لبنان: هجوم سياسي لتفادي هيمنة صهيوأميركية؟

د.عصام نعمان

وزير سابق ومفكر ومناضل وقانوني
 
لا حرب عسكرية صاخبة في لبنان حاليّاً . ثمة غارات وإعتداءات اسرائيلية متفرقة ، برية وجوّية ، في جنوبه وردود موضعية عليها  من قوى المقاومة الوطنية بقيادة حزب الله ، فيما ينشغل رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس حكومته نواف سلام بمتابعة مفاوضات سياسية وعسكرية في واشنطن ثم في روما بإدارة اميركية شاملة بغية جرّ لبنان واسرائيل الى الموافقة على إتفاق سياسي تنهمك واشنطن بتظهيره وإلزام الجانبين به.
ماذا عن المعارضة؟
ثمة شبه إجماع وطني على رفض “الإتفاق الإطاري” المصنوع في واشنطن مع تباين في وسائل مواجهته. غير ان رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى ملاحظة لافتة بقوله إنه لن يحزن إذا تمكّن العاملون للإتفاق (الذي يعارضه) من تحقيق إنسحاب فعلي لقوات الإحتلال الإسرائيلي من جنوب البلاد الى ما وراء الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المحتلة.
القوى الوطنية لا تشعر بأن هذه النتيجة المتوخاة كافية . تلاحظ بقلق تصاعد الصراع بين السعودية واليمن ، وإعلان صنعاء بلسان قائد حركة انصار الله عبد الملك الحوثي أن “خيار الحركة الوحيد لكسر الحصار الذي تفرضه السعودية بمشاركة اميركية هو فرض معادلة الحصار بالحصار والمطار بالمطار حتى يتمّ رفع الحصار البحري والجوي عن اليمن”. القوى الوطنية ترى ان مؤدى ذلك كله صراعٌ قد يشمل الإقليم برمته خصوصاً بعد الخطاب الشديد اللهجة للمرشد الأعلى الجديد لإيران السيد مجتبى خامنئي ضد الولايات المتحدة.
إذ تتجه الحرب بين اميركا واسرائيل من جهة وايران وحلفائها من جهة اخرى الى تصعيد متدرج ، تعلو في الأوساط السياسية والشعبية في لبنان المعادية للتحالف الصهيوأميركي دعوةٌ الى التوافق على مقاربة فاعلة لمواجهة العدو تكفل تفادي الهيمنة الصهيوأميركية من جهة ولا تؤدي من جهة اخرى لإنزلاقٍ الى الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وايران.
قبل هذا  التصعيد العسكري الخطير ، كنتُ دعوتً ، وربما غيري ايضاً ، الى إطلاق هجوم سياسي متكامل على التحالف الصهيوأميركي بوسائل سياسية مشروعة لتحقيق أهداف لبنانية مستحقة ومزمنة . منطلق الهجوم المطلوب إغتنام فرصة إنشغال حكام اميركا واسرائيل وايران بالحرب المحتدمة فيما بينهم ، بغية العمل لإخراج لبنان من إسار نظامه الطائفي السلطوي الفاسد والمترهل والخاضع للتدخلات الخارجية الى رحاب دولة ديمقراطية قادرة وعادلة تكفل تأمين الإستقلال للبلاد والخير والأمن والكرامة لمواطنيها . كيف ؟ بالدعوة الى مؤتمر وطني جامع تشارك فيه أحزابٌ وهيئاتٌ وفاعلياتٌ وشخصياتٌ وطنية ترى أن طريق الخلاص من الأزمة-المحنة تكون بإجتراح وفاق وطني جامع يقوم على مرتكزات دستورية وأولويات إصلاحية خمسة :
أولاً : تنفيذ أحكام الدستور كلها ، لاسيما المواد 22 و 24 و95 منه (إهم ما فيها إنتخاب مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي ومجلس شيوخ لتمثيل الطوائف تنحصر صلاحياته بالقضايا المصيرية) .
ثانياً : متابعة قوى المقاومة نشاطها وعملياتها ضد العدو الإسرائيلي طالما هو محتل لإراضٍ ومواقع في جنوب لبنان ومثابر على إرتكاب جرائم القتل والتفجير والتدمير والتجريف، والتعهد بوقف نشاط المقاومة وتسليم سلاحها للدولة في حال ثبوت إنسحاب قوات العدو الإسرائيلي الى ما وراء الحدود الدولية وفق اتفاقية الهدنة للعام 1949.
ثالثاً : إقرار إستراتيجيا متكاملة للدفاع الوطني تكفل تسليح الجيش اللبناني من كل المصادر المتاحة ليكون دائماً المؤسسة الوطنية المسؤولة عن حماية البلاد وامنها القومي في وجه الأعداء ، أياً تكن إنتماءاتهم ومطامعهم .
رابعاً : إنشاء المجلس الأعلى للإعمار والإنماء ومباشرة اعمال الإعمار بلا إبطاء حيث يمكن بالاموال المتوافرة حاليّاً للدولة.
خامساً : تأليف حكومة وطنية جامعة مهمتها الرئيسة تنفيذ توصيات المؤتمر الوطني الجامع وفق المرتكزات الدستورية والأولويات الإصلاحية المبيّنة آنفاً .
يهمني أن أشير الى أنني ، بدافع وطني صرف ، كنتُ كتبتُ مقالاً ضمّنته معظم الأفكار والتوصيات آنفة الذكر نشرته “القدس العربي” بتاريخ 2026/7/6 دعوتُ فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الإضطلاع بمهمة الدعوة الى عقد مؤتمر وطني جامع من اجل حوارٍ ينتهي الى إقرار توصيات أساسية للخروج من الأزمة المزمنة. كما أنني شاركتُ في إجتماع عقده ممثلو قوى وطنية وشخصيات مستقلة للغاية نفسها، جرت فيه مناقشة واسعة وعميقة إنتهى الى التوافق على إصدار بيان يشدّد على مخاطر إستمرار العدو الإسرائيلي في إعتداءاته على البلاد، وتقصير اهل السلطة في مواجهته، ومسايرتهم الفاضحة للسياسة الاميركية في هذا المجال . 
الى ذلك ، تردّد أن الرئيس بري قد لا يكون جاهزاً لتحمل مسؤولية الدعوة الى مؤتمر وطني ما حملني على تعجيل إجتماعي برئيس المكتب السياسي لحركة امل (التي يتزعمها بري) الحاج جميل حايك الذي وجدتُ ، بحسب شروحاته، أن قيادة الحركة مدركة مخاطر الأزمة الخانقة التي تعانيها البلاد وأنها بدأت بإعداد خطط للخروج منها. وقد أبدى حايك تفهماً وتعاطفاً مع مضمون مقالي المشار اليه ، ووعد بالعمل على تسهيل اجتماعي بالرئيس بري لإقناعه بالدعوة الى المؤتمر الوطني المنشود.
الحقيقة أنني استخلصتُ من الإجتماعات والإتصالات التي تسنّى لي المشاركة فيها ان ثمة عوائق تعرقل التوافق على عقد مؤتمر وطني جامع أبرزها اثنان : الأول عدم إدراك معظم اهل السلطة خطورة الأزمة الخانقة وتداعياتها وعدم إستعدادهم تالياً لتحمل مسؤولية التصدي لمعالجتها. الثاني ، ميل بعض قادة القوى الوطنية الى الإعتقاد بأن أيّ محاولة لقيام بعض أهل النظام  والسلطة بمحاولات لإصلاحه قد تؤدي الى مدّ النظام المترهل بأسباب قوةٍ تطيل عمره في وقتٍ يرى خصوم النظام الثوريون والإصلاحيون انه يقتضي التعجيل في هدمه والإسراع في إنهائه.
صحيح أن معظم اهل النظام والسلطة غير مدركين خطورة ما إنتهى اليه النظام الطائفي الفاسد من علل وأمراض مميتة ، لكن ثمة قلّة قليلة من أهل السلطة تعي خطورة الحال الراهنة وتبدي إستعداداً للقيام بما يمكنها القيام به من اجل الحؤول دون ان يؤدي إسقاط النظام في هذه الآونة الى تقديم خدمة مجانية لإسرائيل التي تسيطر حالياً بالنار على ربع مساحة لبنان الإجمالية ، كما تحتل قواتها نحو خُمس مساحة سوريا الإجمالية، وانها لم ولن تفوّت ايّ فرصة لمزيد من التوسّع على حساب المحيط العربي الجعرافي المجاور.
      يهمني ايضاً أن يعي ويدرك خصوم النظام الطائفي السلطوي الفاسد – وهم يعرفون أنني في طليعتهم – أن ثمة اكثرية وطنية وازنة في شعبنا حريصة على ضرورة التضامن في الظروف العصيبة الراهنة من اجل تحقيق توافق وطني جامع لوقف الإنهيار السياسي والإقتصادي وذلك بإعتماد صيغة متوازنة لإدارة البلاد والمصالح العامة تسدّ الحاجة الماسة الى مواجهة العدو الإسرئيلي  وحلفائه من جهة ومعالجة الضائقة المعيشية وتداعيات النزوح التي تؤذي عشرات الآف المواطنين من جهة اخرى.
نعم ، الوفاق الوطني الجامع حاجة حياتية بالغة الإلحاح ، وهي ليست مستحيلة التحقيق رغم ظروفنا الحالية البالغة الصعوبة. مع العلم أن تحقيق الوفاق الوطني الجامع بالتعاون مع بعض اهل السلطة النزهاء لا يمنع الثوريين والإصلاحيين الراديكاليين من متابعة كفاحهم المديد لتحقيق ما يصبون اليه من جليل المبادىء والأهداف.
 
*نشرت في جريدة “القدس العربي”(لندن) بتاريخ 2026/7/20