بحث: كيف تدار الأوقاف من الحبس التقليدي إلى التنمية المستدامة وحوكمة استقلال الإدارة عن التسييس وضغط النفوذ؟

اليوم

2
الأسبوع

2
الشهر

2
السنة

2
الإجمالي

2

يُشكّل الوقف عبر التاريخ الإنساني عموماً، وفي مسيرة الحضارة الإسلامية والمجتمعات الشرقية خصوصاً، أحد أبرز الارتكازات المؤسسية التي قام عليها بنيان التنمية، والتكافل الاجتماعي، واستقلال المجتمع المدني عن هيمنة السلطة السياسية. ولم يكن الوقف يوماً مجرد عمل خيري عابر أو هبة استهلاكية موسمية، بل تبلور كمنظومة استراتيجية دقيقة ومستدامة تقوم على فلسفة فريدة غايتها “حبس الأصل وتسبيل المنفعة”، لتصبح المال المحبوس بمثابة الكيان الحيّ الذي يرفد الأجيال المتعاقبة بأسباب الحياة، والتعليم، والرعاية الصحيّة، والتنمية.

إلا أن هذه المؤسسة العريقة، ورغم دورها الحضاري التاريخي الخالد، وجدت نفسها في العصور الحديثة أمام تحديات بنيوية وهيكلية كبرى؛ تراوحت بين الجمود التشريعي، وتقادم الأصول، وضعف الحوكمة والشفافية، فضلاً عن المخاطر المتمثلة في التسييس، أو الهدر المالي، أو الوقوع في فخ المحاصصة والتبعية الفوقية.

وفي قلب هذا المشهد الإقليمي المعقد، تكتسب دراسة حالة الأوقاف الدينية والخيرية — ولا سيما في مجتمعاتنا، بخاصة في لبنان وسورية، وبما يشمل خصوصية الأوقاف لدى طائفة الموحدين الدروز — أهمية مضاعفة. فهذه المجتمعات التي تواجه أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة، وانهياراً تدريجيياً في البنى الخدمية العامة، هي أمسّ ما تكون اليوم لاستنطاق هذا الإرث العظيم، وإعادة توجيهه نحو أدواره التنموية والإنتاجية الحقيقية (كالصكوك الوقفية، الاستثمار المحلي، والطاقة البديلة)، بعيداً عن الركود أو الاستغلال الفئوي.

من هنا يأتي هذا الحوار البحثي ليفتح نافذة جريئة وموضوعية على واقع الأوقاف؛ فلا يقتصر على قراءة التاريخ والتأصيل الفقهي والقانوني، بل يغوص في تفكك الإشكاليات الحساسة المرتبطة بهيمنة النفوذ السياسي والبيوتات التاريخية، ليطرح في المقابل بدائل عملية صارمة ترتكز على الحوكمة المؤسسية، وفصل السلطات، والتحديث التشريعي، وصولاً إلى التمكين الأهلي والرقابة المجتمعية.

إن الغاية من هذا السجال البحثي ليست مجرد التشخيص والنقد، بل تقديم “وثيقة رؤية وخربطة طريق” تسعى لتحرير مال البر من قيود الروتين والمحاصصة، وإعادته إلى سيرته الأولى كرافعة للاستقلال المالي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة.

ونضع هذا الجهد – النواة بين أيدي الباحثين، والمهتمين، وصانعي القرار، عسى أن يسهم في إضاءة شمعة على طريق الإصلاح والنهوض بمؤسساتنا المجتمعية والوقفية.

 

الإشكالية الرئيسية للبحث:

الأوقاف بنظرة خارج الصندوق: ما هي وظائفها الحضارية؟ ما واقع الأوقاف الدرزية، وآليات الإصلاح التشريعي والأهلي في لبنان؟ في هذا السياق تتدرج الإشكاليات من الرئيسية إلى الفرعية بقراءة الواقع واستكناه الأزمة والمعاناة وتشخيصهما والمبادرة  لحلول ابتكارية وعلمية استثمارية يتوقع أن تشكل إصلاحاً حقيقياً:

كيف يمكن لمؤسسة الوقف — في ظل تناقضها بين إرثها الحضاري والتنموي العريق وواقعها المعاصر المأزوم بالجمود الإداري، والتحاصص السياسي، وتراجع الحوكمة — أن تستعيد دورها كرافعة للاستقلال المالي والتنمية المستدامة، ولا سيما في البيئات التعددية والمحلية مثل لبنان وسورية؟

 

الإشكاليات الفرعية

  1. الإشكالية الاقتصادية والتنموية:

السؤال الفرعي: إلى أي مدى تنجح الصيغ الاستثمارية التقليدية (كالعقارات التاريخية والإيجارات المتهالكة) في مواجهة الأزمات الاقتصادية المعاصرة؟ وكيف يمكن تفعيل أدوات التمويل الحديثة (كـ الصكوك الوقفية وتمويل مشاريع التنمية المحلية والبديلة) لتحويل الوقف من مستهلك إغاثي إلى محرك إنتاجي مستدام؟

  1. الإشكالية الهيكلية والسياسية (حالة الأوقاف الدرزية):

السؤال الفرعي: كيف أثر تداخل الإرث التاريخي للزعامات التقليدية (“البيوتات السياسية”) مع بنية النظام الطائفي على استقلالية المؤسسات الوقفية والروحية في لبنان وسورية؟ وما حدود التمايز بين “التوافق الفوقي/المحاصصة” وبين “الشرعية الديمقراطية والمؤسسية” في إدارة هذه الأوقاف؟

  1. الإشكالية التشريعية والحوكمية:

السؤال الفرعي: ما هي أبرز الثغرات التشريعية في القوانين الناظمة الحالية (كتعديلات قانون تنظيم الطائفة 236/2006 نموذجاً) التي تسهل الهدر وغياب الشفافية؟ وما هي آليات الإصلاح القانوني والمؤسسي الكفيلة بضمان فصل السلطات، حظر تضارب المصالح، وإلزامية التدقيق المالي المستقل؟

  1. إشكالية التمكين الأهلي والرقابة المجتمعية:

السؤال الفرعي: إلى أي مدى يمتلك المجتمع المدني والأهلي (عبر أدوات الضغط والمحاسبة كالهيئات الأهلية للشفافية) القدرة على فرض إصلاح مؤسسي من الأسفل إلى الأعلى؟ وكيف يمكن تحويل الوعي المجتمعي إلى حارس حقيقي لصيانة أصول البر ضد أي استغلال أو تهميش؟

 

المنهج المتبع في البحث

يتكئ البحث على إطار منهجي مركب يتناسب مع طبيعة الكتاب الحواري، ويضم المناهج الآتية:

  1. المنهج الوصفي التحليلي (Descriptive-Analytical Method)

دوره في البحث: يُستخدَم لوصف وتفكيك المفاهيم الأساسية للأوقاف (لغةً واصطلاحاً وقانونياً)، وتحليل الوظائف الكبرى (الاجتماعية، الاقتصادية، والإنسانية). كما يُعتمد في قراءة النصوص التشريعية الحالية (كالقوانين الناظمة في لبنان وسورية) وقراءة واقع الاستثمارات والأزمات الإدارية القائمة.

  1. المنهج التاريخي والمقارن (Historical and Comparative Method)

يستند البحث إلى المنهج التاريخي والمقارن في تتبع التطور التاريخي لمؤسسة الوقف (من الاجتهادات الفردية إلى الدواوين والمؤسسات المعاصرة)، ومقارنة أساليب الإدارة التاريخية بالصيغ الحديثة (كالصكوك الوقفية وأنظمة الحوكمة الرقمية)، فضلاً عن مقارنة البنى المؤسسية للأوقاف بين مختلف البيئات والمكونات (بما فيها الأوقاف المسيحية والدرزية والإسلامية العامة).

  1. منهج دراسة الحالة (Case Study Method)

يُطبق بتركيز وافٍ على دراسة حالة أوقاف طائفة الموحدين الدروز في لبنان وسورية؛ لتشخيص إشكاليات النفوذ السياسي، والتوافق الفوقي، والإيجارات التاريخية المتهالكة، والبحث في مدى قدرة القوانين الحالية (مثل قانون 236/2006) على الاستجابة للتحديات التنموية والاقتصادية المعاصرة.

  1. المنهج النقدي والتطبيقي (Critical and Applied Method)

لا يقتصر البحث على الوصف والتحليل، بل يعتمد منهجاً نقدياً تفكيكياً لظواهر الهدر، وغياب الشفافية، والمحاصصة. ويُقابل هذا النقد بطرح بدائل وتطبيقات عملية تتمثل في مسودة لائحة الحوكمة، مقترحات إصلاح القوانين، وتأسيس “الهيئة الأهلية للشفافية الوقفية” كأداة تغيير من الأسفل إلى الأعلى.

بهذا الإطار المنهجي، يتحرك البحث الحواري بخط متوازن بين التأصيل النظري الأكاديمي وبين المعالجة الواقعية النقدية والعملية.

 

النسق الحواريّ:

تم اقتراح أسئلة مفترضة والإجابة عليها، لكسر نمطية البحث التقليديّة في محاولة إضفاء الرشاقة على النص والدينامية على موضوع هام وحساس هو موضوع الأوقاف.

 

 1:ما الأهمية الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية للأوقاف في المجتمع اللبناني عمومًا؟

ج 1- الوقف من أهم مؤسسات العمل الخيري والتنموي في التاريخ الإنساني عموماً والإسلامي خصوصاً، وقد تجاوز مفهومه الاوّلي كـ “حبس المال” ليمثل منظومة حضارية متكاملة لحفظ الاستقرار وتنمية المجتمعات.

وتؤدي الأوقاف وظائف جوهرية في حياة الجماعة، بخاصة في المجتمع اللبناني، أهمها ثلاث: هي الوظيفة الاجتماعية والوظيفة الاقتصادية والوظيفة الإنسانية والبيئية.

  • الوظيفة الاجتماعية وتتبرز بالتكافل وبناء رأس المال الاجتماعي عن طريق:
  • رعاية المحتاجين: توفير المأوى، الغذاء، والكساء للفقراء، المساكين، الأيتام، والأرامل.
  • تحقيق التكافل وجسر الهوّة: الحد من الفقر وإعادة توزيع الثروة بشكل مستدام للتقليل من الطبقية.
  • الأوقاف الذرّية (العائلية) تماسك الأسرة: حماية الأسر والملكيات العقارية الصغرى من التفتت عبر الأجيال، ومنع ضياع الميراث في أصول غير قابلة للقسمة.
  • استقلالية المجتمع المدني: منح المؤسسات الاجتماعية (كالجمعيات ودور العلم) حرية واستقلالية تامة عن سلطة رأس المال النفعي أو الضغط السياسي، مما يساهم في خفض معدلات التهميش والجريمة.
  1. 2. الوظيفة الاقتصادية (التنمية المستدامة ومحاربة الركود)، وتتحقق بالآليات الآتية:

– محاربة الركود وتدوير المال: منع تراكم الثروات وتجميدها (الكنز)، وإرغام رأس المال على العمل المستمرّ، لأن عين الوقف لا تُباع ولا تُوهب، مما يعزّز السيولة في الاقتصاد الحقيقي.

– الاستدامة المالية للمؤسسات: ضمان مورد دائم ومستقلّ يحمي المؤسسات الخيرية من الهزات الاقتصادية وتراجع التبرعات الموسمية.

– تحريك عجلة الاقتصاد وتشغيل العمالة: الاستثمار في الأصول (العقارية، الزراعية، والصناعية)، وتشغيل الأيدي العاملة، وخلق فرص عمل جديدة.

– المحافظ الاستثمارية الحديثة: تطوير صيغ مالية معاصرة مثل الأسهم الوقفية، الصكوك الوقفية، والشركات غير الربحية، لتمكين صغار المستثمرين من المشاركة وتخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة.

  1. 3. الوظيفة الإنسانية والبيئية (السبق الحضاري والأخلاقي) وتتحقق بواسطة:

– الرفق بالحيوان والبيئة: كأوقاف تاريخية خاصة برعاية الحيوانات الضالة، علاج الطيور الجريحة، وغرس الأشجار وسقيها وتنظيف الطرقات.

– حفظ الكرامة الإنسانية (أفكار تاريخية رائدة): وقف جبر الخواطر (الأواني المكسورة) لرعاية الخدم والأطفال لتجنيبهم عقاب كسر الأغراض. وقف المؤنسين للمرضى لتوفير أشخاص يرفعون معنويات المرضى بكلمات طيبة في المستشفيات (البيمارستانات سابقاً). إغاثة عابري السبيل واللاجئين لتوفير الأمان والمأوى للمحتاجين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية. لفك العاني وغرم الديون (اللمّة): تخصيص أموال لسداد ديون الغارمين وفك أسر المُعْسرين.

 

 2: ما هي أهم أدوار الأوقاف الحيويّة؟

ج 2: يمكن تفصيل أبرز الأدوار الحيويّة للأوقاف بخمسة، هي:

  1. 1. الدور الاجتماعي والتكافلي لتحقيق العدالة الاجتماعية ورعاية الضعفاء.
  2. 2. الدور التنموي والاقتصادي لتوفير موارد مستدامة وتحريك الاستثمار والأسواق.
  3. 3. الدور التعليمي والثقافي لبناء الصروح الكبرى (كالجامع الأزهر وجامعة القرويّين)، وتمويل المنح الدراسيّة وتأمين المراجع.
  4. 4. الدور الصحي والخدمي لإنشاء المستشفيات والمراكز الطبية المجانية وتطوير البنية التحتية العامة.
  5. 5. الدور البيئي والإنساني لحماية البيئة، رعاية الحيوان، وسداد الديون، مع إدخال التقنيات الحديثة مثل البلوكشين والعقود الذكية لحوكمة العمل الوقفيّ وضمان الشفافية المطلقة.

 

 3: ما أبرز الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأوقاف، ولا سيما في مجالات العمل الخيري، ودعم الفئات المحتاجة، وتعزيز التنمية المحليّة؟ وإلى أي مدى يمكن استثمار الأوقاف في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة؟

ج 3: يُعتبر الوقف من أقوى أدوات التنمية المستدامة والأمان الاجتماعي، بسبب تخصيصه الفريد المتمثل في “حبس الأصل وتسبيل المنفعة”، مما يضمن استمرارية التدفقات المالية للأجيال المتعاقبة بمعزل عن التقلبات الاقتصادية.

في ما يلي تفصيل الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأوقاف، ومدى قابليتها للاستثمار في تحقيق التنمية الاستراتيجية:

*أولاً: أبرز الآثار الاجتماعية للأوقاف التي تمتدّ لتشمل بناء رأس المال الاجتماعي وتدعيم شبكات الأمان الأهلي عبر:

  1. 1. دعم الفئات المحتاجة وتحقيق التكافل التلقائي بواسطة:

– الرعاية الشاملة للفئات الضعيفة: توفير الاحتياجات الأساسية (السكن، التغذية، الكساء، والرعاية الصحية) للأيتام، الأرامل، كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، مما يمنع انزلاقهم إلى فقر مدقع.

– فك كربة المعسرين (الغارمين): يسهم الوقف المخصّص لفك العاني وسداد ديون الغارمين في حماية أسر بأكملها من التفكك وتجنيب أربابها السجن، مما يحافظ على النسيج الأسري.

  1. 2. تمكين المجتمع عبر التعليم والصحة: تحقيق العدالة في الفرص التعليمية بتمويل بناء المدارس والجامعات وتوفير المنح الدراسية والكتب مجاناً ما يُتيح للأسر الفقيرة فرص الارتقاء الاجتماعي عبر العلم، ومحاربة التهميش والجهل. وتحقيق الرعاية الصحية المجانية بإنشاء المستشفيات والمستوصفات وتوفير الدواء للمرضى المحتاجين يقلل من معدلات الوفيات والأمراض المزمنة لدى الشرائح الضعيفة.
  2. 3. خفض معدلات الجريمة والسلم المجتمعيّ: فالوقف يقلل من دوافع الجريمة والانحراف الناتجة عن الحاجة والفقر بسدّ الاحتياجات الأساسية وتوفير التأهيل المهني للشباب، مما يعزّز الاستقرار والأمن الداخلي للمجتمعات.

*ثانياً: أبرز الآثار الاقتصاديّة للأوقاف وهي تتجاوز آثار الوقف مجرد الإغاثة الاستهلاكية لتتحول إلى محرك اقتصادي كلي وتنموي:

  1. 1. تعزيز الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد بإعادة تدوير الثروة، فيمنع الوقف اكتناز الأموال وتجميدها؛ لأن أصل الوقف يُستثمر مجبراً في أصول حقيقية (عقارات، أراضٍ زراعية، مصانع، أسهم)، مما يخلق نشاطاً استثمارياً مستمراً. وتوليد فرص العمل، حيث تتطلّب إدارة أصول الوقف وتشغيل مشاريعه (كالزارعة والتجارة والصيانة والخدمات) أيديَ عاملة بكافة التخصّصات، مما يسهم مباشرة في الحد من البطالة.
  2. 2. تخفيف العبء عن الموازنة العامة للدولة من خلال تمويل الوقف للمشاريع الخدمية والبنية التحتية (كالجامعات، المستشفيات، الطرق، وحفر الآبار)، فيتخفف الإنفاق الحكوميّ، مما يتيح للدولة توجيه مواردها الضريبية والموازنة نحو الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى.
  3. 3. تقليل التفاوت الطبقي وإعادة توزيع الدخل، حيث يعمل الوقف كآلية ذاتية لتوزيع الثروات من المقتدرين إلى الفئات الأقل دخلاً بطريقة غير قسرية وبشكل دائم، مما يقلل من الفجوة الطبقية الحادة بين مكونات المجتمع.

*ثالثاً: مدى إمكانية استثمار الأوقاف في تحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الاجتماعي، حيث تتقاطع أهداف الوقف بشكل تام مع أهداف التنمية المستدامة، ويمكن استثمار المؤسسة الوقفية في هذا الاتجاه عبر الممارسات المعاصرة التالية:

  1. 1. الاستثمار التنموي المستدام (بدل الرعاية الاستهلاكية)، بتحويل المستفيدين إلى منتجين: توجيه ريع الوقف نحو تمويل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر وتدريب الشباب والنساء، لتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم بدلاً من الاعتماد الدائم على المعونات الغذائية او الاستهلاكية المؤقتة. والاستثمار في المحافظ والصناديق الحديثة عبر دمج الوقف في أدوات تمويل معاصرة مثل الصكوك الوقفية والأسهم التنموية لتمويل مشاريع الطاقة المتجدّدة، تحلية المياه، والتكنولوجيا الزراعية.
  2. 2. الحوكمة والشفافية التقنية بإدخال تقنيات مثل البلوكشين والعقود الذكية لإدارة أموال الوقف فيضمن حماية أصوله من الفساد والمحاصصة والهدر، ويعيد ثقة الواقفين والمستثمرين في هذه المؤسسة التنموية بطبيعتها وتؤمن غايتها الخيرية الإنسانية وقيمتها الدينية باستمرار الصدقة والزكاة عن اموال الواهب او الواقف.
  3. 3. تعزيز الاستقلال التنموي المحلي حيث تمنح الأوقاف المحلية (في القرى والبلدات والمحافظات) استقلالية مالية بواسطة لجان إدارية وقفية لتلبي احتياجات المتحدات المحلية دون إبطاء وتعقيدات إدارية وبيروقراطية وانتظار الإقرار المركزي الحكومي، مما يحقق بيُسر التنمية المتوازنة جغرافياً.

 

 4: كيف ترى أداء الأوقاف في الواقع؟

ج 4: لا شك في أن الأوقاف تلعب دوراً هاماً، كما ذكرنا، إذا أُحسنت إدارتها، لجهة الوظائف والأدوار التي ذكرتها آنفاً في الجواب السابق، وبعض الأوقاف التي أُحسنت إدارتها أنشأت جامعات كبرى ارتقت بمستوى التعليم ومستشفيات هامة جعلت لبنان مستشفى الشرق، في معظم الطوائف اللبنانية، وبعضها أنشأ صندوق تعاضد صحي واجتماعي، فبنى دور العجزة والمسنين، صناديق تعاضد سكني بنت المجمعات السكنية لتوفر الشقق للشباب والأسر ببرنامج “اسكن وتملك بالإيجار”، لكن في واقع معظم الأوقاف العائدة لطائفة الموحدين الدروز، الوضع يختلف. المحسوبية ضاربة أطنابها، وواضح التفاوت بالاستفادة بين المناطق وبين العائلات وبين الحالة السياسية. ولما سألتني عن الأوقاف تذكّرت تجربة شخصية عندما استدرجني إعلان لجمعية العمل الاجتماعي، لها مكتب في فردان في مبنى دار الطائفة الدرزية، لتقديم طلب منحة دراسية، منذ 35 سنة، كنت أتابع دراستي في ماجستير الفلسفة، وبعد تقديم الطلب ختم اللقاء الدكتور عارف عبد الباقي: “سنتصل بك”. وحتى لحظة كتابة هذا الجواب لم يصلني أي اتصال، لا موافقة ولا رفض. وبعد حوالي عشر سنوات تكرّرت التجربة مع فتاة جامعية قريبتي، كانت تروي لي فرحة أنها زارت مكتب الجمعية نفسها وقدمت طلب المنحة!! فقلت لها: “سيمضي هذا الجيل ولن يصلك جواب، كما لم يصلني!! فابن بيروت أولى وابن الشوف أولى وابن المتن أولى من أبناء راشيا وأبناء حاصبيا”. معيار تنفيذي آخر، أبناء عائلات وازنة في الاقتصاد والسياسة تحوز على الموافقة وتكمن خلف توزيعها، أبناؤها أولى من الفقراء كلهم، ومن أبنائهم. أسئلة كثيرة يفتحها عصف ذهنيّ، منها: ما معايير منح المنح وإقرار الطلبات؟ حسب الواقع ليست هي المعايير البرّاقة المعلنة لمنح المنحة.

حالة ثالثة، حصلت مع قريبة متفوّقة لي، كانت تتفرّد بحلول خاصة للمسائل المعقدة بالرياضيات، بشهادة كل الأساتذة البارعين لهذه المادة وغيرها، قدّمت امتحان كلية الطب، ولما أعلنت النتيجة كانت راسبة، ولم تكن من حصة الدروز، بينما تم تثبيت اسم طالبة درزية أخرى لم تشارك في الامتحان، وكانت خارج البلاد لأنها من عائلة محظية سياسياً. هنا تشتد الصرخة عن مدى التغوّل السياسي الطائفي، وواقع تسلطه في إدارة الحصص الطائفية من كعكة النظام والدولة، وهذا التغوّل والتسلط يمتدان إلى إدارة الأوقاف ووظائفها لاحتكارهما.

 

 5: ما هي الخطوات والآليات الابتكارية الحديثة لاستثمار الأموال الوقفية؟

ج 5: يمكن تطبيق الصكوك الوقفية وتوظيف استثمار الأوقاف في التنمية المحلية كأدوات حديثة تحقق التنمية المستدامة والأمان الاجتماعي، عبر الآتي:

أولاً: الصكوك الوقفية التمويل الوقفي الجماعي: تُعتبر الصكوك الوقفية من أبرز الابتكارات المالية الإسلامية المعاصرة، حيث تُحّول الوقف من نموذج يقتصر على كبار الأثرياء (الأوقاف العقارية الكبرى) إلى نموذج تنموي تشاركي يُسهم فيه الجميع.

  1. 1. آلية عمل الصكوك الوقفية: تتم بتجزئة الأصول، حيث يتم تقسيم المشروع الوقفي المراد إنشاؤه (مثل مستشفى، جامعة، أو مجمع استثماري) إلى وحدات متساوية القيمة تُسمى “صكوكاً”. وتتاح مشاركة العموم فيه، فيقوم الأفراد والمؤسّسات بشراء هذه الصكوك، مع التبرّع بملكيتها أو بعائدها لصالح المصرف الوقفي المحدد. ولخدمة الهدف وهو الاستثمار والتنمية، حيث تُجمع حصيلة الصكوك لتشييد أو شراء الأصل الاستثماري، ثم يُدار الأصل مهنياً ليُصرف ريعه بشكل مستدام على الهدف الخيري.
  2. 2. الأثر التنمويّ للصكوك الوقفية: يتحق هذا الأثر بتجميع رؤوس الأموال الصغيرة، فتتاح الفرصة لصغار المستثمرين والمواطنين للمساهمة في مشاريع وقفيّة كبرى بمبالغ بسيطة. هذا يوفر سيولة عاجلة للمشاريع الكبرى بحشد التمويل اللازم لبناء الصروح الخدميّة (كالجامعات والتشييدات الصحية) دون انتظار تبرّعات فردية ضخمة تستأثر بالمرافق. ويوفر الاستدامة والتدوير بحماية الأصل المالي وتنميته دورياً عبر أدوات المشاركة أو المضاربة أو الإجارة الشرعيّة.

ثانياً: استثمار الأوقاف في التنمية المحلية (Local Development)، حيث يركز هذا النموذج على اللامركزية التنموية، ويحقق هدف الأوقاف المحلية بتلبية الاحتياجات المباشرة لكل متحد محليّ (قرية، بلدة، أو محافظة) وفقاً لخصوصيته واحتياجاته الاستراتيجية.

  1. 1. مجالات الاستثمار التنموي المحلي: التمويل التنموي الأصغر، بدلاً من تقديم المساعدات المالية المباشرة (الرعاية الاستهلاكية)، يُصرف ريع الوقف في شكل قروض حسنة أو تمويلات ميسرة للشباب والأسر المنتجة. ويساهم ذلك في تأسيس مشاريع حرفية، زراعية، أو تجارية صغيرة تحوّل المستفيد من “مستهلك للدعم” إلى “عنصر منتج ومستقل”. ويعزز الاستثمار في البنية التحتية والبيئة المحمية بتوجيه الأوقاف نحو مشاريع الطاقة المتجدّدة مثلا (كالطاقة الشمسية للبلدات)، حفر آبار المياه الحديثة، واستصلاح الأراضي الزراعية المهملة. وتنجم عنها خدمات أساسية بأسعار رمزية أو مجانية للمناطق الأقل حظاً. وبالحفاظ على الأصول وتحديث التشغيل يحقق تحويل الأوقاف القديمة (كالأراضي والمباني المتهالكة) إلى أصول منتجة عبر صيغ تشغيلية معاصرة مثل نظام “B.O.T” (البناء والتشغيل ثم الإعادة) أو عقد “الاستصناع والإجارة”. ما يتيح ذلك للقطاع الخاص تطوير العقار الوقفي مقابل انتفاع محدد المدة، ثم يعود الأصل مطوّراً بالكامل لمصلحة الوقف.

 

 6 : كيف يمكن أن تؤدي أوقاف طائفة الموحدين الدروز خصوصًا دورها في صون الهوية الدينية وتعزيز قيم التكافل والتضامن الاجتماعي؟

ج 6: تتمتع الأوقاف لدى طائفة الموحدين الدروز في لبنان وسورية بخصوصية تاريخية ومؤسسية واجتماعية فريدة. فواقع الدروز يتسم بالتماسك الاجتماعي العالي، والاعتماد التاريخي على التكافل الذاتي، إلا أن التطور القانوني والأزمات الاقتصادية المعاصرة وضعت الوقاف أمام تحديات فارقة بضرورة الانتقال من الإدارة التقليدية إلى النموذج الاستثماري والتنموي المستدام.

أداء الأوقاف الدرزية وظائفها واستثمار أصولها في التنمية المحلية يتم:

أولاً: خصوصية الأوقاف الدرزية (الهيكلية والأعيان)وهي طبيعة الأعيان والأملاك الوقفية: وهي الأوقاف الدينية والدينية الخدمية التي تشمل الخلوات (دور العبادة والاعتكاف)، والمقامات الدينية التاريخية (مثل مقام النبي هابيل في ريف دمشق، عين الزمان في السويداء، ومقام سيدنا سارِي والمقام الشريف في لبنان)، وحرم دار الطائفة في بيروت. والأوقاف العقارية والزراعية من أراضٍ زراعية واسعة (مزروعة بأشجار زيتون، تفاح، ومحاصيل موسمية) في جبل العرب/السويداء، البقاع، حاصبيا، وراشيا، إضافة إلى مبانٍ سكنية وتجارية في بيروت وجبل لبنان. والأوقاف الذرّية (العائلية) وهي صيغ تاريخية لجأ إليها وجهاء العائلات للحفاظ على الملكيات من التفتت، ويجري العمل على توجيه جزء من ريعها أو حلّها وفق القوانين المذهبية لمصلحة العمل الخيريّ التنمويّ.

ثانياً: التطبيق العملي للصكوك الوقفية والاستثمار المحترِف الحديث: لكي تؤدي الأوقاف الدرزية دوراً تنموياً معاصراً بعيداً عن الركود أو المحاصصة، يمكن تطبيق الأدوات التالية:

  1. 1. إصدار “الصكوك الوقفية التشاركية” (وفق عنوان “المغتربون رعاة للتنمية”) حيث تتميز الطائفة الدرزية، وغيرها من الطوائف، بوجود حضور اغترابي ضخم ومتمول (في أميركا اللاتينية، أفريقيا، ودول الخليج). وآلية الصكوك بإطلاق صكوك وقفيّة رقمية تنموية عبر المجلس المذهبي أو مؤسسات أهلية موثوقة موجهة للمغتربين. ومجالات التمويل بإنشاء صناديق وقفيّة استشفائية لتمويل المستشفيات والمستوصفات الأهلية المفتوحة للعموم في مناطق الشوف، عاليه، راشيا، وحاصبيا، والسويداء وغيرها من مناطق الانتشار. والصكوك التعليمية برصد عوائد الصكوك لتمويل المدارس والمعاهد (كالتوسّع في تجربة مؤسسة العرفان التوحيديّة) وتقديم منح كاملة للطلاب الجامعيين.
  2. استبدال العقارات المتهالكة بنظام “BOT” والاستصناع: لحل مشكلة مزمنة تتمثل بوجود أراضٍ ومبانٍ وقفية قديمة في مواقع استراتيجية (كشارع فردان التجاري في بيروت أو مراكز المدن في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء وحاصبيا) تُؤجّر بأسعار قديمة زهيدة. ما يوفر الحل التنمويّ المنتج بعقد شراكات استثمارية مع القطاع الخاص بنظام “البناء والتشغيل ثم الإعادة ” (BOT)، حيث يقوم المستثمر ببناء مراكز تجارية أو طبية حديثة، وتأجيرها لفترة محددة، ليتم بعدها إعادة الأصل بالكامل مطوّراً ومدرّاً لأعلى عائد للمرفق الوقفي.

 

 7 كيف يمكن توظيف الأوقاف في التنمية المحلية (حالة لبنان وسورية)؟

ج 7 : وهذا يتم بتوظيف الأوقاف في التنمية المحلية (حالة لبنان وسورية) بما في الأوقاف الدرزية من أصول عينية (أراضٍ/عقارات) وفق معايير إدارة تنموية مستقلة وحوكمة حديّة ، لتحقيق التنمية المحلية في مناطق تلك الأوقاف.، عن طريق بناء مشاريع استثمارية ملحة كمشاريع طاقة شمسية وقفية ودعم الزراعة والتصنيع الغذائي، وتوفير تمويل ميسّر للشباب والأسر، وتقديم القرض الحسن الوقفي للمزارعين ، ودعم التكافل التمريضي والصحي وحماية المقامات من التلف والهلاك وتطوير مناطق الريف المحيط بها وما بعده.

  1. 1. في لبنان: حل أزمات الخدمات الأساسية والبطالة: بمشاريع الطاقة الشمسية الوقفية، عن طريق استغلال أسطح العقارات والأراضي الوقفية في بيروت وقرى الجبل وحاصبيا وراشيا بنصب محطات طاقة شمسية لتزويد القرى ومحطات ضخ المياه بالكهرباء بأسعار رمزيّة، مما يخفف العبء المعيشي عن المواطنين. وبدعم المشاريع الصغرى (Microfinance): بتخصيص جزء من ريع الأوقاف كـ “قروض حسنة” لإنشاء الورش الحرفيّة والمشاريع التكنولوجيّة للشباب للحد من الهجرة.
  2. 2. في سورية (بخاصة محافظة السويداء وريف دمشق): بخطط دعم الصمود الزراعي وتمويل السلسلة الإنتاجية الزراعيّة مثلا، حيث تعتبر السويداء منطقّة زراعية بامتياز (تفاح، زيتون، عنب). فيمكن استثمار ريع الأوقاف الأهليّة (مثل وقفيات عين الزمان) في إنشاء معامل تصنيع غذائي وبرّادات تخزين وقفيّة. النتيجة المتوقعة: تمكين المزارعين الصغار من تخزين محاصيلهم وبيعها بأسعار عادلة دون الوقوع تحت استغلال الوسطاء والتجار.

 

 8: ما هي شروط نجاح خطة التطبيق المقترحة هذه؟

ج 8: لكي تنجح هذه الرؤية وتتبدد الشكوك حول المحاصصة السياسية أو ضعف الشفافية، يُشترط تطبيق معايير الحوكمة والتغلب على إشكاليات النفوذ والهدر، عبر الآليات التأسيسية التالية:

  1. 1. التدقيق المالي الخارجي المستقل (External Audit) : عن طريق إخضاع حسابات لجنة الأوقاف لشركات تدقيق مالي عالمية أو مستقلة ونشر التقارير المالية السنوية بشفافية أمام أبناء الطائفة.
  2. 2. تحقيق أفضل قواعد الرقمنة وحوكمة الأصول (Digital Waqf Register): بإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية محدّثة بكافة العقارات والأملاك الوقفية وحدودها وقيمتها السوقيّة ومواكبة تغيرها مع أسعار السوق، وحالة عقود تأجيرها لقطع الطريق أمام أي تعدٍّ أو محاصصة.
  3. 3. فصل “النظر الروحي والشرعي” عن “الإدارة الاستثمارية”: بحيث يقتصر دور المرجعيات الروحية والقضائية (المحاكم المذهبية ومشايخ العقل) على الرقابة الشرعية والتأكد من تطابق الإدارة والرعاية مع شروط الواقف. وإسناد إدارة المحافظ والاستثمارات إلى خبراء ماليين واقتصاديين متخصصين يُحاسبون وفق مؤشرات الأداء العصرية.

بهذا التحول، تخرج الأوقاف الدرزية من إطار “الرعاية الإغاثية التقليدية” أو “الجمود العقاري” لتصبح المحرّك التنموي الأول للإنتاج، والتعليم، والصمود الاقتصادي المحلي.

 

 9: ما هي المعيقات الراهنة للتطبيق الاستثماري المقترح للأوقاف؟

ج9: تأثير المرجعيات الروحية والقضائية (المحاكم المذهبية ومشايخ العقل)، ليس أقوى من تأثير المرجعيات السياسية وقوى النفوذ السياسي والاقتصادي. فالواقع السياسي والاجتماعي يؤشر إلى نفوذ أكيد للعائلات السياسية الكبرى ليبلغ حدود التسلط السياسي الذي يبدو من هيمنة الأسرة الجنبلاطية والأسرة الأرسلانية على الأوقاف الدرزية في لبنان، بحيث تفتح هذه المسألة باباً لتحليل طبيعة النظام السياسي اللبناني، وعلاقته بالبيئات الطائفية، وطبيعة تفاعل “البيوتات السياسية” التاريخية مع المفهوم الحديث للدولة والمؤسسات.

تُعد تجربة “البيوتات السياسية” لدى طائفة الموحدين الدروز في لبنان (وتحديداً بين عائلتي جنبلاط وأرسلان، ومؤخراً بروز قوى ثالثة وتيارات مدنية وأهلية) نموذجاً مكثفاً لتركيبة النظام اللبناني التشاركي/الطائفي بأبعاده المختلفة، وخصوصية تشكل آلية ثقيلة تعيقه عن الحركة في مسار الحداثة والعصرنة.

ونحاول في هذه الإجابة تقديم قراءة موضوعية شاملة تفكك هذه الظاهرة، من حيث جذورها، تداعياتها، وآفاق التحوّل فيها:

أولاً: الجذور التاريخية والاجتماعية للرمزية السياسية:

  1. 1. الإرث التاريخي والزعامة التقليدية: لم تنشأ هيمنة العائلات السياسية في لبنان من فراغ، بل استندت إلى امتداد تاريخي يعود إلى العهدين الشهابي والمعني، ونظام “المقاطجية” في جبل لبنان، حيث تعهدت هذه الأسر الإقطاعية التزام تحصيل الضرائب من الأهالي واقتطاع جزء وازن منها حصة لها وكانت هذه الحصة تزيد باستمرار لتشكل إثراء متراكماً يتحول ملكيات كبيرة ونفوذاً على حساب الأهلين الذي عادة يجدون الحل ببيع اراضيهم أو فقدانها لدفع الضرائب او شراء بطاقات السفر والرحيل الى خارج نطاق العبودية العثمانية وشركائها. من جهة ثانية، لعبت دار المختارة (آل جنبلاط) ودار خلدة (آل أرسلان) أدواراً محورياً في قيادة المجتمع المحلي وتوفير الحماية والحفاظ على التوازنات في المحطات المصيرية (مثل حرب 1840 وحرب 1860، ثورة 1958، والحرب الأهلية اللبنانية).
  2. 2. التلاحم بين الزعامة والحصانة الطائفيّة: النظام اللبناني قائم على توزيع المكتسبات والمناصب وفق الطوائف، أصبحت “الزعامة التاريخية” بمثابة الناطق باسم الطائفة والمدافع عن حقوقها وتوازناتها تجاه باقي المكونات الوطنية. تجعل هذه الصيغة قطاعاً من المجتمع ينظر إلى قوة البيت السياسي كعلامة على “قوة الطائفة ومكانتها” في المعادلة الوطنية.

ثانياً: الآثار السلبية للنفوذ الأحاديّ على المؤسسات والأوقاف: على الرغم من الدور التاريخي في حفظ الأمان الأهلي، أفرزت الهيمنة السياسية الأحاديّة مجموعة من التحديات الهيكلية:

  1. 1. تغييب خيار الكفاءة والانتخاب الحر (إضعاف الديمقراطية): تحول الآليات الديمقراطية (في تشكيل المجلس المذهبي، أو اختيار مشيخة العقل، أو إدارة الأوقاف) إلى “لوائح توافقية” تحاكي التعيين، تمت بالتزكية أو التوافق بين البيوتات السياسية، ما يفرّغ الاستحقاقات من معناها التنافسي الشفاف، ويحرم الكفاءات المستقلة من الوصول لمواقع القرار.
  2. 2. ارتهان المؤسسات للشرعية السياسية بالرضا المرجعي بدلاً من الشرعية المؤسسية: فحين يرتبط ملء المناصب الروحية أو الإدارية بالقرب من هذا البيت أو ذاك، يتأثر استقلال المؤسسة الدينية والوقفية، وتصبح عرضة للتأثر بالتقلبات والخصومات السياسية.
  3. 3. تعطيل الحوكمة والمساءلة: يُصعّب غياب المحاسبة والشفافية في إدارة الأصول والأوقاف من عملية التطوير الاستثماري الشامل؛ حيث يُخشى دائماً من أن تحصين التعيينات السياسية يحمي التقصير أو الهدر من المساءلة المالية الشفافة.

ثالثاً: حراك التغيير وبدائل المستقبل: حيث لا يزال الواقع الراهن يشهد صراعاً بين منطق الزعامة التاريخية التقليدية وبين تطلع الأجيال الشابة والتشاركات المدنية والأهلية نحو المؤسسية الحديثة ويتمثل بالظاهرات الآتية:

  1. 1. صعود وعي النقد والمطالبة بالحوكمة: باتت هناك أصوات واسعة داخل الطائفة الدرزية (من ناشطين، أكاديميين، ومشايخ مستقلين) ترفض “المحاصصة المقنعة”، وتطالب بتطبيق معايير الشفافية المطلقة، وإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية للمجالس الناظمة والمؤسسات الوقفية.
  2. 2. التطور المؤسسي كمدخل للتوازن: إن بناء مؤسسات وقفية ودينية قوية ذات حوكمة مستقلة وتدقيق مالي خارجي صريح لا ينفي بالضرورة الرمزية السياسية أو التاريخية للعائلات الكبرى، ولكنه يضع حداً للتدخل السلبي المباشر والتأثير على توجيه الموارد المالية والقرارات الإدارية المتخذة.
  3. 3. ضرورة الانتقال من “الفرد والبيت” إلى “المؤسسة والدولة” : التحول المنشود لا يعني إلغاء التاريخ أو إقصاء أي طرف، بل الانتقال بالعمل العام من رمزية الأشخاص والبيوتات إلى قوة المؤسسات واللوائح القانونية، بحيث تكون إدارة المال العام والأوقاف خاضعة لسيطرة المعايير المهنية والقانونية، لا المحسوبيات والتوافقات الفوقية.

 

 10: كيف يمكن صياغة قوانين ناظمة تعزز استقلالية المؤسسات عن النفوذ السياسي في لبنان؟

ج 10 : إن إصلاح المنظومة التشريعية والهيكلية للمؤسسات الدينية والوقفية في لبنان ليس مجرد خيار تنظيمي مجرد، بل هو الشرط الأساسي لتحريرها من التجاذبات المحاصصاتية وتسييس القرار، ولإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته. ولكي يتحقق هذا الاستقلال المالي والإداري عبر تعديلات قانونية وآليات حوكمة عمليّة، يُمكن العمل على الأطر التشريعية والتنظيمية التالية:

أولاً: التعديلات التشريعية على قوانين تنظيم الطائفة (تحديث القانون 236/2006 نموذجاً) بحيث تتضمن صياغة التشريعات والأنظمة الداخلية تعديلات جوهرية تُقلص مساحة التزكية والتوافق الفوقي لصالح المشاركة الواسعة:

  1. إصلاح نظام الانتخاب والتصوت (إلغاء اللوائح المعلبة): اعتماد نظام التصويت الفردي المباشر One Person, One Vote)) بدلاً من نظام اللوائح المقفلة التي تُسهل التوافق السياسي الفوقي، ويُعتمد الانتخاب الفردي للمرشحين في المجلس المذهبي لضمان تمثيل الكفاءات المستقلة والشباب. وتوسيع الهيئة الناخبة بعدم اقتصار حق الانتخاب على فئات محددة أو وجهاء محليين، بل فتح الاقتراع لجميع أبناء الطائفة المسجلين (وفق سن محددة)، مع إتاحة تصويت المغتربين إلكترونياً. واشتراط معايير الكفاءة والتخصص بتحديد شروط الترشح للجان التنموية والمالية والوقفية بدرجات علمية وخبرات مثبتة (في القانون، الاقتصاد، الهندسة، وإدارة الأعمال)، لمنع التعيين القائم على القرب السياسي فقط.

ويمكن إطلاق مسودة مقترح: لائحة الحوكمة والاستقلال المالي والإداري للأوقاف

المادة (1): الهدف من اللائحة

تهدف هذه اللائحة إلى تنظيم إدارة واستثمار الأصول والأملاك الوقفية وفق أعلى معايير الشفافية الدولية والحوكمة المؤسسية، وفصل الإدارة التنفيذية والاستثمارية عن أي نفوذ أو محاصصة سياسية أو تداخل منافع، لضمان استدامة ريع الوقف وتوجيهه نحو التنمية المحلية الشاملة.

المادة (2): الفصل بين السلطات والإشراف

السلطة الروحية والقضائية: تتولى المرجعية الروحية (مشيخة العقل/المحاكم المذهبية) الإشراف على مطابقة المصارف والأنشطة للشريعة ومقاصد الواقفين، دون أن تتدخل في إدارة المحافظ المالية أو القرارات الاستثمارية اليومية.

مجلس الاستثمار والتنمية الوقفي (إدارة تنفيذية مستقلة):

يُنشأ مجلس تنفيذي مستقل لإدارة الاستثمارات يتكون من خبرات متخصصة (في الاقتصاد، الاستثمار، الهندسة، والقانون).

يُحظر تعيين أي عضو في هذا المجلس بناءً على التزكية السياسية، وتُطرح شغل الوظائف عبر مسابقات كفاءة علنية وبمعايير خبرة لا تقل عن 10 سنوات في مجال الاختصاص.

المادة (3): حظر تضارب المصالح ورعاية الشفافية (Conflict of Interest)

المنع الصارم: يُحظر على أي عضو في المجلس المذهبي، أو لجنة الأوقاف، أو الإدارة التنفيذية، أو أقاربهم حتى الدرجة الرابعة:

  • الدخول في مناقصات أو مزايدات لشراء أو تأجير أو استثمار أي عين أو أصل من أعيان الوقف.
  • الحصول على أي منافع مباشرة أو غير مباشرة من عقود الاستثمار والتشغيل الخاصة بالأوقاف.
  • إقرار الذمة المالية: يُلزم جميع القائمين على إدارة الوقف بتقديم إبراء ذمة مالية سنوي وقبل استلام المهام وبعد انتهائها.

المادة (4): إلزامية التدقيق المالي والنشر العلني (Auditing & Transparency)

  • التدقيق الخارجي: يُلزم القانون إدارة الوقف بالتعاقد الدوري (كل 3 سنوات كحد أقصى) مع شركة تدقيق مالي عالمية ومستقلة لإعداد تقرير مالي شامل وحساب الخسائر والأرباح.
  • العلنية والنشر:

يُنشر التقرير المالي السنوي المدقق كاملاً للرأي العام عبر منصة إلكترونية رسمية.

تُتاح قاعدة بيانات رقمية (السجل الوقفي الرقمي المفتوح) تضم جميع العقارات والأراضي الوقفية، قيمتها السوقية التقديرية، حالة عقود إيجارها، والريع المتحقق منها.

المادة (5): التحديث الاستثماري وإلغاء العقود البخسة

إعادة التقييم العادل: تُشكل لجنة تثمين مستقلة لإعادة تقييم كافة العقود القديمة والتأجيرات التاريخية بما يتماشى مع الأسعار السوقية الحقيقية.

الصيغ التنموية الحديثة: يُمنح مجلس الاستثمار صلاحية إدخال أدوات التمويل المعاصرة (كالصكوك الوقفية التشاركية، البناء والتشغيل ثم الإعادة BOT، واستصلاح الأراضي الزراعية) بما يخدم مشروعات الطاقة البديلة، الصحة، والتعليم.

المادة (6): حماية أصول الوقف ومنع التصرف الفردي

منع البيع المطلق: يُحظر بيع أصل الوقف أو التنازل عنه تحت أي ظرف من الظروف.

ضوابط الاستبدال: لا يُسمح باستبدال عين وقفيّة إلا بقرار مُعلّل يصدر بأغلبية ثلثي أفراد المجلس المذهبي، وبعد ثبوت المصلحة المطلقة للوقف، وبشرط إعادة شراء أصل استثماري آخر يعود بريع أعلى فوراً.

 

جدل هابط: تنظيم من أعلى إلى أسفل

 11: كيف يمكن تحقيق الفصل الدستوري بين السلطات داخل المؤسسة المذهبية؟

ج 11: يمكن تحقيق الفصل الدستوري بين السلطات داخل المؤسسة المذهبية، بواسطة:

أولاً: الفصل الدستوري بين السلطات داخل المؤسسة بفصل السلطة الروحية عن الإدارية والمالية: يقتصر دور مشيخة العقل والهيئة الروحية على الإشراف الروحي والفتوى والرقابة الشرعية وتطبيق مقاصد الواقفين. تُناط إدارة الأموال والاستثمارات بـ مجلس تنفيذي استثماري مستقل يُنتخب أو يُعيّن بناءً على مسابقة الكفاءة والخبرة ويكون مسؤولاً أمام الجمعية العمومية والمجلس المذهبي.

ثانياً: الحوكمة المالية الصارمة وإلزامية الشفافية بتحصين المال الوقفي يمنع استخدامه كأداة نفوذ أو توزيع مكتسبات عبر آليات ملزمة قانوناً:

  1. قانون إلزامية التدقيق المالي المستقل (External Audit) ) في نص قانوني صريح: فرض التعاقد الإجباري مع شركة تدقيق مالي عالمية/مستقلة ومعترف بها لتدقيق حسابات الأوقاف والمؤسسات التابعة سنوياً. ونشر التقارير المالية: إلزام الإدارة بنشر القوائم المالية، وحسابات الأرباح والخسائر، وقائمة العقارات المؤجرة وأسعار تأجيرها للعلن على موقع إلكتروني شفاف ومتاح للجميع.
  2. السجل العقاري الوقفي الإلكتروني (Digital Waqf Ledger)) بإنشاء سجل رقمي مفتوح يُوثّق كل عين وقفيّة، مساحتها، قيمتها السوقية التقديرية، والجهة المستفيدة منها، لمنع التغاضي عن العقارات المهملة أو إيجارها بأسعار بخسة لمقربين.
  3. إقرار قانون حظر تضارب المصالح (Conflict of Interest Policy) بحظر تام لمنح عقارات أو استثمارات أو صفقات وقفية لأي عضو في المجلس المذهبي، أو لجانه، أو أقاربهم حتى الدرجة الرابعة، لمنع المحاصصة والمنافع الفردية.

ثالثاً: الهيكل التنظيمي المقترح لضمان الاستقلالية:

الهيئة الناخبة وهي عموم أبناء الطائفة المتوفرة فيهم شروط الانتخاب، بانتخاب حر ومباشر.

ينتج عنها المجلس المذهبي (بما هو سلطة تشريعية ورقابية)  والهيئة الروحية  (إشراف شرعي ورعاية مقاصد) ومجلس الاستثمار والحوكمة (إدارة مالية وتنفيذية خبيرة تخضع لـ: تدقيق مالي إجباري مستقل + وتقرير مالي علني سنوياً).

 

جدل صاعد: نظام المساءلة بالضغط من الأسفل إلى الأعلى

 12: كيف يمكن توفير فعالية نظام المسائلة الشعبية؟ ما هي المقترحات العملية لتشكيل هيئة أهلية للشفافية الوقفيّة لمتابعة وتفعيل هذا المقترح على الأرض؟

آليات التمكين المجتمعي والتغيير التشريعي لا تكتمل دون حراك مجتمعي يحميه:

  1. تشكيل “رابطة أو هيئة للشفافية الوقفيّة”: تجمع ناشطين، حقوقيين، ومستقلين لتشكل مجموعة ضغط أهلية تتابع قضايا الأوقاف وتطالب بحوكمتها وتعديل قوانينها.
  2. استخدام المحاكم المذهبية والقضاء المدني: رفع دعاوى محاسبة عند وجود أي شبهة بدد أو صفقات غير عادلة تضر بأعيان الوقف، مستندين إلى مبدأ “حفظ مال البر العام”.

لتحويل هذا المقترح القانوني والحوكمي إلى حراك ملموس، يُعدّ تشكيل “هيئة أهلية للشفافية الوقفية” مدخلاً استراتيجياً يمثل قوة ضغط مجتمعية (Lobbying Group) من الأسفل إلى الأعلى. تهدف هذه الهيئة إلى الانتقال بمفاهيم الحوكمة من نصوص على ورق إلى ممارسة عملية تفرض الشفافية وتصون الأملاك العامة والوقفية. وهذه الهيئة يمكن تسميتها: “الهيئة الأهلية للشفافية وحماية الأوقاف”:

أولاً: الرؤية، الرسالة، والصفة القانونية:

  • الرؤية: أوقافٌ محوكمة ومستقلة مئة بالمئة، تُدار بأعلى معايير الشفافية، وتوظّف كامل ريعها في التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
  • الرسالة: الرقابة المجتمعية على إدارة الأوقاف والمؤسسات الأهلية، والمطالبة بتحديث قوانينها، وصيانة حقوق الواقفين والمستفيدين عبر الأدوات القانونية والإعلامية والشعبية.
  • الصفة التنظيمية: تجمع أهلي مدني (غير حزبي وغير رسمي)، يضم نخبة من الحقوقيين، المحاسبين، الأكاديميين، الناشطين، ورموزاً مجتمعية مستقلة ذات مصداقية.

ثانياً: المهام والأهداف الاستراتيجية للهيئة:

  1. الرصد والتوثيق (السجل الألي): جمع وتوثيق العقارات والأصول الوقفية المعلنة وغير المعلنة. رصد التجاوزات أو الإيجارات القديمة البخسة أو شبهات تضارب المصالح والمحاصصة.
  2. الضغط والتشريع Advocacy):) تقديم مسوّدة “لائحة الحوكمة والاستقلال المالي” للمراجع الرسمية والمجلس المذهبي والمؤسسات المعنية. وإطلاق عرائض ومطالبات شعبية وأهلية لإقرار التعديلات التنظيمية.
  3. المحاسبة والمساءلة القانونية: استخدام حق الوصول إلى المعلومات ورفع الدعاوى القضائية أمام المحاكم المذهبية والقضاء المدني عند ثبوت شبهات هدر أو خيانة أمانة في إدارة أموال البر.
  4. التوعية والإعلام: نشر تقارير دورية تبيّن واقع الأوقاف وكيفية تحويلها إلى مشاريع طاقة بديلة، صحة، وتعليم، لرفع الوعي المجتمعي بأهميتها.

ثالثاً: الهيكل التنظيمي المقترح للهيئة ويتألف من:

  • الهيئة العامة وهي من جميع الناشطين والأعضاء.
  • اللجنة التنسيقية لقيادة العمل والمبادرات.
  • : اللجنة القانونية التشريعية – اللجنة المالية والرقابية – اللجنة الإعلامية والعلاقات العامة- اللجنة الميدانية والبلدية.

اختصارات مهام اللجان:

  • اللجنة القانونية: تُصيغ اللوائح، تدرس العقود، ومتابعة القضايا أمام المحاكم.
  • اللجنة المالية: تدرس الميزانيات (إن وجدت)، تُقدر قيم الإيجارات السوقية، وتعد دراسات جدوى استثمارية بديلة.
  • اللجنة الإعلامية: تدير المنصات، تصدر التقارير الشفافة، وتخاطب الرأي العام والمغتربين.
  • اللجنة الميدانية: ترتبط بالقرارات والبلدات لرصد العقارات الوقفية المحلية وتحديد احتياجات القرى (طاقة، مياه، صحة).

رابعاً: خطة التنفيذ الثلاثية:

  • المرحلة الأولى: التأسيس وإطلاق التقرير الأول (أول 3 أشهر) الإعلان الرسمي عن تأسيس الهيئة الأهلية وشرح أهدافها المستقلة. إطلاق وثيقة “ميثاق حماية الوقف والشفافية” والتوقيع عليها من شخصيات روحية وأهلية وأكاديمية ومستقلين. نشر تقرير تحليلي أول تحت عنوان: “واقع الأوقاف: بين الآفاق التنموية والتحديات الحوكمية”.
  • المرحلة الثانية: الضغط التشريعي والإعلامي (3 – 9 أشهر): تقديم مسودة “لائحة الحوكمة” للمؤسسات الرسمية مع إشعارات استلام قانونية. تنظيم ندوات ورش عمل أهلية في المناطق (الشوف، عاليه، البقاع، الجنوب، ودمشق/السويداء بحسب النطاق) للتوعية بالحق الوقفي التنموي. إطلاق منصة إلكترونية لاستقبال شكاوى أو مقترحات المواطنين حول الأوقاف المحلية.
  • المرحلة الثالثة: المبادرات النموذجية والمحاسبة (ابتداءً من السنة الأولى) بتقديم دراسات جدوى جاهزة لمشاريع “طاقة شمسية وقفية” أو “صناديق دعم تعليمي” أو تسليفي مالي كقروض حسنة”” للمؤسسات الوقفية لحثها على التطبيق. واستخدام أدوات المساءلة القانونية والقضائية في حال الامتناع الشامل عن التجاوب أو عند كشف تجاوزات مالية صارخة.

 

 13: ما هي عوامل نجاح المرحلة الانتقالية الوقفية وإمكانات التصدي للتحديات؟

ج 13: وتتركز عوامل النجاح والتصدي للتحديات بثلاثة:

  1. الحفاظ على الاستقلالية التامة: يجب ألا تُسيس الهيئة أو تتطير لحساب أي طرف ضد آخر؛ نجاحها يقاس بمدى التزامها بالمعايير المهنية والحقوقية فقط.
  2. الاعتماد على الكفاءات ذات المصداقية: اختيار شخصيات مشهود لها بالنزاهة والابتعاد عن الغايات الشخصية لتجنب تشويه المبادرة.
  3. الخطاب التجميعي لا التصادمي: التركيز على أن إصلاح الوقف وحوكمته هو مصلحة عامة للجميع (وليس استهدافاً لأحد)، يهدف لتنمية المجتمع ودعم صموده واستقراره.

من خلال هذا المسار الأهلي والتنفيذي، يمكن تحويل المطالب بالحوكمة والشفافية من شعارات عامة إلى مؤسسة ضاغطة ومؤثرة تصنع الفرق وتستعيد الدور الحضاري والتنموي للوقف.

 

 14 : ما الضمانات التي تسمح لتلك الخطط او الهياكل المؤسسية بالنجاح؟

ج 14: في كل أمر بشري أو إنسائي، لا ضمانات البتة، لا في الميدان الوطني العام ولا في الميدان المحلي، أو الطائفي، أو السياسي. المنطلق الجوهري والمفتاح السحري لكل نظام هو الأخلاق، ليست الأخلاق بمعناها الفردي، أو المقصود كسلوك حسن، السلوك الحسن هو نتيجة، أقصد بالأخلاق هي الأخلاق العقلية، نظام الجوهر لا العَرَض، نظام الإنسان المجتمع لا الإنسان الفرد، الإنسان الذي ينطلق من مبدأ أن وجوده بطبيعته اجتماعي، وأن قيمته ومعناه لا وجود له كفرد، إلا بوجوده التاريخي في بنية اجتماعية يستمد منها قيمه وشخصيته وتربيته ومعرفته. الفردية، بكونها ظاهرة الإنسان الفرد الجشع والمستغل والمشحون بالطمع واستغلال غيره هو حالة سرطانية، كخلية خرجت عن محورها وطبيعته وشرعت بالتهام الخلايا المجاورة في النسيج ليتلاشى الجسد كله وهو الجماعة – المجتمع. ولا يقوم نظام أخلاق عقلية إلا ببناء الإنسان وتحصينه وتحريره من كل ما يحط من قيمته ومعناه كي لا يكون مستعبداً أو عبداً او طاغية.

إذا كان الجوهر هو بالإنسان المجتمع المتحرّر من رذائل الفردية المادية والروحية، الدونية او الطغيانية، يبقى هذا الجوهر بحاجة لآلية تطبيقية ليصبح مجسداً في مؤسسة. هذه الآلية هي الانتخاب. الانتخاب وليس الاقتراع العددي الأكثري الذي تكتسح من خلاله الأكثرية السطحية والغوغاء المحشودة بمنافع فردية الرأي العام، الطائفي مثلاً، هنا نحتاج إلى نظام هجين بين اقتراع أكثري بنظام انتخاب “صوت واحد لمرشح واحد”، وانتخاب نسبي في الوقت نفسه، أو نظام قيادة مختلط بين نتيجة اقتراع الأكثرية بالصوت الفردي ومجلس الخبراء المنتخَب مثلا. ليقترن نبض الشارع بالمتخصصين والكفاءات النخب.

 

خلاصة:

إن الهيمنة السياسية للبيوتات التاريخية في لبنان هي نتيجة مباشرة لبنية النظام الطائفي الذي يعتاش على الفئويات النافذة والمحاصصة. وإن انتقال المؤسسات الوقفية والدينية في لبنان من “منطق التوافقات والزعامات” إلى “منطق القانون، الانتخاب الشفاف، والحوكمة المالية” هو الكفيل الوحيد بحماية هذه الأوقاف واستثمارها لصالح تنمية المجتمع ودعم صموده بعيداً عن أي هيمنة أو محاصصة.

والحل الحقيقي لرفع هذا التسلط وإعادة التوازن يكمن في فصل الإدارة المؤسسية والوقفية والروحية عن المحاصصة السياسية، وتمكين الطاقات الشبابية والمستقلة عبر ديمقراطية داخلية شفافة وحوكمة ماليّة صارمة.

 

للمزيد من الاطلاع:

قائمة المصادر والمراجع المقترحة

أولاً: المراجع الفقهية والتاريخية العامة للوقف

  1. القرضاوي، يوسف. (موسوعة الأعمال الكاملة / محاور الفقه والاقتصاد): نظام الوقف في الفقه الإسلامي: أحكامه، موارده، ومصارفه. (دار الشروق).
  2. الخصاف، أبو بكر أحمد بن عمر. أحكام الأوقاف (تحقيق وتعليق: محمد هاني العمري). دار الكتب العلمية، بيروت.
  3. الطرابلسي، برهان الدين إبراهيم بن علي. الإسعاف في أحكام الأوقاف. دار الرائد العربي، بيروت.
  4. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد. المغني (بحث كتاب الوقف). مكتبة القاهرة ومكتبة الكليات الأزهرية.

ثانياً: الاقتصاد الوقفي والتنمية المعاصرة (الصكوك والحوكمة)

  1. الجمل، أحمد محمد عبد العظيم. دور نظام الوقف الإسلامي في التنمية الاقتصادية المعاصرة. بحث محكّم، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي.
  2. البرزنجي، جمال. الوقف الإسلامي وأثره في تنمية المجتمع: نماذج معاصرة وتطبيقات (الصكوك الوقفية والمحافظ الاستثمارية). وزارة الأوقاف الكويتية.

منذر، قحطان عبد الدوري. تمويل التنمية عبر الأوقاف وصيغ الاستثمار الحديثة (B.O.T والاستصناع). مجلة الاقتصاد.

 

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x