
لبنان: نحو مقاومة بالقانون مكمّلة للمقاومة بالسلاح*
ثمة إجماع بين الحقوقيين والمجتهدين على أن “اتفاق الإطار الثلاثي” بين الولايات المتحدة الأمريكية ولبنان وإسرائيل الموقَّع في 2026/6/25 ليس معاهدةً ولا قانوناً، ولم يُقرَّ أصلاً في مجلس النواب ليصحَّ الطعن به أمام المجلس الدستوري. كما لا توافقَ على أنه عمل إداري ليصحَّ الطعن به أمام مجلس شورى الدولة. يبقى أنه مجرد عمل سياسي لم تسبقه مناقشة حول موجباته وتداعياته ومشروعيته أمام مجلس الوزراء قبل قيام الوفد اللبناني المفاوِض بالموافقة عليه في واشنطن، الأمر الذي جعله تالياً موضوع خلاف ومنازعة بين الوزراء أنفسهم وسائر القوى السياسية في البلاد، لاسيما بعد اعتماده سياسةً رسمية من قِبَل رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس حكومته نواف سلام. ويواجه “اتفاق الإطار الثلاثي” أيضاً مساءلة ومعارضة واسعة لدى الشعب اللبناني عموماً ولدى جمهور القوى الوطنية النهضوية خصوصاً.
صحيح أن المفاوضات بين الأطراف الموقِّعة عليه تتعثّر، بدليل تعليقها في آخر اجتماعٍ لوفود المتفاوضين في روما خلال شهر آب/أغسطس الذاوي، ولم يُحدَّد لها موعد نهائي بعد، وإن قيل إنه سيكون خلال شهر أيلول/سبتمبر المقبل وربما إلى أبعد منه. غير أن المفاعيل السيئة بل الخطيرة لهذا الاتفاق المشؤوم بدأت بالظهور. ففي جلسة حوارٍ في بيروت نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة مع نائب رئيس الحكومة طارق متري، كشف الأخير تفاصيل مرتبطة بسياق إدراج البند 13 في متن “اتفاق الإطار الثلاثي”، ورفض بعض الوزراء لاحقاً البحث في انتهاكات العدو الصهيوني مع أطراف خارجية وداخلية ذات صلة به وتحججهم بأن الرئيسين عون وسلام تنازلا عن حق مقاضاة إسرائيل بشأن انتهاكاتها. كما نقل نائب رئيس الحكومة متري عن رئيس الوفد اللبناني المفاوِض السفير السابق سيمون كرم قولَه إن “الوفد الإسرائيلي هدَّد الوفد اللبناني بمقاضاة لبنان أمام المحاكم في الولايات المتحدة بدعوى أن السلطة اللبنانية تأوي منظمة “إرهابية” (حزب الله)، ما استدعى موافقة الوفد اللبناني على إدراج التنازل عن مقاضاة إسرائيل في نصّ البند 13 من الاتفاق”! ولم يُخفِ متري أيضاً أنه وجد نفسه وحيداً يجاهد لتوثيق جرائم الحرب التي يرتكبها العدو الصهيوني في لبنان بغية تحويل هذا التوثيق لاحقاً إلى مسار رسمي في مقاضاة العدو، متبرماً من تجاهل الآخرين أنه مكلف برئاسة اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني.
إذ تتكشف من جهة، مهازل كما مخاطر التنازل غير الشرعي عن مقاضاة إسرائيل المنهمكة يومياً في جنوب لبنان بقتل الأطفال والنساء والمسنّين، وسرقة المنازل ثم تدميرها، وتجريف البنى التحتية والطرقات، واقتلاع أشجار الزيتون المعمّرة ونقلها إلى المستوطنات الإسرائيلية لإغناء مزارعها، وحرق الغابات، وعزل القرى المتجاورة عن بعضها بعضاً، تتكشف من جهة أخرى، حقيقة عدم وجود مقاومة مدنية منظمة ومتكاملة في جهودها مع المقاومة الميدانية النشطة التي تبدع في تصميمها على مواجهة العدو ومنعِه من السيطرة على التلال والأراضي والمواقع اللبنانية إلى الشمال من نهر الليطاني.
صحيح أن القوى والشخصيات الوطنية في البلاد نجحت في عقد اجتماعٍ حاشدٍ في مقر نقابة الصحافة ببيروت في 29 نيسان/أبريل الماضي لتنظيم مقاومة مدنية فاعلة ضد العدو. غير أن اللقاء الوطني العام المنبثق من الاجتماع المذكور والتدابير والتحركات التي قام بها لاحقاً لترجمة مقرراته إلى أفعال في بعض مناطق البلاد بقيت محدودة الفعالية. لعل مردَّ ذلك إلى عدم التركيز الكافي على بناء مقاومة مدنية فاعلة تتكامل مع المقاومة الميدانية الناشطة في جنوب لبنان.
للإسهام في سدّ هذا النقص، أنشر اليوم على الملأ أعمالاً وأنشطة كنتُ اقترحتُها في مذكرةٍ أودعتها لجنة المتابعة المنبثقة من اللقاء الوطني العام:
أولاً: تنظيم اعتصامات دورية احتجاجية حول مراكز سفارات الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان وسائر بلاد العرب لكونها الحليف والشريك الدائم لإسرائيل في حروبها التوسعية المتواصلة على الدول العربية في جوارها الجغرافي.
ثانياً: رصد الشركات الأمريكية المنتجة للسلع من شتى الأنواع والأصناف وكشفها للرأي العام وتكثيف الدعوة إلى مقاطعتها.
ثالثاً: متابعة ومراقبة أنشطة إدارات مقاطعة إسرائيل في لبنان والبلاد العربية ومدى جدّية إلتزامها برصد ومنع الأفراد والجماعات والشركات المتعاملة مع العدو الصهيوني كما الشركات المستوردة والمروّجة لمنتجاته من شتى الأنواع والأصناف.
رابعاً: تنظيم حملات توضيح وتوعية بوسائل التواصل الاجتماعي للمسؤولين والمواطنين ذوي المراكز والأنشطة المؤثرة في المجتمع والأسواق لإعلامهم بما يتوافر من معطيات ومعلومات خطيرة عن مدى اتساع أدوار وأضرار الاستثمارات الاقتصادية الأمريكية والإسرائيلية (المستترة) ومنتجاتها في البلاد العربية وانعكاساتها السلبية على ما يماثلها من منتجات وطنية محلية.
خامساً: تنظيم المحاضرات وبرامج التوعية السياسية والثقافية وتوزيع الكتب والمنشورات المتعلقة بمخاطر تغلغل إسرائيل اقتصادياً وإعلامياً في البلاد العربية.
سادساً: رصد وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية متعاملة مع إسرائيل أو مروّجة لأخبارها المضلّلة وأغراضها السياسية وكشفها ومقاطعتها.
سابعاً: دعوة الحكومة للانضمام إلى نظام روما المؤسِّس للمحكمة الجنائية الدولية، والمبادرة بلا إبطاء إلى تقديم شكاوى من مواطنين متضررين من جرائم واعتداءات العدو الصهيوني إلى المدعي العام لدى المحكمة المذكورة للتحقيق فيها واتخاذ القرار المناسب بشأنها.
ثامناً: تنظيم مؤتمر سنوي لتقييم الأنشطة التي جرت وتجري في مجالات مقاطعة إسرائيل والتطبيع معها بغية تطويرها وزيادة فعاليتها.
إلى ذلك، أرى أن يُصار أيضاً إلى تنظيم حملة اتصالات كثيفة بالوزراء والنواب وإيداعهم مذكرات تتضمن معلومات وإحصائيات عن اعتداءات إسرائيل المتواصلة على السكان، لاسيما على المدنيين من أطفال ونساء ومسنين، وتنظيم حملة اعتصامات حول منازل ومكاتب الرؤساء والوزراء والنواب المقصرين في واجب التصدي الوطني بكافة الوسائل المشروعة للعدو الصهيوني الناشط وما يرتكبه داخل لبنان كما في سائر الدول العربية بغية إيجاد فضاء سياسي وإعلامي محلي وإقليمي فسيح للنشاطات والفعاليات المتكاملة مع سائر جهود المواجهة العربية ضد إسرائيل وحلفائها.
كل ذلك يقتضي ممارسته بلا إبطاء لتكون أفعالنا أقوى وأجدى من أقوالنا.
*نشرت في جريدة “القدس العربي”(لندن) بتاريخ 2026/8/31










