120 مليار دولار حجم الأموال المغسولة في السودان خلال 3 سنوات.. فما تأثير ذلك على الاقتصاد؟!

قدّر خبراء ومتابعون لملف الأموال المغسولة في السودان حجمها بنحو 120 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية، وسط غياب إحصاءات رسمية تحدد الأرقام الدقيقة.
وأدى تفاقم انتشار هذه “الأموال القذرة” إلى اختلالات اقتصادية حادة، تجسدت في تراجع الثقة بالنظام المصرفي، وتضرر مناخ الاستثمار، إلى جانب تشويه مبدأ المنافسة الشريفة بين الشركات.
ورغم أن بنك السودان المركزي أطلق ضوابط جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في يناير/ كانون الثاني من العام الحالي، تضمنت أكثر من 60 إجراءً، ضمنها إلزام المؤسسات التابعة له بالإبلاغ الفوري عن أي معاملات مشبوهة مع حظر الإفصاح عن تلك البلاغات، وتوفير الحماية القانونية للمبلّغين، في خطوة تهدف إلى تعزيز الرقابة المصرفية ومواكبة المعايير الدولية، إلّا أنّ مختصين وصفوا الإجراءات بأنها تفتقر إلى الآليات المركزية في ظل استمرار الحرب وعدم وجود استقرار سياسي مجتمعي.
ويقدّر الاقتصادي توفيق بابكر الأموال المغسولة في السودان بأكثر من 120 مليار دولار أثناء فترة الحرب المستمرة منذ إبريل/نيسان 2023، وأرجع ذلك إلى ضعف الرقابة الحكومية وتعطل مؤسسات الدولة، ما يسهل تمرير الأموال غير المشروعة من دون رصد في وقت انهارت فيه المؤسسات المصرفية نتيجة لفقدان الاستقرار والأمن الاقتصادي، إلى جانب الاعتماد على المعاملات خارج السجلات الرسمية ما يصعب تتبع حركة الأموال.
ويرى بابكر أن الذهب قد تحول إلى أحد أخطر الموارد المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الصراعات، ففي ظل انهيار سلطة الدولة وضعف الرقابة، يُستخرج الذهب من مناجم غير خاضعة للقانون وتسيطر عليها جماعات مسلحة أو شبكات تهريب، ليشكّل عائداً مالياً غير مشروع.
ويشرح أن عملية غسل الأموال تبدأ ببيع الذهب محلياً مقابل نقد، ثم تهريبه عبر الحدود إلى دول أكثر استقراراً، حيث يُخلط بذهب قانوني ويُعاد تصديره أو تكريره، فتضيع صلته بمصدره الأصلي.
وتُستخدم شركات واجهة وفواتير مزورة لإضفاء الشرعية على هذه العمليات، قبل إدخال العائدات إلى النظام المصرفي عبر بنوك خارج بلد النزاع، ويؤكد أنّ الذهب يعد أداة مثالية لغسل الأموال لسهولة نقله وارتفاع قيمته وغياب ما يثبت مصدره الجغرافي.
ويؤكد الخبير المصرفي وليد دليل لـ “العربي الجديد” أنه لا توجد أرقام رسمية سودانية دقيقة عن حجم غسل الأموال ذاته وهذا نمط متكرر تؤكده حتى تقارير مصرفية سودانية، كما تغيب الإحصاءات الرسمية عن حجم الأضرار والخسائر التي تعرض لها النظام المصرفي والبنكي، من جراء اتساع هذه الظاهرة.
ويرى دليل أنّ المجال الأول والأكبر لغسل الأموال في السودان هو الذهب، ويلفت إلى أن الأرقام أكثر وضوحاً في هذا القطاع. بحسب تقرير رسمي صدر في يناير 2026، قفز إنتاج الذهب إلى ذروة قياسية بلغت 70.15 طناً بين 2023 و2025 رغم ظروف الحرب، لكن القنوات الرسمية لم توثق سوى 12.5 طن فقط كصادرات، أي فجوة تتجاوز 55 طناً تسربت خارج الاقتصاد الوطني.
ويلفت دليل إلى تقديرات أخرى تتحدث عن فجوة تتجاوز 5 مليارات دولار بين قيمة الذهب المصدّر رسمياً (نحو 6 مليارات دولار) وما دخل فعلياً خزينة الدولة (مليار دولار فقط).
ووصف معهد تشاتام هاوس في مارس 2025 الذهب بأنه وقود مباشر للحرب، إذ يُهرَّب نحو 70-80% من إنتاجه، خصوصاً إلى الإمارات. ويقول دليل إن اندلاع الحرب أدى إلى توقف 70% من فروع البنوك في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية أو توتراً أمنياً، بينما يعمل حالياً نحو 427 فرعاً في الولايات الآمنة، من إجمالي 833 فرعاً و77 نافذة و73 مكتب توكيل لـ38 بنكاً.
وطاول النهب حتى صناديق الأمانات، حيث تعرضت مجموعة كبيرة من خزن الأمانات المقدرة بأطنان من المجوهرات والحلي والعملات الأجنبية والمستندات للسرقة، “وهذا بالضبط ما يفتح الباب لتبييض ثروات مجهولة المصدر لاحقاً دون أثر مصرفي، ويسجل خسائر كارثية للبنوك السودانية وفرص بعيدة التعافي”.
وأكد دليل أن مجالات غسل الأموال الرئيسية تبرز في تهريب الذهب عبر الإمارات ومصر وتشاد وليبيا، وشركات واجهة وهمية في قطاع التعدين إلى جانب السوق الموازية للعملة والدولرة التي تجاوزت 80% من المعاملات اليومية، وشبكات الحوالة غير الرسمية التي حلّت محل النظام المصرفي المتوقف، والاستيلاء المسلح على الشركات والمنشآت الاقتصادية الكبرى.
ويقول الخبير المصرفي عمر سيد أحمد لـ”العربي الجديد” إن الذهب يشكل القناة الأخطر لغسل الأموال، إذ يُقدّر أن ما بين سبعين إلى ثمانين في المائة من الإنتاج السنوي يُهرّب عبر الحدود إلى مصر وتشاد وليبيا وصولًا إلى الإمارات، وهو ما جعل من المعدن النفيس أداة رئيسية لتبييض الأموال وتمويل الصراعات.
ومع اندلاع الحرب في إبريل 2023، انهارت البنية التحتية المالية والرقابية بشكل شبه كامل، مما فتح الباب واسعاً أمام أنشطة التهريب وغسل الأموال.
ويلفت إلى أنّ تقارير دولية مثل معهد تشاتام هاوس اليريطاني والمنظمة البحثية والسياسية الأميركية “ذا سانتري” أكدوا على أن الإمارات لعبت دوراً محورياً في استقبال الذهب السوداني وإعادة تدويره ضمن شبكات غسيل الأموال العابرة للحدود، ويؤكد أن جرائم غسل الأموال انعكست على الاقتصاد والمجتمع السوداني بآثار كارثية واضحة، فقد أدت إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي وتسببت في أضرار بالغة بمناخ الاستثمار وتشويه المنافسة بين الشركات، وأسهمت كذلك في اتساع الفوارق الاجتماعية وانتشار الفساد والجريمة المنظمة.
ويشرح أنّ عمليات التهريب هذه أدت أيضاً إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني نتيجة ضخ كميات كبيرة من الأموال غير المشروعة في الاقتصاد، وبهذا، لم تكن آثار الجريمة اقتصادية فحسب، بل طاولت النسيج الاجتماعي وأضعفت قدرة الدولة على إدارة مواردها وسياساتها الاقتصادية.
وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة ومجموعة العمل المالي أن تجارة الذهب غير المشروعة تمثل أحد أهم مسارات التدفقات المالية غير المشروعة في مناطق النزاع، وتسهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الحروب وتقويض فرص الاستقرار وإعادة الإعمار، ويمثل ذلك خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون