تحديات اقتصادية أمام الحكومة المصرية في مفاوضات صندوق النقد بشأن أسعار الطاقة

اليوم

1
الأسبوع

1
الشهر

1
السنة

1
الإجمالي

1

تخوض الحكومة المصرية الجولة الأخيرة من مفاوضات المراجعة مع بعثة صندوق النقد الدولي لاستكمال تحرير أسعار المحروقات والكهرباء.

ولا يقتصر هذا الاختبار على مسألة تعديل الأسعار فحسب، بل يمتد ليختبر قدرة الدولة على توفير العملة الأجنبية لتأمين إمدادات الطاقة؛ وذلك في ظل صعود أسعار النفط عالمياً متجاوزة 113 دولاراً للبرميل (مقابل تقديرات بـ 75 دولاراً في الموازنة العامة الحالية)، بالتزامن مع تجاوز سعر صرف الدولار حاجز الـ 56 جنيهاً في القطاع المصرفي.

وقال صندوق النقد الدولي الخميس الماضي، ​إن بعثته الحالية إلى ‌مصر تهدف إلى التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، ثم ​عرضه على المجلس التنفيذي ​للصندوق للموافقة عليه قبل منتصف ⁠ديسمبر/ كانون الأول.

تأتي المفاوضات بينما تواجه الحكومة ضغوطاً متزامنة مع ارتفاع فاتورة استيراد الوقود والغاز، وتراجع إنتاج بعض مصادر الطاقة المحلية، وزيادة تكلفة الاقتراض وخروج استثمارات أجنبية قصيرة الأجل، في وقت تقترب فيه نهاية برنامج التمويل مع الصندوق في ديسمبر المقبل.

وتستهدف المراجعة إتمام الاتفاق الذي يتيح لمصر نحو 2.3 مليار دولار، تشمل الشريحة الأخيرة من برنامج التسهيل الممدد ومخصصات من تسهيل الصلابة والاستدامة.

وحسب خبراء، تكشف هذه الملفات أن مفاوضات الصندوق تأتي في وقت لا تقتصر فيه أزمة الطاقة على تكلفة الوقود أو مستوى أسعاره، بل تشمل نقص الموارد اللازمة لتكوين المخزون الكافي للدولة والاعتماد المتزايد على الواردات من السوق الفورية، وقيود التكرير والنقل، وتراجع الإنتاج المحلي، مؤكدين أن الاختبار أمام الحكومة لا يتعلق فقط بتمرير زيادات جديدة في أسعار المحروقات على المستهلكين خلال الأسابيع المقبلة، أو تحمّلها من الموازنة، بل بتأمين إمدادات مستقرة في ظل موارد دولارية محدودة وتكلفة متصاعدة للطاقة.

البدائل وتصاعد المخاطر المالية

ظهرت الضغوط على الحكومة جليّة خلال “منتدى مصر 2026″، حيث عرض رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عدة سيناريوهات للتعامل مع ارتفاع تكلفة الطاقة: تحميل المستهلكين كامل الزيادة، أو تحمّل الدولة الفارق عبر مواردها، أو الاقتراض، أو تثبيت مخصصات الموازنة وشراء كميات محدودة من الوقود، بما قد يغطي 50% إلى 60% من احتياجات المواطنين، مع احتمال نقص الإمدادات وتخفيف أحمال الكهرباء من 6 إلى 8 ساعات يومياً.

وفي بيان صحافي، أكد مدبولي لاحقاً أن هذه بدائل مطروحة وليست قراراً بتطبيق أحدها، مشيراً إلى اختيار الدولة حالياً تحمّل العبء المالي، وإلى أن استمرار هذا الخيار يرفع تكلفة الدعم والإنفاق العام، بينما يؤدي تمرير الزيادة إلى المستهلكين إلى تحميل الأسر والأنشطة الاقتصادية أعباءً إضافية.

في المقابل، قال الخبير الاقتصادي أحمد خزيم لـ”العربي الجديد” إن التعامل مع الأزمة الاقتصادية بات “خارج السيطرة نسبياً”، عازياً ذلك إلى الأزمات الجيوسياسية وخروج الأموال الساخنة وارتفاع الواردات وتكلفة الاقتراض، إلى جانب استيراد جزء من التضخم العالمي والاعتماد على الاقتصاد الريعي وغياب شفافية البيانات.

نزف الأموال الساخنة

وقدرت مؤسسة “ستاندرد تشارترد” في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خروج ما بين 10 و15 مليار دولار من استثمارات الأموال الساخنة في مصر، وكانت الأموال الساخنة قد بلغت 55.1 مليار دولار في يونيو/ حزيران 2026، فيما سجل صافي خروج الاستثمارات الأجنبية من أذون الخزانة نحو 3.5 مليارات دولار خلال أكتوبر.

وتبين المؤسسة المالية أن خدمة الدين تزيد من ضيق الحيز المالي المتاح، إذ بلغت فوائد الدين 512.2 مليار جنيه خلال أول شهرين من العام المالي الحالي، بزيادة 7% على الفترة المقابلة من العام الماضي.

واستحوذت الفوائد على 60.3% من المصروفات العامة البالغة 849.1 مليار جنيه، مقابل 63.4% قبل عام، فيما بلغت 96.1% من إجمالي الإيرادات و117.3% من الإيرادات الضريبية.

وفي ما يتعلق بقدرة الحكومة على استكمال تحرير أسعار المحروقات، قال الخبير المصرفي محمد بدرة لـ”العربي الجديد” إن الوصول إلى مستويات اقتصادية لأسعار الوقود أصبح أصعب في الظروف الحالية، مرجحاً أن تلجأ الحكومة إلى تأجيل تحريك الأسعار لفترة، قبل أن تضطر إلى زيادتها مع استمرار ارتفاع تكلفة الطاقة.

وأضاف بدرة أن الحكومة ستأخذ في حساباتها خطط تنويع مصادر الطاقة والتوسع في الطاقة النظيفة، لتقليل الاعتماد على مصادر الإمداد التقليدية والحد من التعرض لتقلبات الأسعار العالمية.

وأعرب الخبير المصرفي عن أمله في أن تنجم عن اللقاءات بين ممثلي الحكومة والصندوق، والمراجعة، نتائج مثمرة، قائلاً إن الوصول إلى مستوى اقتصادي لأسعار المحروقات أصبح أمراً صعباً في ظل الظروف الراهنة.

وأوضح أن الحكومة قد تلجأ إلى تأجيل تحريك الأسعار لفترة، في ضوء تصريح مجلس الوزراء الأخير، الذي يقضي بعدم اتخاذ هذه الخطوة قبل شهر ديسمبر، وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، يجعل زيادة أسعار المحروقات أمراً مرجحاً، قائلاً إن الأسعار “سترتفع، سترتفع”، وأشار إلى أن الحكومة ستأخذ بالاعتبار خطط تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في استخدام الطاقة النظيفة، وزيادة حصتها ضمن مزيج الطاقة، بما يدعم جهود تنويع مصادر الإمدادات.

تحذيرات قطاع الأعمال

من جانبه، حذر نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، محمد هلال، من أن استمرار تحمّل الدولة فارق ارتفاع تكلفة الطاقة يخفف الأعباء المباشرة عن المواطنين، لكنه ينقلها إلى الموازنة العامة، وقد يتطلب تمويلها بالاقتراض، بما يضيف أعباءً فوائد ومديونية تتحملها الأجيال المقبلة.

وفي حديث لـ”العربي الجديد”، قال هلال إن ما عرض خلال جلسة الطاقة في منتدى مصر أظهر، حسب تقديره، أن تكلفة مدخلات الطاقة قد تصل إلى أربعة أمثال السعر الذي تجري المحاسبة على أساسه، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مصادر تمويل الفارق وأولويات الإنفاق.

وحذر هلال من تداعيات استمرار الضغوط العالمية على أسوق الطاقة، مؤكداً أن مصر تمر بمرحلة حرجة تتطلب الاستعداد المسبق للسيناريوهات الصعبة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات بعد وقوعها.

وقال هلال إن الدولة تحملت جزءاً كبيراً من أعباء ارتفاع تكاليف الطاقة لتخفيف الضغوط المباشرة على المواطنين، معتبراً أن هذا التوجه يستحق التقدير، لكنه يفرض في المقابل أعباءً مالية على الدولة، لا تختفي، بل تنتقل إلى الموازنة العامة، وقد تُموَّل من خلال الاقتراض.

وأضاف أن تكلفة هذه الأعباء لا يتحملها الجيل الحالي وحده، بل قد تمتد إلى الأبناء والأحفاد من خلال الديون وفوائدها، موضحاً أن الفارق بين تكلفة توفير الطاقة وما يدفعه المستهلك يتحمله القطاع الحكومي، لكنه يظل في النهاية جزءاً من التكلفة الاقتصادية التي يتحملها المجتمع.

وشدد هلال على أن ملف الطاقة يحتاج إلى مزيد من الشفافية والمصارحة والمواجهة، إلى جانب الاستعانة بالخبرات الفنية المتخصصة، موضحاً أن المواطن يحتاج إلى الشعور بعائد ملموس من السياسات الحكومية، حتى يتقبل إجراءات ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة استخدام الطاقة.

وقال إن الدعوة إلى الترشيد قد تُفهم لدى بعض المواطنين باعتبارها تمهيداً لتحميلهم أعباءً إضافية، بينما الهدف، بحسب رؤيته، يجب أن يكون خفض الفاقد الكبير في الطاقة وتحسين كفاءة استخدامها، بما يقلل التكلفة الإجمالية على الدولة والمستهلكين.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يواجه ضغوطاً تتعلق بالتباطؤ والانكماش، إلى جانب تحديات أخرى مرتبطة بأسواق الطاقة والانبعاثات الكربونية وتكاليف الوقود، محذراً من أن التعامل مع هذه الملفات بردود الفعل وحدها لن يكون كافياً، وأن المطلوب إعداد برامج مسبقة للتعامل مع المخاطر المحتملة.

وتطرق هلال إلى مخاطر اتساع نطاق الصراعات الإقليمية والدولية وتأثيرها في إمدادات الطاقة، مشيراً إلى أن امتداد الحرب مع إيران وتصاعد المواجهات قد ينعكسان على مصر، حتى إذا لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.

واختتم هلال حديثه بالتشديد على أن التعامل مع أزمة الطاقة يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تأمين الإمدادات، وترشيد الاستهلاك، وتحسين كفاءة المعدات، وتطوير قدرات التخزين، وإصلاح آليات الدعم، والاستعداد للسيناريوهات الإقليمية والدولية الصعبة، بما يحد من الأعباء المالية ويحافظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.

تكاليف استيراد الغاز

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد كشف خلال المنتدى الأخير، أن مصر أنشأت سعات تخزينية تستوعب نحو 33 مليون برميل من النفط، لكنها لا تملك 2.5 مليار دولار لملئها.

وقال إن هذه المنشآت، التي أُنشئت منذ 5 سنوات، يمكنها تغطية احتياجات البلاد لمدة تراوح بين 6 و8 أشهر بعد ملئها، مشيراً إلى أن الخزانات لا تزال فارغة، ولم تعلن الحكومة حجم المخزون الحالي أو موعداً لملء هذه السعات.

حسب خبراء، تعكس الفجوة بين السعات المتاحة والموارد اللازمة لملئها ضغوط تمويل واردات الطاقة، التي تتنافس مع التزامات أخرى على النقد الأجنبي، فقد سددت الحكومة في يونيو الماضي 6.1 مليارات دولار من مستحقات شركات النفط الأجنبية، ثم وضعت آلية لسداد نحو 240 مليون دولار شهرياً للشركاء، لحثهم على زيادة عمليات الاستكشاف وتطوير الآبار الحالية، وزيادة الإنتاج من الآبار التي تعرضت للنضوب.

وقال السيسي إن الدولة دبرت نحو 7 مليارات دولار للشركاء الأجانب على مدار عامين، إلى جانب نحو 3 مليارات دولار شهرياً لشراء المنتجات البترولية، ويضع ذلك الحكومة أمام مفاضلة بين سداد مستحقات المنتجين لضمان استمرار الإنتاج، وتوفير الوقود للسوق المحلية، وتكوين احتياطيات استراتيجية.

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x