الدكتورة علا أبو أحمد لـ “حرمون”: طب الأطفال رسالة إنسانية لحماية “الملائكة الصغار”..

الجهل والعلاجات العشوائية أكبر تحدياتنا

 

بين شغف الطفولة الذي تُرجم سطوراً في مذكراتها القديمة، وبين واقعٍ مهنيٍّ مغمورٍ بالإنسانية والعطاء، شقّت ضيفتنا في هذا الحوار طريقها التخصصيّ بثبات، واضعةً نُصب عينيها هدفاً أسمى من مجرد الممارسة الطبية التقليدية: “اكتشاف معجزة الخالق في جسد الإنسان، وتخفيف أوجاع الأطفال”.

في هذا الحوار الخاص مع موقع “حرمون”، تأخذنا الدكتورة علا (الحاصلة على البورد السوري في طب الأطفال وحديثي الولادة) برحلةٍ تبدأ من مقاعد الدراسة وتفوّقها في الثانوية العامة عام 2008، مروراً بمحطات تدريبها في المشافي الوطنية والجمعيات الخيرية، وصولاً إلى عيادتها الخاصة. ولا تكتفي الطبيبة علا بتشخيص الأمراض الإسعافية الشائعة بين الفصول، بل تقرع ناقوس الخطر حول بعض التقاليد الموروثة والخاطئة التي تهدد سلامة الرضع، وتحدد الخطوط الفاصلة للأهل بين العارض البسيط والحالة الحرجة التي تستدعي التدخل الفوري.

حوارٌ قيّم ونافع يمزج بين دقة العلم وعاطفة الأمومة والمسؤولية المجتمعية، نترككم مع تفاصيله المرفقة..

 

إعداد وتنسيق ميساء عبدالله أبو عاصي

 

من مذكرات الطفولة إلى التميز الأكاديمي

 

1- حبذا تعريف قرائنا وزوار موقعنا بحضرتك؟

طب الأطفال حلمي منذ صغري حتى أني دوّنت ذلك في مذكراتي، والحمدلله ساعدني على تحقيقه. كان لوالدي ووالدتي الفضل الأكبر في الوصول إلى ما أتمنى. تفوّقت بالثانوية العامة الفرع العلمي عام 2008 وكنتُ من العشرة الأوائل على المحافظة واخترت رغبة الطب العام.

 

2- حدثينا عن أبرز محطات مسيرتك العلمية منذ إجازة الطب العام عام 2014 وحتى حصولك على البورد السوري في طب الأطفال وحديثي الوالدة؟

منذ بداية دراستي كنت أضع اختصاص الاطفال نصب عيني، ورغم أنني لديّ شغف في الكتابة والرسم إلا أن الطب شغلني عن موهبتي فوقت الطبيب ليس ملكه.

حصلت على إجازة في الطب العام عام 2014 وكان معدلي يؤهلني أن أدخل معظم الاختصاصات. كثير من الناس شجّعوني على اختصاصات منتجة مادياً أكثر من طب الأطفال لكن اختصاص الأطفال كان أول رغبة لي في المفاضلة.

لم يكن هدفي مادياً كان هدفي في دراسة الطب أن أكتشف معجزة الله في جسد الإنسان وأن أساعد الناس ابتغاء رضا ربي قدر استطاعتي.

 

  رسالة ملائكية وعطاء يمتد للمشافي والعمل الخيري

 

3- لماذا اخترتِ اختصاص طب الأطفال تحديداً؟

اخترت طب الأطفال لأنه في نظري الاختصاص المملوء بالإنسانيّة والثواب فأنت تتعامل مع ملائكة لتساعدهم في تخفيف أوجاعهم ولا أظن أن هناك أسمى من مساعدة طفل مريض حتى يشفى.

بدأت باختصاص الأطفال عام 2015 كانت فترة الإقامة في قسم الأطفال في المشفى الوطني في السويداء، بالإضافة لمشفى صلخد ومشفى سالة أنهيت الاختصاص عام 2020. عملت مع جمعيات ومنظمات خيرية من 2018 حتى اللحظة.

وما زلت أمارس عملي ضمن المشافي حتى الآن بالإضافة للعيادة الخاصة. حضرت عدة مؤتمرات ودورات تدريبية في إنعاش حديثي الولادة والطوارئ وتدبير سوء التغذية مع شهادات حضور.

 

البورد السوري وتطوير الكفاءة لمواكبة مستجدات الطب

 

4- ما أهمية البورد السوري في تطوير الكفاءة الطبية للطبيب الاختصاصي؟

محطة البورد السوري ليست بالأمر السهل لا ينجح إلا الطبيب الكفوء، فحين يلمّ الطبيب بكل ما يخص أمراض الأطفال وتشخيصها وتدبيرها ينال الشهادة بجدارة.

 

5- كيف أسهمت المؤتمرات الطبية التي شاركت فيها بتطوير خبرتك العملية والعلمية؟

المؤتمرات تضيف للطبيب ما هو جديد في عالم الطب من تطورات في العلاج وطرق التشخيص الأحدث لتقديم الفائدة الأفضل للمريض. كي يبقى الطبيب على مواكبة أحدث التطورات العلمية في اختصاصه.

 

6- ما أهميّة دورات إنعاش حديثي الوالدة في إنقاذ الأرواح داخل أقسام الوالدة؟

دورات الإنعاش تصقل مهارات الطبيب لضمان سلامة الإجراءات والتطبيق الأمثل لها في سبيل إنقاذ الأرواح فهي تراكم الخبرة والمعلومة لتنفيذ الخطوات الصحيحة.

 

7- ما أكثر الحالات الإسعافية الطارئة شيوعاً التي تواجهينها في عملك اليومي؟

أكثر الحالات التي افحصها كحالة إسعافية عند الأطفال هي الإصابات الفيروسية التي تسبب الميكروب الحنجري لدى الأطفال والتهاب القصيبات الشعرية عند الرضع خاصة في فصل الشتاء والتجفاف المرافق لالتهاب الأمعاء في أشهر الصيف بخاصة.

 

بين الفقر والجهل: تحديات تواجه طبيب الأطفال في سوريا

 

8- برأيك، ما أبرز التحدّيات التي تواجه طب الأطفال وحديثي الوالدة حالياً؟ وبخاصة في وضع سورية الراهن؟

أكثر التحديات التي تواجه طبيب الأطفال هي قلة الثقافة الطبية لدى البعض ما يجعل بعض الأهالي يتأخرون في تدبير الحالات المرضية لدى أبنائهم ومحاولة علاجهم منزلياً دون فحص سريري وأعطائهم أدوية عشوائية أو ظنهم أن الطفل المريض يحاول استعطافهم بينما هو في مرحلة متقدمة من المرض.

 

في ميدان الطوارئ: إنقاذ حديثي الولادة وأكثر الحالات شيوعاً

 

9- كيف ينعكس التدريب في الإسعاف والطوارئ على جودة الرعاية الصحية للأطفال؟

كل خطوة تدريب للطبيب في مجال الإسعاف والطوارئ هي ضمان أكبر لإنقاذ طفل بوضع حرج.

 

10- ما خطورة سوء التغذية عند الأطفال؟ وكيف يمكن لأهل الوقاية منه؟

خطورة سوء التغذية عند الأطفال تأتي إما من عجز مادي أو من نقص معرفة، فصادفت أسراً يرضعون أبناءهم الشاي بدلاً من الحليب على سبيل المثال وهو لا يعوض أبداً عنه. فلا يحوي لا بروتين ولا دسم ولا معادن فيّصاب الطفل بسوء التغذية بسبب الفقر والجهل معاً.

 

11- ما الدور الذي تلعبه متابعة النمو في الكشف المبكر عن المشكلات الصحيّة؟ وكيف يمكن تصحيح الحالات فيه؟

المشكلات الصحية يؤدي بالطفل إلى تأخّر في النمو ونقص الوزن وقصر القامة وتأثر النمو العقلي والإدراكي وضعف في جهاز المناعة وفقر الدم للوقاية يجب أن نركز على أهمية الرضاعة الطبيعية مع إدخال التغذية التكميلية بعمر ستة أشهر واتباع نظام غذائيّ متنوّع ومتوازن يضمن حاجات الطفل الجسدية والصحية والتثقيف الصحي والمتابعة الدورية مع طبيب الأطفال لمراقبة منحنيات النمو وإعطاء اللقاحات اللازمة في وقتها.

 

للأمهات والقابلات: احذرن التمليح والتقميط فهما عادتان موروثتان تهددان سلامة الرضع

 

12- ما النصائح الأساسيّة التي تقدمينها للأمهات الجدد حول العناية بحديثي الوالدة؟

ينبغي على الأمهات الجدد بخلع عقلية التقاليد الخاطئة المضرّة للرضيع كالتمليح الذي يسبب التجفاف لدى حديثي الولادة واضطراب في توازن سوائل وشوارد الجسم وتطوّر اليرقان واضطرابات قد توصله للمشفى أخيراً.

كذلك الأمر في إعطاء الكمون واليانسون للمغص الطفلي لما لهما من تأثير في حدوث التهاب إمعاء وأثر اليانسون على الجهاز العصبي. وعادة التقميط لدى حديث الولادة التي قد تسبّب خلع ورك إذا طبقت بشدة وباستمرار.

 

دليل الأهل: علامات مطمئنة وأعراض إسعافية تستدعي المشفى فوراً

 

13- كيف يمكن للأهل التمييز بين الأعراض البسيطة والحالات التي تحتاج إلى مراجعة طبية فورية؟

من الصعب على الأهل التمييز بين الأعراض المرضية البسيطة أو تلك التي تستدعي مراجعة طبيب. لكن تبقى استشارة الطبيب هي الملاذ الآمن. وبشكل عام هناك علامات مطمئنة مثل طفل واعي منتبه مبتسم يلعب يمكن تهدئته يستطيع تناول الطعام والشراب يتنفس بشكل طبيعي.

 في حال التهاب الأمعاء مثلاً حفاظات مبللة، فم رطب، وجود دموع حرارة، تستجيب على الخافضات، لكن هناك أعراض تحتاج استشارة طبيب فوراً مثل طفل لديه خمول شديد، غياب عن الوعي لا يمكن إيقاظه، لا يبتسم، يرفض الشراب والطعام، لديه هياج وبكاء شديد لا يمكن تهدئته في مشاكل التنفس قد تتوسّع فتحات الأنف وتتراجع الفراغات بين الأضلاع أثناء الشهيق عنده ونجد زرقة حول الشفاه وفي الأظافر، صعوبة شديدة في التنفس أو توقف التنفس.

في حالات التجفاف غياب للدموع، جفاف الفم واللسان، قلة تبليل الحفاظات، حرارة مستمرة، لا تستجيب على خافض الحرارة، وجود طفح لا يبهت أو كدمات دليل نزيف، ألم شديد بالبطن ورفض لمسه..

وجود حمّى عند أي طفل تحت الثلاثة أشهر من عمره تستدعي استشارة فوراً أو نوبة تشنّج أول مرة أو اختلاج دام أكثر من خمس دقائق.. كلها حالات إسعافية لا يمكن تجاهلها.

 

الرضاعة الطبيعية: الحصن المناعي الأول والتركيبة المثالية للنمو

 

14- ما أهميّة الرضاعة الطبيعيّة في دعم صحة الطفل ونموه؟

الرضاعة الطبيعيّة ضروريّة لصحة الطفل البدنيّة والعقليّة والمناعيّة لها تركيبة مثاليّة لنمو الطفل ونمو دماغه السليم. والتقليل من خطر العدوى عن طريق الأضداد التي يحتويها والخلايا المناعيّة الموجودة في الحليب غير عن تقوية الرابطة بين الطفل والأم والتقليل من مخاطر الأمراض المزمنة كالسكري والسمنة والأمراض التحسسية.

 

15- كيف ترين دور الطبيب ليس فقط كمعالج، بل كمثقف صحيّ للمجتمع؟

الطبيب ليس فقط مَن يقدّم العلاج وتنتهي مهمته، بل مَن يقدّم المعلومة الصحيّة للأهل للتعامل مع المرض والتقليل من حدة انتشاره وتخفيف أعراضه وطرق الوقايه منه والتعامل معه ومتابعة المريض عن كثب حتى التعافي والتحدّث بطريقة بسيطة خالية من المصطلحات الطبية الصعبة والإصغاء للأهل وتفهم مخاوفهم وإظهار التعاطف والاحترام لمستوى ثقافة الأسرة ومعتقداتهم وتعديل أسلوب الشرح بما يناسب خلفية الأهل التعليمية والاجتماعية.

 

16- هل هناك رسالة معيّنة تحبين توجيهها للأهالي في ما يخص صحة أطفالهم؟

رسالة أوجهها للأهالي أن الطفل أمانة لديكم من الخالق فعليكم أن تكونوا على قدر الأمانة في رعايته منذ لحظة إنجابه.

 

مواقف إنسانية مؤثرة.. وطموحات تتجاوز الحدود لترك بصمة عربية

 

17- ما أكثر موقف إنساني أثر فيك خلال عملك في طب الأطفال؟

أكثر موقف أثر في أثناء مهنتي طفل جميل دخل في سبات كان قبلها يناديني باسمي ويدخل عيادتي في القسم وألاعبه ويتودّد لي كثيراً، لكن بعد صحوته لم يعُد يتذكّرني أو يعرفني لقد فقد الذاكرة وكنت أتألم لذلك لأني فقدت محبته، لكنني فرحت لشفائه في الوقت نفسه.

 

18- كيف تحافظين على تحديث معلوماتك الطبية ومواكبة التطوّرات العلمية؟

أسعى لمواكبة التطورات العلمية في مجال الطب بالاطلاع على أحدث نسخة من مرجع نيلسون في طب الأطفال باستمرار وحضور الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية قدر الإمكان والاشتراك بمجموعات مهنيّة سواء على منصات مثل التيلغرام أو linkedIn لمناقشة الحالات الطبية وآخر التطورات في تدبيرها وعلاجها.

 

19- ما طموحاتك المستقبلية في مجال طب الأطفال وحديثي الوالدة؟

طموحاتي المستقبلية في طب الأطفال أن أعمل في مشافي الوطن العربي لاكتساب المزيد من الخبرة وترك بصمة إنسانية علمية في المجال الذي أحبّه. الإنسان طموحاته لا تتوقف ما دام حياً عليه أن يتجدد دائماً.

 

الطبيب والمحتوى الإعلامي: شراكة لتثقيف المجتمع ومحاربة الشائعات

 

20- كيف يمكن للإعلام أن يساهم في رفع الوعي الصحي حول صحة الطفل؟

للإعلام دور كبير في التثقيف الصحي من خلال برامج التوعية والمجلات الصحية حتى المواقع الطبية برفع ثقافة الأهل في رعاية الأطفال والالتزام بالأغذية الصحية واللقاحات وتجنب الأطعمة المضرّة ونمط الحياة الذي يضعف المناعة والالتزام بطرق الوقاية من الأمراض والنظافة العامة وتقديم المعلومات الصحيحة بطريقة مبسطة ومواجهة الشائعات والمعلومات الزائفة.

 

21- كلمة أخيرة تودين توجيهها للأمهات والأسر بشكل عام، وكلمة تحبون قولها عبر حرمون؟

كثيرون يتمنون أن يرزقوا بطفل وأنتم أنعم الله عليكم به والطفل رسالتكم الجميلة في هذه الحياة؛ عليكم بالعناية الصحية والنفسية والجسدية والتغذية الجيدة والوقاية خير من العلاج. حفظكم الله وملائكتم الصغار.

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH