقل السككي والخدمات اللوجستية إلى مرحلة جديدة من صياغة الممرات التجارية الإقليمية. يحمل هذا الربط أبعاداً جيوسياسية واقتصادية هامة، حيث يطرح مساراً يتجاوز المضائق التقليدية والممرات الحالية، مما يقلل تكلفة شحن السلع الأساسية ويفرض واقعاً جديداً على خارطة سلاسل الإمداد الدولية.  

ويهدف الاتفاق، الذي وقّعه وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر، ونظيره التركي عبد القادر أورال أوغلو، إلى إحياء وتحديث مسار سكة حديد الحجاز التاريخي، وتطوير ممرات برية بديلة لنقل حجاج بيت الله الحرام، بالإضافة إلى البضائع والركاب بين موانئ الخليج وأوروبا، ويكتسب أهمية متزايدة في ظل المساعي الإقليمية لتأمين قنوات تجارية مستقرة تتجاوز الاضطرابات الجيوسياسية المستمرة في ممرات الملاحة الحيوية، لا سيما مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز لفترة طويلة، والتهديدات الأمنية المستمرة في البحر الأحمر، حتى بعد الإعلان عن قرب وقف الحرب، مما يدفع حكومات المنطقة نحو تسريع البدائل البرية لتأمين حركة التدفقات التجارية دون انقطاع، بحسب تقرير نشرته منصة ميد (MEED) في 10 يونيو الجاري.

جسر بري يتجاوز إسرائيل

ويمثل الممر السككي المقترح، الذي سيربط السعودية وتركيا عبر الأردن وسورية في غضون 3 إلى 4 أعوام، ضربة استراتيجية للمشاريع المنافسة، وفي مقدمتها ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC) المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي حين يعاني ممر (IMEC) من ركود هيكلي، بسبب اعتماده على شروط سياسية معقدة، مثل التطبيع بين الرياض وتل أبيب، فضلاً عن كلف الترانزيت المرتفعة، الناتجة عن نظام الشحن الهجين بين السفن والقطارات، فإن ممر الحجاز يوفر جسراً برياً متواصلاً ومباشراً يتجاوز إسرائيل تماماً، ويستثمر في التقارب الاقتصادي الفعلي بين أنقرة والرياض، بحسب تقدير نشرته منصة مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، المتخصصة في أبحاث الأمن القومي والسياسات الخارجية بالولايات المتحدة، في 15 يونيو الجاري.

وتطمح الدول الموقعة إلى تحويل هذا المسار السككي إلى محور جيواستراتيجي يتكامل مع مشاريع نقل كبرى، مثل طريق التنمية العراقي والممر الأوسط، ما يمنح الأناضول والخليج نفوذاً لوجستياً ورقابياً هائلاً على التجارة الأوراسية، ويعزز مرونة سلاسل التوريد ضد صدمات المضايق البحرية، بحسب التقدير ذاته.

وتنعكس الآثار الاقتصادية المباشرة لهذا الربط السككي في خفض كلف الشحن البري ونقل السلع الأساسية ومواد الطاقة، مثل النفط والغاز المسال، بنسب ملموسة، نظراً لاختصار الوقت والمسافات مقارنة بالالتفاف حول الممرات البحرية غير الآمنة، وتشير التقديرات الفنية إلى أن استكمال المشروع يتطلب معالجة الفجوة اللوجستية بين سورية والأردن والممتدة بنحو 400 كيلومتر، في حين أن البنية التحتية على الجانب السعودي مكتملة بالفعل حتى منفذ الحديثة على الحدود الأردنية، وتصل شبكة القطارات التركية إلى غازي عنتاب بالقرب من الحدود السورية.

وستوجه استثمارات أولية تبلغ حوالي 100 مليون دولار لإعادة تأهيل الخط الرابط بين تركيا وحلب، ما يسرع وتيرة إعادة إعمار سورية ودمجها في الاقتصاد الإقليمي، ويمهّد الطريق لتوسيع الشبكة في مراحل لاحقة لتضم باقي دول مجلس التعاون، حسب تقرير نشرته منصة ريلواي برو (Railway Pro)، المتخصصة في شؤون وتكنولوجيا النقل السككي العالمي، في 15 يونيو الجاري.

ولا تنحصر التفاهمات في مد القضبان الحديدية فقط، بل تمتد لتشمل مذكرتين تغطيان الخدمات اللوجستية، وتطوير وإدارة مراكز الشحن المشتركة، فضلاً عن تبادل الخبرات الفنية، وتوطين تكنولوجيا القطارات، ويتيح هذا التعاون نقل التقنيات الحديثة المتعلقة بالإشارات والاتصالات السلكية واللاسلكية والرقمنة السككية، وبناء الكوادر الوطنية عبر الأكاديميات المتخصصة، ويساهم هذا التكامل اللوجستي في تعزيز حضور شركات المقاولات التركية العملاقة التي تمتلك بالفعل باعاً طويلاً وخبرات متراكمة في تشييد مشاريع البنية التحتية الكبرى في منطقة الخليج، مثل قطار الحرمين السريع ومترو دبي الوطني، ما يضمن تنفيذ المشروع وفق أعلى المعايير الهندسية والبيئية، لتأمين تدفق بري مستدام للسلع والبضائع بين الشرق والغرب، حسب تقرير نشره موقع ميدل إيست آي (Middle East Eye)، في 9 يونيو الجاري.

عالم ما بعد فبراير

في هذا الإطار، يؤكد الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، أن عالم ما بعد فبراير/ شباط 2022 لم تعد فيه خرائط التجارة العالمية مجرد مسارات لوجستية تحكمها الجغرافيا فحسب، بل تحولت إلى ساحات للتنافس على النفوذ وإعادة رسم التوازنات الدولية، فعندما أغلقت الحرب الأوكرانية الممر الشمالي وزعزعت موثوقية سلاسل الإمداد العابرة أوروبا الشرقية، وجدت الدول المنتجة والمستهلكة نفسها في حاجة ماسة إلى بدائل هيكلية وليست ترقيعية، وفي هذا السياق تحديداً تكتسب مذكرة التفاهم السعودية – التركية لربط السكك الحديدية معناها الأعمق.

فالمذكرة لا تُقرأ، وفق رؤية الخوري، بمعزل عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) الذي أعلنته قمة العشرين في نيودلهي، ولا بمعزل عن التنافس الصامت مع مبادرة الحزام والطريق الصينية التي أمضت عقداً كاملاً في بناء حضورها اللوجستي عبر آسيا الوسطى، لافتاً إلى أن المسار المقترح لهذا الربط يكتنفه شيء من الضبابية التشغيلية، غير أن بنيته الهندسية المنطقية تستلزم عبور الأراضي الأردنية أو السورية أو العراقية للوصول من شبه الجزيرة العربية إلى الأناضول.

وكل خيار من هذه الخيارات يحمل ثقله السياسي الخاص، حسب الخوري، إذ يرى أن المسار العراقي هو الأكثر واقعية من حيث الجغرافية والأقل استقراراً من حيث الحوكمة، فيما يظل المسار السوري مشروطاً بمسارات الاستقرار والإعمار، وفي كل الأحوال يُنافس هذا الخط قناة السويس التي تتعامل مع ما يزيد عن مليار طن سنوياً، لكنه ينافسها على نوع مختلف من الحمولات، وهو البضائع ذات القيمة المضافة والحساسة للوقت.

وإزاء ذلك، يرى الخوري أن الأثر الاقتصادي التقديري لمشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا يستحق القراءة المتأنية، إذ يتراوح سعر الشحن السككي عالمياً بين 0.02 و0.05 دولار للطن/الكيلومتر، مقابل 0.05 إلى 0.10 دولار للشحن البحري عند احتساب رسوم الموانئ والانتظار والتأخير، والفارق الذي يوفره المشروع ليس مذهلاً في الأرقام المجردة، لكنه يتضاعف عند ترجمته إلى قطاعات بعينها، فالبتروكيماويات السعودية المتجهة إلى أسواق جنوب أوروبا وتركيا ستختصر أسبوعاً إلى أسبوعين من زمن العبور البحري، وستستفيد المواد الغذائية والمبردة أكثر من غيرها لحساسيتها للوقت، بينما قد تجد قطاعات الإلكترونيات والسلع تامة الصنع في هذا الممر بديلاً عملياً لتكاليف الشحن الجوي الباهظة.

هوة كبيرة بين نص المشروع والواقع

غير أن الخوري ينوه بأن التحليل الموضوعي لا يمكنه إغفال الهوة الكبيرة بين النص والواقع في المشروع، إذ تعاني شبكة السكك الحديدية في المنطقة من تفاوت واضح في المقاسات القياسية للسكة وغياب الترابط التشغيلي بين دول العبور، فضلاً عن أن التمويل الفعلي لمثل هذه البنية التحتية يستلزم عقوداً من التفاوض ومليارات من الدولارات لا تجمعها مذكرة تفاهم وإن حسنت النوايا، والأهم من كل ذلك أن المخاطر السياسية تسكن التفاصيل، فالعلاقات التركية – السعودية بالغة التعقيد، والدول الواقعة على المسار لها حسابات سيادية لا تنتظر رضا طرف واحد بشكل حصري.

وتُعد مسألة مقاسات السكك الحديدية من التفاصيل التقنية التي تبدو هامشية للوهلة الأولى، لكنها قادرة على إفساد مشاريع عملاقة من الداخل، حسب الخوري، فالمسافة بين القضيبين ليست موحدة عالمياً وهذا الاختلاف يعني أن عربة قطار مصممة لسكة بعرض معين لا تستطيع السير على سكة بعرض مختلف، والمنطقة التي يمر عبرها المسار المقترح للمشروع السعودي التركي تجمع ثلاثة معايير مختلفة.

ورغم أن السعودية وتركيا والعراق والأردن تعمل أساساً على المقاس القياسي الدولي وهو 1435 ملم، وهي نقطة إيجابية نسبية للمشروع، فإن المشكلة ليست في المقاس فحسب، بل في البنية التحتية المحيطة به، مثل نظم الإشارات، وأنظمة الجهد الكهربائي، وانحناءات المسار وميوله، حيث تعمل تركيا بأنظمة إشارات أوروبية في خطوطها الحديثة، فيما تحتفظ بأنظمة قديمة في خطوط الأناضول الداخلية، وهذا التفاوت في الجودة التشغيلية يعادل عملياً الاختلاف في المقياس من حيث الأثر على التدفق التجاري، وفق تحليل الخوري.

وتكمن المشكلة الأعمق، في سياق مشروع الربط السعودي – التركي، حسب الخوري، في “حوكمة مركبة” تتعلق بمن يدفع لترقية الشبكة العراقية وبأي معايير، ومن يضمن استمرارية التشغيل في حال تبدل الحكومات أو اشتعال الأوضاع، فالتجربة الأوروبية التي نجحت في توحيد السكك استغرقت 70 عاماً من التكامل المؤسسي، قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، وما تقترحه مذكرة التفاهم مع السعودية يمثل قفزاً فوق هذه المرحلة كلها، وهو قفز لا تسهله الإرادة السياسية وحدها، كما يوضح الخبير في الاقتصاد السياسي.

ويخلص الخوري إلى أن الحكم الواقعي في مذكرة التفاهم السعودية التركية يتمثل بالدرجة الأولى في إعلان نية استراتيجية يُستخدم في لعبة أوسع من إعادة رسم الاصطفافات الإقليمية، وموازنة النفوذ الصيني – الأميركي على ممرات الإمداد العالمية، وستُقاس قيمتها الفعلية بما يأتي بعدها من اتفاقيات تشغيلية، وضمانات تمويل، ومشاركة دول العبور، وليس بحبر التوقيع الأولي، حسب تعبيره.

تحوّل جذري

في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ”العربي الجديد”، إلى أن الربط السككي بين السعودية وتركيا مروراً بالأردن وسورية، ووصولاً إلى أوروبا، يعد مشروعاً استراتيجياً ضخماً، ومن شأن تنفيذه إحداث تحول جذري في المنطقة، ومعالجة العديد من الاختناقات الحاصلة حالياً في سلاسل الإمداد، خاصة تلك الناتجة عن تجربة إغلاق مضيق هرمز، والتعقيدات اللوجستية الأخرى التي تظهر من حين لآخر.

وبالرغم من أن النقل بالسكك الحديدية لا يُعد بديلاً اقتصادياً مثالياً للنقل البحري من حيث التكلفة في الظروف الطبيعية، إذ تبقى تكاليف الشحن البحري الأقل مقارنة بالسككي الذي يتفوق بدوره على النقل البري والجوي، فإن الناير يشير إلى أن الربط السككي يظل خياراً مستخدماً بكثافة في أوقات الأزمات لنقل البضائع، بينما تتجلى فائدته الأساسية في الظروف العادية في نقل الركاب والبضائع التي تتطلب سرعة في الوصول، ما يجعله حلاً أمثل عند حدوث طوارئ مثل إغلاق الممرات البحرية.

وتتميز الجدوى الفنية للمشروع، وفق رؤية الناير، بوجود بنية تحتية جزئية جاهزة، حيث تمتلك السعودية خط سكك حديدية يصل إلى حدود الأردن، وتمتلك تركيا خطاً يصل إلى حدود سورية، ما يعني أن المسافة المتبقية التي تقدر بنحو 400 كيلومتر تحتوي على أجزاء من خطوط موجودة بالفعل، وهو ما يسمح بالتركيز على إنجاز الجزء المتبقي خلال فترة زمنية قصيرة قد تتراوح بين 12 و18 شهراً، أو تمتد إلى عامين، في حال توفير التمويل والجهد اللازمين.

ويخلص الناير إلى ضرورة النظر إلى هذا المشروع ضمن رؤية أوسع تشمل مستقبلاً ربط دول الخليج الأخرى بالسعودية، ثم توصيلها بهذا الخط الاستراتيجي المؤدي إلى أوروبا، على أن يجري استخدام الشبكة وفقاً للأوضاع الاقتصادية المناسبة، ففي حال كانت الممرات البحرية ميسرة وآمنة يبقى النقل البحري للنفط هو الخيار الأفضل أو يجري الاعتماد على خطوط الأنابيب الجديدة، لكن ستظل السكك الحديدية مستمرة بشكل كبير في نقل البضائع الأخرى والركاب طوال العام، وتتحول إلى شريان حيوي لنقل النفط في حالات الطوارئ والأزمات.