
ناي الحنين وشمْسُ العربية
1
1
1
1
1
حين أكتب باللغة العربية، أشعر أنّ الحروف تعرفني قبل أن أعرفها، كأنها كانت تنتظرني منذ زمن بعيد وكأنني سكنتُها قبل أن أولد.
في الألف شموخ قامةٍ لا تنحني، وفي الباء بيتٌ صغير يتّسع للحنين، وفي النون هلالٌ يحتضن نقطةَ ضوء.
وللحروف في هذه اللغة وجوهٌ كوجوه الناس؛ بعضها شامخ، وبعضها وديع، وبعضها يميل على كتف سطره كمن أتعبه الطريق. وحين يتّصل حرفٌ بحرف، تولد الكلمة كما يولد اللقاء بين قلبين، يتغيّر الشكل، ويبقى الجوهر.
لغتنا لا تقول الأشياء فقط، بل تُغنّيها. جُملتها إيقاعُ الصحراء حين تهدأ، وهمسُ الموج على شاطئ بيروت، وارتجاف القلب حين ينطق اسمًا يحبّه.
ولعلّ أجمل ما فيها أنّ لكل شعورٍ فيها اسمًا خاصًّا، فللحزن درجات، وللشوق منازل، هي اللغة التي سمّت السيفَ بمئة اسم، والحبَّ بمئة اسم، وكأنها أبت أن تترك شعورًا بلا ثوبٍ يليق به. فيها يتّسع الحزن حتى يصير قصيدة، ويتّسع الفرح حتى يصير أغنية، ويتّسع الصمتُ حتى يصير صلاة.
وفي زمن تتسارع فيه الكلمات وتتشابه، تبقى العربية الأصيلة نافذةً على البطء الجميل. فيها نتعلّم أن نختار اللفظ بعناية كمن يختار زهرةً لباقة، وأن نمنح المعنى وقته ليستقرّ في الروح. ومن عاش في كنفها عرف أنّ الكلمة أمانةٌ نحملها.
لغةٌ إذا نطقتَ الحنين فيها سمعتَ أنينَ الناي، وإذا قلتَ الوطن رأيتَ الأرز يتّسع بين يديك.
وإذا همستَ «أمّي» عاد إليك دفءُ الحضن في فجرٍ نديّ بعيد.
هي الحرفُ الذي علّمنا أن نحلم، والكلمةُ التي علّمتنا أن نحبّ، فمن حفظها حفظ هويته، ومن أحبّها وجد في الدنيا شمساً لا تغيب.












