تداعيات الملاحة الإقليمية تعصف باقتصادات الخليج.. انكماش غير مسبوق في القطاعات غير النفطية

اليوم

2
الأسبوع

2
الشهر

2
السنة

2
الإجمالي

2

لم تعد تداعيات الحرب الإقليمية وأزمات الملاحة البحرية محصورة في قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت لتلقي بظلال ثقيلة على مسار النمو الاقتصادي في منطقة الخليج؛ مسببة صدمة هيكلية طالت مختلف الأنشطة الاقتصادية.

في هذا السياق، كشف تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي في 22 أكتوبر الجاري عن تسجيل الاقتصاد الخليجي انكماشاً حاداً بنسبة 4.8% خلال عام 2026، وذلك بعد تعديل توقعات النمو وخفضها بواقع 6.8 نقاط مئوية مقارنة بتقديرات شهر أبريل/نيسان الماضي.

ولم تقتصر هذه الخسائر الباهظة على عائدات الطاقة، بل امتدت لتفرض تقليصاً ملحوظاً في الناتج المحلي غير النفطي لدول مجلس التعاون بنسبة 0.8% خلال العام الحالي، وسط توقعات ببدء التعافي التدريجي وتسجيل نمو بنسبة 4.5% بحلول عام 2027.

فالتصعيد العسكري في الممرات البحرية الحيوية سرعان ما انعكس على كلفة الشحن وسلاسل التوريد الإقليمية، إذ قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب على السفن العابرة لمضيق هرمز بنحو 12 ضعفاً لتصل إلى 10% من قيمة هيكل السفينة مع إلغاء التغطيات السنوية، ما رفع كلفة تأمين الناقلة الواحدة إلى 7.5 ملايين دولار وفرض رسوماً إضافية على الحاويات بلغت 3500 دولار، بحسب ما ذكرته منصة شيبينغ غازيت (Shipping Gazette) المتخصصة في اقتصاديات النقل البحري في تقرير نشرته في 22 أكتوبر الجاري.

وتترجم هذه الاختناقات الملاحية إلى ضغوط مباشرة على الموازنات الخليجية ومصداتها المالية، ليتسع العجز المالي المجمع لدول المجلس إلى 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026 مقارنة بنحو 0.8% في عام 2025، بالتزامن مع تراجع فائض الحساب الجاري الإقليمي من 5% إلى 1.3% من الناتج المحلي وهبوط الاحتياطيات الأجنبية في البحرين بنسبة 50% منذ مارس/آذار وتجاوز دينها العام 150% من الناتج، استناداً إلى ما أوردته منصة سيمافور (Semafor) بتقرير نشرته في 23 أكتوبر الجاري.

انكماش القاطرة البديلة

في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي ربيع بدواني مخلوف، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تداعيات الحرب تكشف أن تنويع اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي لم يلغ ارتباطها الوثيق بالاستقرار الجيوسياسي وسلامة طرق التجارة والطاقة، رغم التقدم المحقق فيه، إذ امتدت الصدمات من قطاع الإنتاج والتصدير إلى قطاعات الخدمات والاستثمار والاستهلاك في وقت تتزايد الضغوط على الموازنات العامة.

وتتجلى وطأة هذا التعثر في تراجع الأداء المالي للشركات الخليجية الكبرى المعتمدة على التصدير البحري، إذ هبطت عائدات شركة الصناعات الأساسية السعودية (سابك) بنسبة 18% وتقلصت أحجام مبيعاتها بنسبة 41% مع انخفاض هامش أرباحها التشغيلية إلى 13.6% نتيجة ارتفاع التكاليف اللوجستية بنحو 40% في قطاع البتروكيميائيات و60% في قطاع المغذيات الزراعية جراء تحويل مسارات الشحن، حسب ما ذكرته وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال (S&P Global) المتخصصة في التصنيف الائتماني والأبحاث المالية في تقرير نشرته في 21 أكتوبر الجاري.

وتفسر هذه الاختناقات المركبة انتقال أثر الحرب إلى القطاعات غير النفطية عبر أربعة مسارات رئيسية، بحسب رؤية مخلوف، هي: تعطل التجارة والإمدادات بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وتراجع الثقة والاستثمار بسبب الضبابية الجيوسياسية، وتضرر قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية المعتمدة على حرية التنقل، وتزايد الضغوط المالية والمعيشية الناتجة عن ارتفاع تكاليف السلع والنقل.

وتنعكس هذه المسارات الأربعة بوضوح على مؤشرات حركة السفر والضيافة في أسواق المنطقة، إذ تراجعت حجوزات الإيجارات السياحية قصيرة الأجل في السعودية بنسبة 17% وقفزت إلغاءات الحجوزات بنسبة 30% خلال أكتوبر الجاري على وقع الإغلاقات المتقطعة للمطارات في الرياض وجازان وأبها وتعرض منشآت الطاقة والمطارات لهجمات صاروخية ومسيرة أدت إلى تعطيل حركة السفر، وفقاً لما أوردته منصة نيو غلوبال إيكونومي (New Global Economy) المتخصصة في البيانات والتحليلات الاقتصادية في تقرير نشرته في 25 أكتوبر 2026.

تراجع أنشطة الطيران والسياحة

ويؤكد هذا التراجع في أنشطة الطيران والضيافة أن المالية العامة والقطاعات غير النفطية تتأثر في جميع دول الخليج رغم قدرة السعودية والإمارات على تجاوز جزء من المحنة عبر منافذ بديلة، إذ تؤثر الأزمة على حركة انتقال الأفراد والطائرات واستيراد وتصدير السلع والخدمات، بالإضافة إلى التداعيات المباشرة لأعمال القصف التي استهدفت بعض بلدان المنطقة، الأمر الذي يؤكد أن أزمة المضيق ليست مجرد تحدٍ نفطي بل صدمة اقتصادية شاملة تمس كل جوانب النشاط الاقتصادي، حسب تحليل الأستاذ بكلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد محمود داغر، في حديث لـ”العربي الجديد”.

يرتبط هذا الامتداد القطاعي، وفق داغر، بطبيعة التشابك العضوي بين استخراج الطاقة وسائر الأنشطة الإنتاجية، إذ يمتد الأثر الاقتصادي لأزمة مضيق هرمز بشكل مباشر إلى قطاع النفط وبشكل غير مباشر إلى كل القطاعات الأخرى، نظراً لاعتماد صناعات حيوية مثل البتروكيميائيات والألمنيوم والحديد على الطاقة والمدخلات المشتقة من القطاع النفطي، الأمر الذي يجعل تعطل الإمدادات النفطية سبباً مباشراً لتعثر هذه الصناعات.

ولا تقف الارتدادات عند حدود التكاليف اللوجستية للشركات الكبرى، إذ أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى عرقلة دخول المواد الأولية والوسيطة والمحفزة اللازمة للصناعات التحويلية، كما صعبت عملية تصدير منتجاتها النهائية مثل غاز الهيليوم المستخدم في تبريد مكثفات الذكاء الاصطناعي، والأسمدة الزراعية، وهو ما يعكس شمولية خريطة التأثر لتشمل معظم مكونات الاقتصاد وليس فقط قطاع الطاقة، حسبما يرى داغر.

وتؤكد بيانات سلاسل التوريد العالمية حجم الشلل الذي أصاب صادرات المدخلات الصناعية والتقنية الخليجية، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز وتضرر منشأة راس لفان في قطر إلى احتجاز ثلث الإمدادات العالمية من غاز الهيليوم داخل الخليج العربي، ما دفع وزارة الطاقة الأميركية لإدراج الهيليوم ضمن قائمة المواد الحرجة نتيجة دوره غير القابل للاستبدال في صناعة أشباه الموصلات والحوسبة الكمية، وفق ما أوردته شبكة سي بي إس نيوز (CBS News) في تقرير نشرته في 23 أكتوبر 2026.

فجوة المسار الاقتصادي

يعزز استمرار الصدمة الشاملة تقديرات المؤسسات الدولية بتسجيل الاقتصاد الخليجي انكماشاً بنسبة 4.8% في عام 2026 يعقبه نمو بنسبة 9.1% في عام 2027، غير أن هذا النمو لا يعني استعادة المسار الاقتصادي الذي كان متوقعاً قبل الحرب، بل يعكس تعافياً مشروطاً بتحسن الأوضاع الأمنية وتطبيع حركة الملاحة، كما يوضح مخلوف.

وتصطدم فرضية التطبيع السريع للملاحة بواقع أمني بالغ الهشاشة في الممرات البحرية الإقليمية، إذ لا يتجاوز متوسط السفن العابرة لمضيق هرمز بمساندة عسكرية أميركية نحو 33.7 سفينة يومياً مقارنة بنحو 138 سفينة يومياً قبل اندلاع الحرب، بعد تسجيل المنظمة البحرية الدولية 121 حادثاً بحرياً ضد السفن التجارية أسفرت عن مقتل 24 بحاراً بالتزامن مع تجدد التهديدات الحوثية في باب المندب، بحسب ما أوردته منظمة متحدون ضد إيران النووية (UANI) المتخصصة في أبحاث المخاطر الجيوسياسية والملاحة في تقرير نشرته في 27 أكتوبر 2026.

ومع توقع اتساع العجز المالي الإجمالي لدول الخليج إلى 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام الجاري مقارنة بنحو 0.8% في عام 2025 وتراجع فائض الحساب الجاري، تبرز الحاجة لإدارة انتقائية للموارد المالية ترتكز على ترشيد الإنفاق وحماية الاستثمارات المنتجة وإصلاح الدعم ليكون موجهاً للفئات الأكثر تضرراً، وتنويع الإيرادات غير النفطية وإدارة الاحتياطيات والدين بحكمة لتجنب استنزاف الأصول السيادية في تمويل النفقات الجارية، حسبما يرى مخلوف.

وتزداد أهمية الإدارة الانتقائية للاحتياطيات والدين العام في ظل الضغوط التي تواجهها أسواق السندات السيادية وسندات الشركات في المنطقة، إذ شهدت تعاملات أدوات الدين الخليجية اتساعاً في هوامش العائد بمقدار 10 إلى 20 نقطة أساس مع تفوق أوامر البيع على الشراء بنسبة 2 إلى 1 نتيجة مخاوف التضخم والمخاطر الأمنية وتراجع أسعار سندات أرامكو وسندات سلطنة عمان والقطاع المصرفي الخليجي، وفق ما كشفته مؤسسة إم يو إف جي ريسيرش (MUFG Research) المتخصصة في الأبحاث المصرفية وأسواق الائتمان في تقرير نشرته في 23 أكتوبر الجاري.

لذا يؤيد مخلوف التوقعات الاقتصادية التي تشير إلى أن الحماية المالية لا تقتصر على تراكم الأموال بل تشمل تعزيز أمن الإمدادات وتطوير طرق التجارة البديلة وتحسين التنسيق الاقتصادي الخليجي، في ظل تأكيد صندوق النقد الدولي ضرورة أن يكون الدعم مؤقتاً وموجهاً وشفافاً مع إعطاء الأولوية لإعادة بناء المصدات المالية عند تحسن الظروف.

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x