علوية والسيد.. يا لها من ديكتاتورية أميركية!

اليوم

1
الأسبوع

1
الشهر

1
السنة

1
الإجمالي

1

ينعتون الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر»، ويتهمونها بالإمبريالية والاستكبار، وباستعباد الشعوب ومصادرة إرادتها، ويقدّمونها في أدبياتهم السياسية وكأنها نموذج الشر المطلق في هذا العالم.

لكن المفارقة المضحكة أن هذا الشيطان المجنَّح نفسه يفتح أبوابه أمام الوافدين من كل حدبٍ وصوب، ويمنحهم فرصاً للحياة والعمل والتعلّم والارتقاء الاجتماعي والسياسي، حتى إن بعض الذين ينتقدون سياساته، ويعارضون توجهاته، ويهاجمون نظامه، يجدون في مؤسساته السياسية مساحة لتحقيق طموحاتهم والوصول إلى مواقع المسؤولية.

عباس علوية، اللبناني الأصل، وعبدول السيد، الأميركي من أصول مصرية، مثالان يسلّطان الضوء على سؤال ساخر: ماذا لو عاش كلٌّ منهما في موطنه الأصلي، حيث تُرفع شعارات العداء لأميركا؟

ربما كان عبدول السيد سيقضي حياته تحت سقف نظام لا يتيح له حرية الاختيار والمنافسة السياسية، وربما كان عباس علوية، لو بقي في لبنان، واحداً من أبناء الجنوب الذين يتنازعهم القلق والحرب والنزوح، وربما كان مشروع شهيد في بيئة منكوبة ووطن لا قدرة ولا إرادة له على تأمين أبسط مقومات الحياة والكرامة لمواطنيه.

أما في أميركا، فقد وجد أحدهما طريقه إلى مجلس الشيوخ بتميّز وتألق، ويخوض الآخر معتركاً انتخابياً تتجلّى فيه الديمقراطية بأبهى صورها على مستوى العالم، للوصول إلى مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان.

يا لها من إمبريالية ظالمة! ويا له من استكبار مستبد! يتيح للإنسان فرصة للتنافس، وأن ينتخب ويُنتخب، وأن يعتلي المنابر السياسية، وأن يعبّر عن رأيه، حتى لو كان رأيه معارضاً لسياسات الدولة التي يعيش على أرضها!

ويحكِ أيتها الولايات المتحدة! لماذا كل هذا الطغيان؟ لماذا لا تمنعين هؤلاء من تحقيق أحلامهم؟ لماذا لا تصادرين إرادتهم وتمنعينهم من ممارسة السياسة، كما تفعل أنظمة أخرى تتغنى ليل نهار بمقاومة الاستكبار والهيمنة الأميركية؟

أم أن هؤلاء لم يفهموا بعد أن عليهم، وفق منطق بعض الخطابات الأيديولوجية، أن يكرهوا أميركا، لكن عليهم في الوقت نفسه أن يستفيدوا من جامعاتها ومؤسساتها واقتصادها وحرياتها، وأن يختاروا العيش فيها متى ضاقت بهم سُبُل العيش الكريم في أوطانهم؟

المشكلة ليست في انتقاد الولايات المتحدة أو في معارضة سياساتها؛ فهذا حق مشروع في دولة تقوم على حرية التعبير. المشكلة أن يتحوّل نقد أميركا إلى عقيدة جاهزة، وأن يُدان نظامها السياسي على المنابر، فيما تصبح أبوابها ومؤسساتها وحرياتها ملاذاً لتحقيق الطموحات في آنٍ معاً.

فالحرية تُقاس بما تسمح به الدول لمواطنيهم والمقيمين على أرضها. والحضارة ليست شعاراً مجوّفاً، بل واقعاً براغماتياً يتيح للإنسان أن يعيش بكرامة، وأن يحلم، وأن يختلف، وأن يصل إلى ما يطمح إليه.

ولعلّ المفارقة الأبلغ أن بعض مَن يصفون أميركا بالشيطان الأكبر لا يجدون حرجاً في أن تكون أبواب هذا الشيطان مشرّعة على مصراعيها لأبنائهم وعائلاتهم وذويهم، حيث يجدون السلام والعلم والعمل وتحقيق الطموحات وكسب الثروات، بينما تبقى أبواب أوطانهم موصدة، ولا أمل فيها بالارتقاء نحو الأفضل.

#آراء_ومقالات

 

“إخلاء المسؤوليّة العامة:

تلتزم المنصة بإتاحة مساحة حرة لتبادل الأفكار ووجهات النظر المتنوعة؛ وعليه، فإن جميع المقالات والتحليلات والآراء المنشورة هنا تعود لقرطاس أصحابها وكتّابها ولا تتبناها الإدارة بالضرورة- كما لا تتحمل المنصة أي مسؤولية عن دقة المعلومات أو التعليقات المرفقة، وتقتصر مسؤوليتها على النشر الفني البحت للمحتوى”. 

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x