أزمة الغاز تضغط على مصر.. خفض إمدادات المصانع مقابل استمرار التصدير إلى أوروبا!

اليوم

0
الأسبوع

0
الشهر

0
السنة

0
الإجمالي

0

في خطوة تعكس تصاعد الضغوط على سوق الطاقة المصرية، خفّضت الحكومة إمدادات الغاز الطبيعي الموجهة إلى مصانع الأسمدة والميثانول بنسبة 20%، اعتباراً من فجر الثلاثاء، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تأمين احتياجات القطاعات الصناعية وتعزيز القدرة الإنتاجية والتصديرية.

ويتزامن هذا الخفض مع السماح بتصدير نحو 150 ألف متر مكعب يومياً من الغاز المخصص للشركات الأجنبية إلى الأسواق الأوروبية، ما يثير تساؤلات بشأن أولويات توزيع الإمدادات في ظل تحديات توفير الغاز محلياً. وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة لن تطال المنازل أو تؤدي إلى تعطيل الأنشطة الإنتاجية، وسط اختبار متزايد لقدرة مصر على الموازنة بين التزاماتها التصديرية واحتياجاتها المحلية من الطاقة.

تكشف الإجراءات الحكومية عن تباين في أولويات إدارة أزمة ملف الغاز، التي تعصف بالبلاد للعام الثالث على التوالي، بين تأمين احتياجات الصناعة المحلية، وتوفير الطاقة لمحطات الكهرباء التي تستهلك نحو 76% من إمدادات الغاز المحلي والمستورد، وإتاحة عوائد التصدير لشركات البترول الأجنبية، في وقت تواجه فيه مصر ارتفاعاً في تكلفة استيراد الغاز وتراجعاً في الإنتاج المحلي وشح الدولار.

ظهرت التناقضات جلية عقب قيادة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعاً مساء الاثنين الماضي للجنة المركزية لإدارة الأزمات، ناقش خلاله زيادة مخزون السلع والأدوية والمنتجات الغذائية، وتأمين احتياجات الدولة من الطاقة والوقود، وترشيد الإنفاق الحكومي واستهلاك الوقود والكهرباء داخل الوزارات والهيئات، إلى جانب خفض بعض بنود الإنفاق، بينها الدعاية والإعلان.

أكد بيان الاجتماع ضرورة أن تضمن خطة الترشيد استمرار الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية، وتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للسلع الأساسية والمواد البترولية.

وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد عادل إن الإجراءات تستهدف الجهات الحكومية وليس المنازل، ولن تؤدي إلى تخفيف الأحمال الكهربائية عن المواطنين، مشيراً إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة والسلع عالمياً خلال سبتمبر وأكتوبر.

بعد ساعات من نشر البيانات المتعلقة بالاجتماع وخطة ترشيد الإنفاق اختفت من صفحات مجلس الوزراء، بينما ظلت نسخ من بعض هذه البيانات منشورة على موقع الهيئة العامة للاستعلامات ووسائل الإعلام الرسمية.

وفي تطور يعكس حجم الضغوط على الإمدادات، قال ممثلو شركات وأعضاء باتحاد الصناعات المصرية لـ”العربي الجديد” إن وزارة البترول أخطرت شركات الأسمدة والبتروكيماويات مساء الإثنين بأنها ستخفض إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة والميثانول بنسبة 20% اعتباراً من 2 نوفمبر، ولمدة غير محددة، بسبب ارتفاع أسعار الغاز المسال عالمياً وتكلفة الاستيراد.

بدوره قال الخبير الصناعي ورئيس شركة أغريتريد لصناعة الأسمدة أحمد هجرس، إن خفض إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة خلال الفترة الحالية، قد يستمر خلال شهري نوفمبر وديسمبر، مؤكداً أن الدولة استغلت تراجع الطلب على أسمدة اليوريا في فصل الشتاء، لخفض معدل الغاز الموجه يومياً إلى المصانع بنسبة 20%.

وفي محادثة مع “العربي الجديد” أوضح هجرس أن تخفيض إمدادات الغاز لن يؤثر على السوق والزراعات المحلية أو صادرات الأسمدة، نظراً لتركز الطلب خلال الموسم الشتوي على سماد النترات، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث تأثير مباشر على سوق الأسمدة المحلية نتيجة خفض إمدادات الغاز للمصانع، مبيناً أن الأسواق الخارجية تشهد حالة من الهدوء خلال الفترة الحالية، في ظل عدم وجود مواسم استهلاك للأسمدة في عدد من المناطق الرئيسية، من بينها أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا، مؤكداً أن غياب مواسم الطلب في هذه الأسواق يقلل من تأثير الإجراءات على حركة التصدير.

وأكد هجرس عدم وجود مشكلة لدى المصانع في الوفاء بالتزاماتها تجاه الجمعيات الزراعية وتوفير الحصص المقررة للسوق المحلية بالكامل، مشيراً إلى أن خفض إمدادات الغاز خلال الفترة الحالية لن يحول دون الالتزام بتلك الحصص أو تغيير أسعار البيع للجمهور.

ورجح هجرس أن يمتد تخفيض حصص الغاز خلال شهري نوفمبر وديسمبر، وفقاً لتطورات استهلاك محطات الكهرباء من الغاز الطبيعي خلال الفترة الشتوية.

وشدد على أن توقيت اتخاذ قرار خفض إمدادات الغاز خلال الفترة الحالية يعد مناسباً من وجهة نظره، موضحاً أن الوضع كان سيختلف إذا اتُخذ القرار خلال فصل الصيف، الذي يمثل موسم الاستهلاك الرئيسي لليوريا في السوق المحلية والموجهة للتصدير.

أرجع خبراء بترول تفاقم ضغوط أزمة الطاقة إلى ثبات معدل واردات الغاز القادم من الكيان الإسرائيلي عند 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً، مع الثبات النسبي في الإنتاج المحلي وزيادة تكلفة شحنة الغاز المسال بنحو 120 مليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع مؤشر الغاز الأوروبي فوق 25 دولاراً مع توقع بلوغه 35 دولاراً في ديسمبر المقبل، وكذلك الغاز المسال الآسيوي إلى أكثر من 34 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بنهاية أكتوبر مقابل نحو 25 دولاراً في نهاية سبتمبر، بزيادة تقارب 36% خلال شهر واحد.

وفي المقابل، كشفت صحف محلية أن الحكومة تسمح للشركات الأجنبية بتصدير كميات من الغاز المخصص لها خلال أشهر الشتاء، مع تراجع الاستهلاك المحلي وزيادة الإنتاج.

وبحسب التقارير، يجري تخصيص نحو 150 ألف متر مكعب يومياً للتصدير إلى الأسواق الأوروبية خلال نوفمبر، بقيمة تقدر بنحو 60 مليون دولار للشحنة، بالتزامن مع إعادة ضخ كميات من الغاز إلى مجمع الإسالة في إدكو، شمال دلتا النيل بالتنسيق مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس” في ظاهرة قال مسؤول سابق بالوزارة تحدث لـ”العربي الجديد” إنها ترجع إلى ضغوط شركات البترول الكبرى منها إيني الإيطالية، لدفع الوزارة للسماح لها بتصدير حصصها من حصيلة آبار الغاز المحلية، لتضمن عوائد عن المبيعات بالدولار، ومساعدتها في توفير الغاز لعملائها في أوروبا، التي تواجه شتاءً قارساً وصعوبات في تدبير البدائل، بعد قرار الاتحاد الأوروبي بوقف إمدادات الغاز من روسيا اعتباراً من ديسمبر المقبل.

ووفقاً للمصدر تستند هذه السياسة إلى تراجع الاستهلاك المحلي نسبياً خلال الشتاء، وإتاحة الفرصة للشركات الأجنبية لتحقيق عائد من الإنتاج، بما يشجعها على مواصلة الاستثمار في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول الجديدة، فضلاً عن توفير حصيلة من النقد الأجنبي، مبيناً غياب البيانات التفصيلية عن الكميات المتاحة وتوزيعها بما يجعل تقييم الأولويات أكثر صعوبة.

وبحسب المصدر، يمثل الغاز الطبيعي مادة خاماً رئيسية لإنتاج الأمونيا والأسمدة والميثانول، ويشكل نحو 60 إلى 70% من تكلفة إنتاج طن الأسمدة.

ومن ثم، فإن تقليص الإمدادات قد ينعكس على معدلات تشغيل المصانع وتكلفة الإنتاج وقدرتها على تلبية احتياجات السوق والتزامات التصدير. يرجع خبراء الطاقة الضغوط على سوق الغاز إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، إذ يبلغ الإنتاج نحو 3.7 مليارات قدم مكعبة يومياً، مقابل استهلاك يقدر بنحو 6.2 مليارات قدم مكعبة في فصل الشتاء، ويرتفع خلال ذروة الصيف إلى ما بين 7.2 و7.5 مليارات قدم مكعبة يومياً.

وتضطر هذه الفجوة الحكومة إلى الاعتماد على واردات الغاز المسال لتلبية احتياجات محطات الكهرباء والصناعة، في وقت أصبحت فيه تكلفة الشراء أكثر ارتفاعاً.

خصصت الحكومة نحو 10.1 مليار دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال خلال العام المالي 2026/2027، لكن تقديرات الإنفاق تشير إلى أنها أنفقت بالفعل نحو 5.8 مليارات دولار بحلول أوائل أكتوبر، وفقاً لمحللين ومصادر في سوق الطاقة، وسط توقعات بارتفاع عدد شحنات الغاز المسال التي تستوردها مصر إلى 184 شحنة خلال العام، مقابل نحو 152 شحنة، بينما تجري وزارة البترول محادثات مع شركات عالمية، من بينها شل وتوتال إنرجيز وبي بي وهارتري بارتنرز، لإبرام اتفاقيات توريد طويلة الأجل.

وتسعى هذه التحركات إلى تقليل الاعتماد على السوق الفورية وتقلباتها، لكنها لا تلغي مخاطر ارتفاع الأسعار أو تكلفة تدبير التمويل اللازم للواردات.

ويضاعف تراجع قيمة الجنيه من تكلفة الاستيراد، بعدما استقر الدولار عند حدود قياسية بمبلغ 56 جنيهاً في البنوك، بما يرفع قيمة الشحنات المستوردة بالعملة المحلية حتى إذا استقرت الأسعار العالمية أو تراجعت نسبياً، وفي مواجهة نقص الغاز الموجه لمحطات الكهرباء، اتجهت الحكومة إلى زيادة استخدام المازوت بديلاً للغاز في محطات التوليد.

وبالتوازي مع زيادة الواردات، تراهن الحكومة على استثمارات جديدة لرفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، حيث تستهدف مصر رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 6.6 مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030، مقابل متوسط حالي يبلغ نحو 3.7 مليارات قدم مكعبة، لكن تحقيق هذا الهدف يواجه تحدياً إضافياً يتمثل في التراجع الطبيعي لإنتاج الحقول القائمة، الذي تقدر بيانات حكومية معدله بنحو 120 مليون قدم مكعبة يومياً، في وقت تتضاعف أسعار النفط المرتفعة وتكلفة توفير الوقود والمنتجات البترولية.

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x