في «كان هذا على المنابر».. الدكتور نايف حسين شقير يستعيد أسئلة الأدب والتراث بلغة الحاضر

اليوم

8
الأسبوع

15
الشهر

15
السنة

15
الإجمالي

15

ميساء عبدالله أبوعاصي – السويداء

أقيمت في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون بالسويداء، السبت 24 تشرين الأول 2026، فعالية ثقافية لإشهار كتاب «كان هذا على المنابر».

في مشهد ثقافي يحتفي بثراء التراث العربي وامتداد حضوره في الوعي المعاصر، استضاف مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون،  ندوة ثقافية وأدبية خُصصت للحديث عن كتاب «كان هذا على المنابر: أحاديث في الأدب والتراث» للدكتور نايف حسين شقير، الذي يقدم فيه قراءة تجمع بين المعرفة التاريخية والتأمل الأدبي، وتعيد طرح قضايا من الموروث العربي بلغة قريبة من القارئ المعاصر.

‏ويأتي الكتاب ثمرة مجموعة من الأحاديث الثقافية والأدبية التي أُلقيت على المنابر، قبل أن تتحوّل إلى نصوص مكتوبة تحتفظ بروح الكلمة المسموعة، وتمنحها امتدادًا جديدًا في فضاء القراءة والتأمل. ويتناول المؤلف موضوعات متنوعة من الذاكرة الثقافية العربية، تتصل بمكانة الشعر في الحياة العربية، وقصص العشق الخالدة، وقيم الكرم، وغيرها من القضايا التي أسهمت في تشكيل الوجدان العربي عبر العصور.

‏ويعتمد الدكتور شقير في كتابه مقاربة تجمع بين السرد التاريخي والرؤية الأدبية، مستحضرًا نماذج وشخصيات وتجارب من التراث العربي، لا بوصفها وقائع تنتمي إلى الماضي فحسب، بل باعتبارها تجارب إنسانية تحمل دلالات فكرية واجتماعية لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة ومخاطبة الإنسان في حاضره.

‏وتبرز أهمية هذا العمل في محاولته إعادة وصل القارئ بموروثه الثقافي، من خلال تناول موضوعاته بأسلوب يجمع بين العمق المعرفي وسلاسة العرض، بعيدًا عن جفاف المعالجة الأكاديمية. فالتراث، كما يتجلى في صفحات الكتاب، ليس مجرد سجل للأحداث والأخبار، وإنما مساحة مفتوحة للتأمل في القيم الإنسانية، وفهم التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية عبر الأجيال.

‏كما يسلط الكتاب الضوء على دور الأدب في حفظ الذاكرة الثقافية، وقدرته على نقل التجارب الإنسانية من جيل إلى آخر، بما تحمله من مشاعر وأفكار ومواقف تعكس طبيعة الحياة العربية وتنوّعها. ومن خلال استعادة هذه التجارب، يفتح المؤلف المجال أمام قراءة معاصرة للموروث، تستكشف معانيه المتجددة وتبحث في صلته بأسئلة الإنسان اليوم.

 

‏ إسماعيل الجباعي

وألقى السيد إسماعيل الجباعي كلمة ترحيبية، فقال:

‏”أهلاً وسهلاً بكم في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون اهلا بهذا الحضور الجميل النابض بالوجدان العابق بالثقافة  والتاريخ  أهلا وسهلا في كل سبت يتجدد اللقاء ومع تجدد اللقاء نزداد حبا وعطاء. إن تواصلنا المستمر ولقاءاتنا المتجددة هي دليل على وحدتنا وروحنا المشتركة التي تسعى دوماً للرفعة والنجاح.”

‏

‏أبوعاصي

‏افتحت الإعلامية ميساء عبدالله أبوعاصي الحفل، وقالت:

‏“صباحكم سعيد جميعاً، أهلاً وسهلاً بكم في مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون والآداب. نتقدم بخالص الشكر لموقع ومجلة حرمون اللبنانية، بشخص مديرة المنصة الإعلامية فادية الجرماني الحلبي على دعمهما الإعلامي لهذه الفعالية المميزة.

‏يُسعدنا أن نلتقي بكم اليوم في هذه المناسبة الثقافيّة المميّزة، للاحتفاء بكتاب «كان هذا على المنابر: أحاديث في الأدب والتراث»، للدكتور نايف حسين شقير، الذي يأخذنا في رحلة بين صفحات الأدب العربي وذاكرة التراث.

‏وبهذه المناسبة، يسرّنا أن ندعو إلى المنصة كلاً من:

‏الدكتور نايف حسين شقير، مؤلف الكتاب، لنستمع منه إلى إضاءات حول هذا العمل الثقافي ومضامينه.

‏الأستاذ معذّى الجباعي، مقدّم الكتاب، ليتفضّل بتقديم هذا الإصدار والتعريف بأبرز موضوعاته.

‏الدكتورة رحاب صافي، المشرفة على إدارة الندوة، لتتفضّل بإدارة هذا اللقاء الثقافي وإثراء الحوار بين الحضور.

‏فليتفضّلوا مشكورين إلى المنصة،

‏أهلًا وسهلًا بكم جميعًا، ونتمنى لكم لقاءً ثقافيًا غنيًا بالأدب والمعرفة، نستعيد فيه جمال تراثنا العربي ونفتح نوافذ جديدة على معانيه ودلالاته.

‏بكم يكتمل اللقاء، وبالكلمة الطيبة تزدهر الثقافة.‏

 

صافي

‏ أدارت الدكتورة رحاب صافي الندوة، التي أتاحت مساحة للتعريف بمضامين المؤلف ومناقشة أبرز القضايا الأدبية والتراثية التي يطرحها، إلى جانب الوقوف عند أهمية تحويل الأحاديث الثقافية إلى نصوص مكتوبة تحفظ مضمونها وتتيح لها الوصول إلى جمهور أوسع. وبين السطور موسيقى الكلمات، وفي أعماقها تختبئ حكايات الإنسان وذاكرته.

‏لستُ متخصصة في الكتابة الأدبية أو النقد الأدبي، فمجال اهتمامي هو التاريخ والآثار والنصوص القديمة، لكنني أؤمن بأن تذوّق جمال الكلمات واستشعار معانيها لا يقتصر على المتخصصين، بل هو إحساس يلامس كل من يصغي إلى الكلمة بقلبه وفكره، ويتأمل ما تحمله من دلالات وأبعاد إنسانية.

‏وحين قرأت كتاب الدكتور نايف، توقفت عند جمال اللغة وعمق الفكر وقوة التعبير، وشعرت بأنني أمام نصوص لا تكتفي بقول المعنى، بل تدعونا إلى التأمل فيما وراءه، وإلى الإصغاء إلى صوت الإنسان الذي ظل حاضرًا في الكلمات منذ أقدم العصور.

‏لقد استوقفني ما طرحه الكاتب من أفكار حول الشعر، ودفعني إلى التساؤل: هل انتهى زمن الشعر حقًا، أم أن الشعر باقٍ ما بقي الإنسان، وما بقيت في داخله أسئلة الحياة وهواجس الروح؟

‏لقد حفظت لنا النصوص القديمة، التي وصلت إلينا من فجر التاريخ الإنساني، نماذج شعرية عظيمة، تجلت في الملاحم الكبرى في بلاد ما بين النهرين، وفي الملاحم السورية العريقة، والنصوص الكنعانية والأمورية والمصرية والأفريقية. وهي شواهد تؤكد أن الشعر لم يكن يومًا مجرد كلمات تُنظَم، بل كان ذاكرة الشعوب، وسجلّ أحلامها ومخاوفها، ومرآة معتقداتها وتجاربها الإنسانية.

‏ومن هنا، أقول للدكتور نايف: صحّ لسانك، وسلم قلمك، وأحسنت في ما كتبت.

‏لقد لفتني بحثك، ولا سيما ما جاء في الصفحة الثالثة والثلاثين، حيث تؤكد أن الشعر باقٍ ولم يمت. نعم، فالشعر لا يموت ما دامت هواجس الإنسان وأسئلته قائمة، وما دام يبحث عن معنى وجوده، ويعبّر عن أفراحه وأحزانه، وعن آماله وانكساراته.

‏وأنا بدوري أقول: إن الشعر مفتاح من مفاتيح الأدب في كل عصر، منذ العصور القديمة حتى يومنا هذا. وما زلنا نستحضر التراتيل والنصوص الروحية القديمة، التي عبّرت عن علاقة الإنسان بالخالق عز وجل، وحملت أصداء تجارب بشريّة اتّقدت فيها البصيرة، وسمت فيها الروح، وتجلّت قدرة الكلمة على التعبير عما يعجز اللسان أحيانًا عن قوله.

‏فالكلمة ليست مجرد حروف، بل هي وثيقة إنسانية تحفظ الذاكرة، وتقاوم النسيان، وتنقل إلينا حياة البشر عبر العصور.

‏كما استوقفني في هذا الكتاب البحث الخامس، المعنون بـ «خواطر في الخوارج في الشعر والقصيدة»، وما يحمله من أبعاد فكرية وإنسانية تستدعي التأمل في علاقة الفكر بالكلمة، وفي أثر الأفكار حين تبتعد عن صفاء الروح ونقاء الضمير.

‏وقد لامستني، على نحو خاص، الكلمات الواردة في الصفحة السابعة والثمانين، حين يقول الكاتب:

‏«استعدت وعيي المفقود يوم اصطدم جبيني بمدخل المغارة، قبل أن تتناولني مخالب الضباع التي قادتني، وأنا فاقد الوعي والإرادة، إلى مجاهل البرية المظلمة الموحشة، بعيدًا عن الفكر النقي الذي كنت أحسبه في الإسلام.

‏إنها صورة أدبية مؤثرة، تختزن مشهدًا من التيه والضياع، وتفتح أمام القارئ بابًا للتأمل في الصراع بين ما يؤمن به الإنسان من قيم نقية، وما قد يصادفه من ممارسات تُبعده عن جوهر تلك القيم. وهي كلمات تستوقفنا، لا لقوة صورتها فحسب، بل لما تثيره في النفس من أسئلة حول الوعي، والإرادة، والطريق الذي يسلكه الإنسان حين يفقد بوصلته الفكرية والروحية.

‏إن قراءة كتاب كهذا تذكّرنا بأن الكتابة ليست ترفًا لغويًا، وأن الأدب ليس حروفًا مرصوفة على الورق، بل هو موقف وفكر وذاكرة، وهو محاولة دائمة لفهم الإنسان في ضعفه وقوته، وفي بحثه عن الحقيقة والمعنى.

‏وحين نتأمل هذا الكتاب، ندرك أن هذه الأرض لن تكفّ عن إنجاب أصحاب الأقلام، وحملة الفكر، وأرباب المحابر، ما دام فيها إنسان يؤمن بأن للكلمة أثرًا، وللثقافة رسالة، وللأدب دورًا في بناء الوعي وصون الذاكرة الإنسانية.

‏فالشعر باقٍ، والكلمة باقية، وما دام الإنسان قادرًا على الحلم والتأمل والتساؤل، فستظل القصيدة نافذة يطل منها على ذاته وعلى العالم.

‏وفي الختام، أتقدم بالشكر والتقدير إلى الدكتور نايف على هذا الجهد الفكري والأدبي، متمنية له دوام العطاء، ومزيدًا من الإبداع والتألق، وأن تبقى كلماته منارات تضيء دروب الفكر والثقافة.

‏والآن، أترك المنبر للأستاذ مغذى الجباعي، ليتفضل مشكورًا بالحديث.

 

‏معذى الجباعي

افتتح مداخلته وقال:

‏ـ زمنُ الشعر لا ينتهي، ولن ينتهيَ طالما تقرِضه البشرية، وهذا ما أراد د. نايف أن يبيٍنَه ويرسّخه في أذهان البشرية جمعاء.

‏فلا خوفَ عليه من الانقراض مادامت الشعوب تتوالد، تسجله، فيحفظُ التراثَ والتاريخَ، ويعلي من قيم المجتمعات.

‏ـ فالشعرُ حفظ مآسي البشرية وآلامها ومشاعرها.

‏وصل إلينا شعرُ قيس بنِ الملوّح. عشنا آلامَهُ وهُيامَهُ وحبَّهُ العذري الذي وصل حَدَّ الصوفية في طهره وعفافه. وتأثّرت به الأمم الأخرى في بلاد فارس، ودول آسيا الوسطى، وأوصلته إلى درجة الرِّفعة الروحية والتقديس.

‏ـ وشِعرُ كرم الأضياف الذي تسامى إلى أعالي المعاني الأخلافية. ومن إشاراته إضرامُ النار ليسترشدَ التّائهُ أثناء ظلمة الليالي، وفي البرد والصقيع، فيلتجئَ إلى مستقبليهِ بتهليلهِم وترحيبهِم به.

‏ـ وثّقَ الشعرُ تجربةَ الصعاليك بعيداً عن مفاهيم  اللصوصيّة لنراها في سياقها تمرّداً على الظلم الاجتماعي طلباً للعدالة في رفعةٍ وسُموّ.

‏ـ وتقصّى الشعرُ ظواهرَ التّمرد عند الخوارج والشُّطار والعيّارين الذين حوّلوا السرقة والسلبَ إلى مسوّغات أخلاقية في وجدان الإنسانية.

‏ـ وأنهى د. نايف محاضراته بحديثه عن المقامات وأعلامها والعصرِ الذي انطلقت فيه، والقيمة الأدبية والمعنوية في موضوعاتها المطروحة.

‏في هذه المحاضرات السبع خيطان متينان يربطانِها ببعضها: خيط الشعر الذي يُوَثّق، وخيطُ قلبِ الموازين من النظرة السلبيّة السائدة بين الدارسين التقليديين، والنظرة الإيجابية التي أراد توضيحها د. نايف في تجلّيها للمعاني الأخلاقية الكريمة بكل ما تحويه بأسلوبٍ عذبٍ ومشوق.

‏فالمقامات التي سادت في عصر الانحدار ـ وأنا أفضل هذه التسمية على غيرها ـ وثّقتْ في موضوعاتها القيمَ الأدبيةَ والمعنويةَ، وصوّرت العصر تصويراً دقيقاً بكل مناحي الحياة.

‏وأنهاها بالمقامة (الزيتونية) التي صوّرت حالةً من حالات الاحتيال الطريفة، ولامست حدود السويداء بكل أناقة ولباقة.

‏ــ في عام 2004 طلبَ منهاج الصف الخامس في التعليم الأساسي موضوعاً من التلاميذ عن مضايقة البعوض للإنسان في الليل، وعلى التلميذ أن يكتبَهُ بأسلوب ساخر.

‏ــ سألني ابني أوفى قائلاً: هكذا طلبوا منا؟ فقلت له: اسمع هذا الأسلوب:

‏وأنا في الطريق، صادفت أفضلَ صديقٍ، وأغلى رفيق. فسألني: إلى أين الذهاب؟ فقلتُ له إلى الكتب والكتّاب. فقال: خلص بابا خلص.

‏دخل غرفتَهُ، وغاب نصفَ ساعة، وعاد قائلاً لي: قد كتبت هذا. وعندما عرضتها على الأستاذ المرحوم (جدعان المتني) استلطفها، واستحسنها، ونشرها في عدد من أعداد جريدة الجبل 2008 تحت اسم (هجمة البعوض) المقامة الفضيّة.

‏((جئتُ لأنام، وامتلأت الغرفة بالظلام. هجم البعوض كأسراب الحمام. سحبتُ القتّالة، وهجمتُ ببسالة. أضربُها باليمين والشّمال، وهي تفِرُّ فِرارَ المُستضعفِ الجبان.

‏عدتُ لأنام، فنزلت عليّ كالسهام. صرختُ صرخةً قويّة، فطارت عنّي البطّانيّة. رجعتُ للنوم، فعادت بأعدادها كالنجوم.

‏قفزَ من السقف البعوض، كالفأر القاروض. تريد قضمَ يَدَيَّ، فصحتُ الصوتَ القوِيَّ. سقطتُ عن سريري كسقوطِ البعيرِ في وسط الغديرِ. فانتفضنَ من حولي، عند سماعِهِنَّ الرّجّ القوي.

‏أخذتُ فرشتي إلى الصالون، وأنا أتمنّى لهُنّ الطاعون. فوجدتُ هناك الناموس، وكأنه الكابوس. طلبتُ منهُنّ السلام، فلم ترُدَّ عليَّ بالكلام. سمعتُ منهُنّ الوزيز، وعاينتُ التقفيزَ والتقميز. انتظرتُ بزوغ الصباح، وأنا جالسٌ كالمصباح. وأقول: الصباح رباح، الصباح رباح. عسايَ أن أستقرَّ وأرتاح.

‏ذهبتُ إلى السوق، وأنا أبحثُ عن حلٍّ مرموق. سألتُ الكلّ، فلم يجدوا الحلّ. مشيتُ وأنا أفكّر  مليّا، لأجدَ حلاً لهذه البليّة. دخلتُ أحدَ الدكاكين، وفيه القماشُ والفساتين. وإذ بناموسيّة (فضّيّة) حملتها إلى البيت، وعلّقتها بالخيط، ونمتُ تحتها نومة هنيّة)).

‏التلميذ أوفى معذى الجباعي ـ الصف الخامس- ٢٠٠٣- ٢٠٠٤

‏

‏الدكتور نايف شقير

‏بقلم الاستاذ سميح متعب الجباعي

‏يوثّق هذا الكتاب مسار مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في مجال النشر؛ إذ انطلق المركز من إصدار مجلدات «ذاكرة الثورة»، ثم وسّع اهتمامه ليشمل تاريخ جبل العرب وجغرافيته وحضارته وأدبه، وصولًا إلى موضوعات ثقافية متنوعة شارك في تناولها مؤلفون من بيئات سورية مختلفة.

‏وقد تبلورت فكرة هذا الكتاب من خلال حوارات جمعت صاحب التصدير بالدكتور نايف شقير حول سبل إغناء الحياة الثقافية. ومن هنا، اقترح صاحب التصدير جمع محاضرات المؤلف وإعدادها للنشر، لتعميم الفائدة وإيصال مضامينها إلى جمهور أوسع داخل سورية وخارجها.

‏ويرى المهندس سميح متعب الجباعي أن الشعر هو الخيط الناظم الذي يجمع فصول الكتاب، على الرغم من تنوّع موضوعاته وتعدّد مقارباته؛ فهو تعبير عن العشق، وصيغة للكفاح الإنساني في سبيل تحقيق غايات اجتماعية أو فلسفية أو عقائدية.

‏ويمتد الكتاب إلى فصله الأخير، الذي يتناول فن المقامة، فيختتم المؤلف رحلته بنموذج من إبداعه، مستلهمًا ملامحه من البيئة المحلية، ومؤكدًا قدرة التراث على التجدد واستيعاب التجارب الإبداعية المعاصرة.

‏ويؤكد صاحب التصدير، في ختام تقديمه، انفتاح مركز سميح على مختلف أشكال الإبداع، وحرصه على احتضان كل مساهمة تثري الثقافة العربية وتدعم حركتها، إيمانًا منه بأن الثقافة الحية تنمو بالتفاعل، وتتجدد بالحوار، وتزدهر بتعدد الرؤى والتجارب.

‏ووضح المؤلف أن هذا الكتاب ثمرة لقاءات أدبية ومحاضرات وحوارات، تسعى إلى استنطاق التراث وقراءته برؤية تستحضر الماضي في ضوء أسئلة الحاضر. وينطلق من التساؤل عن دور الشعر في حفظ الذاكرة التاريخية وصون القيم والمعايير الجمالية، ثم يتناول محاور متعددة، منها العشق والكرم والصعلكة، متوسعًا في دراسة الصعاليك والخوارج والشطّار والعيّارين، بوصفهم جماعات هامشية ابتعدت عن مركز المجتمع، وتباينت دوافعها وأهدافها باختلاف ظروفها وسياقاتها التاريخية والاجتماعية.

‏ويكشف هذا العرض عن اختلاف الدلالات الاجتماعية والفكرية لهذه الظواهر؛ فالصعلكة ترتبط بالفقر والسعي إلى الكرامة، في حين يتخذ التمرّد لدى الخوارج طابعًا عقائديًا، ويتحوّل لدى الشطّار والعيّارين إلى أنماط من الحركة في أزقة المدن وأسواقها. ومن خلال استعراض هذه النماذج، يبرز الأدب بوصفه سجلًا يحفظ آثار التجارب الإنسانية بما تنطوي عليه من تناقضات وصراعات وتحولات.

‏ويحدّد المؤلف غايته في جمع خيوط ظواهر أدبية واجتماعية متشابكة، وإعادة قراءة مضامينها ودلالاتها، من دون الادعاء بتقديم اكتشافات نهائية أو تفسيرات مطلقة. فالتراث، في هذا السياق، ليس ماضيًا مغلقًا، بل فضاء مفتوحًا للتأويل وإعادة النظر، تتجدد دلالاته كلما أُعيدت قراءته في ضوء أسئلة الحاضر وتحولاته، وتتكشف أوجه الشبه بين ظواهره القديمة ونظائرها المعاصرة في أشكال جديدة.

 

‏الموضوع الأول أحقًا انتهى زمن الشعر

‏

يتناول النص واقع الشعر في العصر الحديث، مؤكدًا أنه لا يزال قادرًا على التعبير عن الإنسان وقضاياه رغم تراجع الاهتمام به. كما يوضح أهمية الحفاظ على التراث الشعري العربي، ويناقش تأثير التحولات الدينية والاجتماعية في الشعر، ويؤكد أن الإبداع يحتاج إلى الحرية والرعاية والتقدير، وأن تراجع بعض الشعراء أو المؤسسات لا يعني نهاية الشعر.

 

‏الموضوع الثاني نظرات في حب قيس بن الملوّح

‏

يتناول النص قصة مجنون ليلى من زاويتين: إنسانية وأدبية، وتاريخية تتعلق بمدى صحة أخبار قيس بن الملوح. ويحلل العلاقة بين الحب والجنون، وانسحاب قيس من المجتمع واستغراقه في حب ليلى، مع مناقشة اختلاف الروايات وتناقضها.

‏وتكمن أهمية القصة في تصوير الحب العذري والإخلاص، الذي تجاوز حدود الثقافة العربية إلى الثقافات العالمية، مع ضرورة التمييز بين الحقيقة التاريخية والخيال الأدبي.

‏

الموضوع الثالث الشعر وثيقة لتاريخ الأمة وقيمها الكرم نموذجًا

‏

يتحدث هذا الموضوع عن شعر الضيافة، الذي يصور كرم العرب وحسن استقبالهم للضيوف. فقد كانت الضيافة ضرورية في البيئة الصحراوية القاسية، حيث يجد المسافر في خيمة المضيف الطعام والمأوى والحماية. ومع مرور الوقت، أصبح إكرام الضيف من أهم صفات العرب، ودليلًا على الكرم والشرف.

‏ويصور حاتم الطائي وغيره من الشعراء مظاهر كرم العرب، مثل إشعال النار لإرشاد الضيوف، وتقديم الطعام لهم، وإكرامهم في البرد، وتوفير الراحة والحماية لهم. كما يبيّن الشعر أن الضيافة لا تقتصر على الطعام فقط، بل تشمل حسن الاستقبال والكلام الطيب واحترام الضيف.

‏ويظهر الشعر أيضًا المبالغة في وصف الكرم، حتى يصبح الشاعر مثالًا يُحتذى به في العطاء والجود. وهكذا لا يقتصر دور الشعر على وصف الكرم، بل يحافظ على قيم العرب وعاداتهم، ويشجع الناس على التحلي بالأخلاق الحميدة ومساعدة المحتاجين.

‏

‏الموضوع الرابع: الصعلكة في الشعر العربي

‏

‏يتحدث هذا الموضوع عن الصعلكة، وهي ظاهرة ظهرت بسبب الفقر والحرمان والظلم الاجتماعي. وقد اضطر بعض الشعراء إلى الابتعاد عن قبائلهم والخروج عن عادات المجتمع، واختاروا حياة الصعلكة. وكان منهم أشخاص رفضوا الظلم ودافعوا عن الفقراء والمحتاجين.

‏ومن أشهر شعراء الصعلكة عروة بن الورد، الذي كان مثالًا للكرم ومساعدة الفقراء. فقد كان يشارك الضعفاء في رزقهم، ويرفض البخل والأنانيّة. كما تميز الصعاليك بالشجاعة والسرعة والقدرة على تحمّل الجوع والعطش ومشاق الصحراء.

‏وتتميز أشعار الصعاليك بالخيال الواسع، وتصوير حياة الإنسان في مواجهة الطبيعة والمخاطر. كما تعبر عن رغبتهم في الحرية والعيش بعيدًا عن قيود المجتمع، لكنها تكشف أيضًا عن التناقض بين أهدافهم الإنسانية ووسائلهم في الحصول على المال.

‏وهكذا يعكس شعر الصعاليك مشكلات المجتمع العربي القديم، مثل الفقر والظلم والتفاوت بين الناس، ويبرز قيم الشجاعة والكرم والتضامن مع الضعفاء

‏

‏الموضوع الخامس: خواطر في الخوارج في الشعر والعقيدة

‏

‏يتحدّث هذا الموضوع عن الخوارج وشعرهم، ويبدأ الكاتب بذكر إعجابه بشجاعتهم وإخلاصهم وزهدهم، ثم يوضح أنه تعمق في دراسة تاريخهم وأفكارهم لفهم أسباب ظهورهم. كما يبين أهمية الشعر في التعبير عن أفكارهم ومواقفهم.

‏ويعرض الكاتب أهم الموضوعات التي تناولها شعر الخوارج، مثل الموت والاستشهاد والزهد، حيث يظهر في شعرهم الاستعداد للتضحية من أجل معتقداتهم. كما يوضح أن الجماعة تحوّلت إلى مثال أعلى في نظر أتباعها، وأن شعرهم اتسم بوحدة الموضوع وقلة تنوع الاهتمامات.

‏ويتناول الكاتب شعر عمران بن حطان، الذي يظهر فيه الصراع بين الدعوة إلى التضحية والتمسك بالحياة. كما يناقش دور المرأة في التحريض والمشاركة، ثم يشرح نشأة الخوارج وانقسامهم واختلاف مواقفهم، مع ظهور اتجاهات تدعو إلى السلم والاستقرار.

‏وفي النهاية، يربط الكاتب بين أفكار الخوارج القديمة وبعض مظاهر التطرف في العصر الحديث، موضحًا دور وسائل الإعلام والتقنيات في نشر الأفكار المتطرفة. ويؤكد ضرورة تجاوز مجرد الكلام عن التطرف إلى نقد أفكاره والبحث عن حلول فكرية واجتماعية له، إلى جانب مواجهة مخاطره الأمنية والعسكرية، وحماية الإنسان والمجتمع من آثار العنف.

 

‏حكايات الشطار والعيارين

 

‏يتناول هذا الفصل ظاهرة الشطار والعيارين، وهم جماعات عاشت خارج القانون، لكن الذاكرة الشعبية جعلت من بعض أفرادها أبطالًا يدافعون عن المظلومين ويناصرون الفقراء. كما يتتبع حضورهم في التاريخ، خاصة في بغداد، ودورهم في الصراعات السياسية، وعلاقتهم المتقلبة بالسلطة التي حاربتهم أحيانًا، واستعانت بهم أو تقاسمت معهم المصالح أحيانًا أخرى.

‏ويبرز الفصل الاختلاف بين نظرة المؤرخين الذين أدانوا هذه الجماعات، والنظرة الأدبية والشعبية التي أظهرت مهارات أفرادها وصفاتهم المميزة. ومع ذلك، يحذر من المبالغة في تصويرهم أبطالًا، لأن أنشطتهم لم تخلُ من الفوضى والابتزاز والانتهازية. كما يستعرض الروايات التي نقلتها المصادر عن حيل اللصوص ومغامراتهم وتبريراتهم الأخلاقية، ويتناول أخبار ابن حمدي، إلى جانب حكايات علي الزيبق ودليلة المحتالة وأحمد الدنف، التي تمتزج فيها الأحداث التاريخية بالخيال والفكاهة والمغامرة.

‏كذلك، يوضح الفصل الفرق بين الصعاليك الذين اتسمت تحركاتهم غالبًا بالطابع الفردي، والشطار الذين اعتمدوا على التنظيم والعمل الجماعي، كما يتناول علاقتهم بمفهوم الفتوة وجماعات «الأحداث» في بلاد الشام. وتكشف هذه الحكايات عن تطلعات الناس إلى تحقيق العدل والحرية واسترداد الحقوق، كما تعكس قدرة الخيال الشعبي على إعادة تشكيل الشخصيات والأحداث للتعبير عن تجارب المجتمع وآماله.

‏وفي الختام، تمثل حكايات الشطار والعيارين مصدرًا مهمًا لفهم أشكال الاحتجاج الاجتماعي والتفاوت بين فئات المجتمع، مع ضرورة التمييز بين الصورة البطولية التي رسمها لهم الخيال الشعبي والواقع التاريخي لممارساتهم.

‏

 الموضوع السابع فن المقامة الأدبية

‏

تُعدّ المقامة فنًّا أدبيًّا عربيًّا يستحقّ عناية كبيرة، فهي حكاية قصيرة تقوم على الاستعطاف والحيلة، وتجمع بين الطرافة والعقدة المحكمة. وتتنوّع أهدافها بين النقد الاجتماعي والوعظ والفكاهة ونشر المعرفة، كما تتميّز بلغتها المسجوعة وبديعها اللفظي.

‏وقد اشتهر بديع الزمان الهمذاني بابتكاره هذا الفنّ وتطويره، ثم جاء الحريري فأبدع فيه، وزاد من جماله بفضل عنايته باللغة والغريب والصنعة البلاغية. واستمرّ فنّ المقامة في التطوّر عند كتّاب لاحقين، وصولًا إلى أحمد فارس الشدياق الذي اهتمّ بالإصلاح. وتقوم المقامة عادةً على عناصر أساسية، منها المجلس والراوي والمكدي، الذي يكشف عن الحيلة، إضافة إلى اسم المقامة وشخصية المؤلف التي تظهر من خلال أبطالها.

‏وتُعدّ مقامة «الزيتونية» نموذجًا لتطبيق هذا الفنّ في البيئة السويدانية، إذ يلتقي الراوي سليم بامرأة تستدرجه إلى وليمة، ثم تحاول استغلاله قبل أن تختفي، فيكتشف أنّه وقع ضحية احتيال. وتؤكّد هذه الدراسة أنّ فنّ المقامة قادر على التجديد والتعبير عن الحياة المحلية بأسلوب ساخر ولغة بليغة، مع المحافظة على أصول هذا الفنّ الأدبي العريق.‏

‏ومن أراد المزيد الرجوع الى موسوعة ومكتبة سميح للتنمية والثقافة والفنون.

‏وتندرج هذه الندوة في إطار الاهتمام بالفعاليات الثقافية التي تسعى إلى تعزيز حضور الأدب والتراث في الحياة العامة، وتشجيع الحوار حول الموروث العربي وسبل تقديمه للأجيال الجديدة بأساليب تجمع بين أصالة المادة وتجدد الرؤية.

‏ويؤكد كتاب «كان هذا على المنابر: أحاديث في الأدب والتراث» أن العودة إلى التراث لا تعني الوقوف عند حدود الماضي، بل استكشاف ما يختزنه من خبرات إنسانية وقيم فكرية قابلة للحياة والتجدد. فالكلمة التي وجدت طريقها يومًا إلى المنابر، تستطيع أن تواصل حضورها عبر الكتاب، وأن تعبر الزمن لتلتقي بقارئ جديد، يكتشف فيها أسئلة عصره وأصداء ذاكرته الثقافية.

#مركز_سميح_للتنمية

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x