
ضغوط السيولة تُجبر مصر على تأجيل افتتاح أكبر 5 مشروعات للنقل الذكي
أرجأت وزارة النقل المصرية مواعيد التشغيل التجاري لخمسة من أضخم مشروعات النقل والمونوريل الخدمية للعاصمة الإدارية ونطاق القاهرة الكبرى.
وشهدت المخططات الزمنية تراجعاً يمتد من عام وثاني أشهر إلى 30 شهراً عن المواعيد المعلنة سابقاً، مما يعكس الضغوط التمويلية التي أبطأت وتيرة إنجاز هذه المشاريع القومية.
وكشفت تصريحات أدلى بها الوزير، اليوم الأحد، عن تأخر تنفيذ عدد من مشروعات النقل الجماعي، بعدما تجاوزت خمسة مشروعات رئيسية المواعيد التي أعلنها بنفسه في مناسبات سابقة، بفوارق زمنية وصلت في بعض الحالات إلى نحو عامين ونصف، ما دفعه إلى إعادة تحديد مواعيد التشغيل والافتتاح خلال جولاته التفقدية.
23 شهرا من التأخير في القطار السريع
وأعلن الوزير، خلال جولة تفقدية للخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع “السخنة ـ العلمين ـ مطروح”، أن التشغيل التجريبي من دون ركاب سيبدأ مطلع أكتوبر/ تشرين الأول المقبل في أحد قطاعات الخط، على أن يتبعه تشغيل بقية القطاعات تباعا، ثم بدء التشغيل بالركاب بعد استكمال الأسوار والجسور والتقاطعات.
ويعيد الموعد الجديد فتح ملف الجداول الزمنية التي سبق أن أعلنتها وزارة النقل للمشروع. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قال الوزير إن “التشغيل التجريبي للخط الأول سيبدأ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024″، قبل أن يتغير الموعد لاحقا إلى الربع الأول من 2025، ثم إلى الربع الأخير من العام نفسه، وبذلك يتأخر التشغيل التجريبي، وفقا للموعد الجديد، بنحو 23 شهرا عن الموعد الأول، ونحو عام عن آخر موعد أعلن في 2024.
ولا تقتصر إعادة جدولة المواعيد على القطار السريع، إذ تكشف مراجعة تصريحات الوزير السابقة والحالية تغير مواعيد تشغيل أو افتتاح خمسة مشروعات رئيسية، تشمل القطار الكهربائي السريع، و”مونوريل” شرق النيل (قطار كهربائي معلق يعمل من دون سائق)، و”مونوريل” غرب النيل، والقطار الكهربائي الخفيف “LRT”، والمرحلة الثانية من “الأتوبيس الترددي” المعروف بـ”BRT” على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
“المونوريل” يتصدر المشروعات المتأخرة
ووفقا لرصد أجراه “العربي الجديد”، استنادا إلى تصريحات وزير النقل المنشورة على الصفحتين الرسميتين لوزارة النقل ومجلس الوزراء، تأتي شبكة “المونوريل” في مقدمة المشروعات التي تأخرت عن مواعيدها المعلنة، ففي عام 2023، أعلن الوزير أن التشغيل التجريبي لـ”مونوريل” شرق النيل سيبدأ في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، وأن التشغيل الكامل بالركاب سيكون في إبريل/نيسان 2024، لكن التشغيل الفعلي لم يبدأ إلا في مارس/ آذار 2026، أي بعد نحو 23 شهرا من الموعد الذي حدده الوزير لتشغيله بالركاب.
أما “مونوريل” غرب النيل، فقد ربط الوزير تشغيله بالانتهاء من “مونوريل” شرق النيل، وقال في تصريحات سابقة إن “تشغيله سيأتي بعد الخط الشرقي بستة أشهر”، لكن المواعيد أعيد تحديدها أكثر من مرة، قبل أن يعلن اليوم استهداف بدء التشغيل التجريبي الكامل في مطلع 2027، مع إمكان تشغيل الخط على مراحل، تبدأ من مدينة السادس من أكتوبر إلى محطة “هايبر وان” في مدينة الشيخ زايد، على امتداد خمسة كيلومترات، ثم إلى الطريق الدائري ووادي النيل.
ولم يتحدث الوزير عن امتداد خط “المونوريل” إلى المناطق الصناعية في السادس من أكتوبر، رغم أن المشروع استهدف ربط العمال بمناطق سكنهم غرب العاصمة، على امتداد 56 كيلومترا، ووصلهم بشبكات النقل الحديثة داخل القاهرة وشرقها. وتشير تصريحاته إلى تأخر تنفيذ المشروع أكثر من عامين.
وامتدت إعادة الجدولة إلى القطار الكهربائي الخفيف، إذ أعلن الوزير في 2023 أن المرحلة الثالثة ستبدأ تجاربها بنهاية العام، وأن القطار سيصل بالركاب إلى مدينة العاشر من رمضان، شمال شرقي القاهرة، في مطلع 2024، لكن الموعد لم يتحقق، وظلت المرحلة الثالثة قيد التنفيذ، قبل أن تتحدث الوزارة لاحقا عن استكمال المحطات والامتدادات وصولا إلى العاشر من رمضان والعاصمة الإدارية، وتجاوزت الفجوة بين الموعد الذي أعلنه الوزير في 2023 والوضع الحالي عامين ونصفاً.
التمويل يعطل توسعات النقل الكهربائي
وقالت مصادر في لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب لـ”العربي الجديد” إن “تنفيذ المشروع يرتبط بصورة مباشرة بملف التمويل، إذ تطلب استكمال المرحلة الثالثة إبرام اتفاقيات تمويل خارجية، من بينها تمويلات صينية، بما يعكس أهمية القروض الميسرة وتوفير المكون المحلي في تحديد سرعة تنفيذ مشروعات النقل الكهربائي”.
وأضافت المصادر أن “الفجوة الزمنية تظهر بصورة أوضح في المرحلة الثانية من مشروع الأتوبيس الترددي على الطريق الدائري”، ففي مايو/أيار 2025، أعلن الوزير أن تشغيل المرحلة سيبدأ قبل 30 يوليو/تموز من العام نفسه، لكن الموعد لم يتحقق، ليعلن في تصريحاته اليوم أن التشغيل سيبدأ خلال سبتمبر/أيلول 2026، بفارق يتجاوز 13 شهرا بين الموعدين. وأشارت المصادر البرلمانية إلى أن “التأخير لم يعد مقصورا على المشروعات ذات الطبيعة الهندسية الثقيلة، مثل القطار السريع والمونوريل، وإنما طاول أيضا مشروعا يعتمد على تجهيز مسار ومحطات وتشغيل حافلات مخصصة”.
قيود الاستثمار العام تعيد ترتيب الأولويات
ولا تنسب وزارة النقل جميع حالات التأخير إلى سبب واحد، كما لا توجد بيانات رسمية تربط كل مشروع على حدة بسياسة التقشف، لكن إعادة جدولة المواعيد تتزامن مع تحول واسع في سياسة الحكومة تجاه الاستثمار العام، ولا سيما منذ دخول الاقتصاد المصري في برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي في مارس/آذار 2024.
واتجهت الحكومة إلى ضبط الإنفاق الاستثماري وإعادة ترتيب أولويات المشروعات القومية، مع منح الأولوية للمشروعات ذات العائد الاقتصادي الواضح، أو التي يمكن تنفيذها عبر تمويلات تنموية ميسرة، وألزم برنامج صندوق النقد الحكومة المصرية بوضع سقف للاستثمارات العامة وإبطاء تنفيذ بعض المشروعات، في إطار خفض الضغوط على المالية العامة والدين، ما جعل توفير التمويل وترتيب الأولويات عاملين أكثر تأثيرا في تحديد مواعيد تنفيذ المشروعات.
وتتمتع مشروعات النقل الحديثة بوضع مختلف نسبيا، إذ يؤكد وزير النقل أن القروض لا تستخدم في جميع المشروعات، وأن الطرق والكباري والموانئ الجافة تمول بآليات أخرى، بينما توجه القروض التنموية أساسا إلى الجرارات والقطارات الكهربائية السريعة وشبكات المترو، وتمثل نسبا محدودة من تكلفة المشروعات.
وقال الوزير إن “قروض قطاع النقل تتمتع بفترات سماح طويلة، وآجال سداد قد تصل إلى 40 عاما، على أن تسدد من عوائد التشغيل ومساهمات الدولة”، غير أن التمويل الميسر لا يلغي الحاجة إلى تدبير المكون المحلي، واستكمال الموافقات والاتفاقيات المتعلقة بالقروض، فضلا عن تأثير ارتفاع تكاليف الإنشاء وتقلبات أسعار الصرف في المشروعات التي تعتمد على معدات ومكونات مستوردة.
وتكشف تجربة القطار الكهربائي الخفيف أن تأمين التمويل يمثل جزءا أساسيا من الجدول الزمني للتنفيذ، بينما توضح تجربتا القطار السريع و”المونوريل” أن حجم الأعمال الهندسية والإنشائية، إلى جانب أعمال الإشارات والكهرباء والاختبارات والتقاطعات والأسوار، قد يؤخر الانتقال من مرحلة التنفيذ إلى التشغيل.
وتأتي تصريحات الوزير في وقت وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بضرورة الانتهاء من مشروعات النقل الجماعي وفق الأطر الزمنية المحددة، ما دفع وزارة النقل إلى الإعلان عن إعداد خطة زمنية شاملة لاستكمال المشروعات، غير أن مراجعة التصريحات السابقة تظهر أن المشكلة لا تقتصر على الإعلان عن مشروعات جديدة، وإنما تمتد إلى اتساع الفارق بين الموعد المعلن وموعد التشغيل الفعلي.
ووفقا لتصريحات سابقة لوزير النقل، استثمر القطاع نحو تريليوني جنيه خلال الفترة من 2014 إلى 2024، لتطوير وتحديث قطاعات النقل البري والنهري والسكك الحديدية وشبكات المترو، منها 530 مليار جنيه للطرق والكباري، و225 مليارا للسكك الحديدية، و1.1 تريليون جنيه للأنفاق والجر الكهربائي و”المونوريل”، و129 مليارا للموانئ البحرية، و15 مليارا للموانئ البرية والجافة، و4 مليارات جنيه للنقل البحري.
ويرى برلمانيون أن قطاع النقل من أكثر القطاعات حصولا على القروض الأجنبية، وأن جانبا من التمويل وجه إلى مشروعات لا تحقق عائدا مباشرا، في المقابل، يؤكد الوزير أن إجمالي القروض المخصصة لمشروعات النقل تراوح بين 18 و20 مليار دولار خلال الفترة نفسها، من إجمالي ديون خارجية للدولة بلغت نحو 160 مليار دولار حتى عام 2024.









