
الجيواقتصاد Geoeconomics كيف غيّر أدوات القوة في العالم؟
في رؤية «المسار المعرفي الرابع»[1]، التي تقوم على منهج علمي للتعامل مع القضايا المعقدة وحالات عدم التأكد، لا نكتفي بتعريف المفاهيم والأفكار والنظريات؛ بل نحاول تحليلها لنفهم كيف تعمل في الواقع، وكيف تتحول الأفكار والنظريات إلى قوى مؤثرة في حياتنا ومستقبلنا، كأفراد ودول. نتوقف في هذا المقال عند مفهوم «الجيواقتصاد»[2] الذي يكشف كيف أصبح الاقتصاد نفسه قوة صلبة، يأتي في المرتبة الثانية بعد القوة العسكرية وقبل القوة الناعمة والذكية، ليشكل عامل ضغط ونفوذ في عالم مضطرب وشديد التعقيد. يأتي هذا البحث كامتداد لمقالات سابقة تناولنا فيها مفاهيم عويصة وحساسة، مثل: التضليل الإعلامي، والاستعمار المعرفي، وكيف تحول الاستعمار التقليدي من احتلال الأرض إلى احتلال المعنى. اليوم نحلل كيف غيّر مفهوم الجيواقتصاد خيارات استخدام أدوات القوة على الأرض.
تكمن حداثة وأهمية مفهوم الجيواقتصاد كونه يساهم في تفسير سلوك الدول الكبرى؛ والإقليمية في بيئة دولية متغيرة ومضطربة، وقد يتيح الفرصة أمام صناع القرار السياسي فهماً أعمق لآليات حماية المصالح الوطنية بطرق أكثر فاعلية وأقل تكلفة.
من السلاح إلى الاقتصاد
في العلاقات الدولية، مفهوم القوة يجسد أحد المحددات الرئيسية لفهم سلوك (الأفراد) والدول، من خلال معرفة نوعها، وشدتها، والقدرة على استخدامها في مواجهة الأخرين، وبخاصة الخصوم والأعداء. كما تعد دراستها أساسا محوريا لمعرفة مدى إمكانيات الدول وقدرتها على أن تكون مؤثرة في السياسة الدولية للحصول على النتائج التي تتوخاها.
مع التطور المعرفي والتكنولوجية، بدأ مفهوم القوة العسكرية في التراجع، أمام ظهور أنواع جديدة صاعدة من القوى الناعمة والذكية. هذا يعني أن هناك عناصر قوة أخرى، لعل من أبرزها القوة الاقتصادية والموقع الجغرافي الاستراتيجي التي تساعد على فهم قوة النفوذ والتأثير في الأخرين.
في عالم الأمس كانت القوة تُقاس أساساً بالجيوش والأسلحة وفنون القتال، ثم أصبحت تُقاس أيضاً بالموقع الجغرافي والجيوسياسي، أما في عالم اليوم فتزداد أهمية سؤال آخر: من يملك الموارد والشبكات والممرات والمعرفة والتكنولوجيا والمال، وعلى الجانب الآخر من يستطيع (أو لا يستطيع) الاستغناء عن هذه القدرات؟ هنا يبدأ عصر الجيواقتصاد.
يشير مفهوم الجيواقتصاد Geoeconomics إلى عمليات توظيف العلاقات والأدوات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية وجيوسياسية. فالتجارة، والتمويل، والاستثمار، والضغوط الاقتصادية والحصار، والعقوبات، والتكنولوجيا، والموارد الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد، لم تعد مجرد أدوات تجارية اقتصادية؛ بل أصبحت مصادر للقوة والتأثير والضغط السياسي على الآخرين. الجيواقتصاد يختلف عن الجغرافية الاقتصادية Economic Geography، الجغرافية الاقتصادية هي المجال الذي يدرس التوزيع المكاني للأنشطة والموارد والعلاقات الاقتصادية، وكيف يؤثر المكان والجغرافيا في الإنتاج والتجارة والاستثمار والأسواق والتنمية.
“الجغرافية الاقتصادية” تسأل: أين توجد القوة الاقتصادية؟ أما الجيواقتصاد فيسأل: كيف نستخدم هذه القوة؟
من أين جاء الفكر الجيواقتصادي؟
للمفهوم جذور تاريخية قديمة؛ فقد استخدمت القوى الاقتصادية نفوذها السياسي عبر التاريخ، من المصارف في عصر النهضة إلى الهيمنة التجارية البريطانية. لكن الدراسة الأكاديمية الحديثة للجيواقتصاد ارتبطت بصورة خاصة بالاقتصادي ألبرت هيرشمان الذي أوضح عام 1945 أن التجارة، حتى عندما تحقق منفعة متبادلة، لا تعني بالضرورة علاقة متكافئة؛ إذ إن عدم تماثل الاعتماد هو أحد مصادر القوة، فالمشكلة ليست في وجود الاعتماد الاقتصادي المتبادل بحد ذاته، وإنما في عدم تماثله، وفي قدرة أحد الطرفين على تحويله إلى نفوذ على الطرف الآخر، هنا يتحول الاقتصاد إلى سلاح تأثير سياسي قويIMF.
ظل هذا البعد الاقتصادي طويلاً أقرب إلى اهتمام علماء السياسة والتاريخ منه إلى عناية الاقتصاديين والسياسيين، قبل أن يعود بقوة في تسعينيات القرن الماضي مع انتهاء الحرب الباردة، ليشير إلى تراجع أهمية القوة العسكرية لصالح القوة الاقتصادية. وفي الوقت الحالي، يعود للواجهة مع التنافس الدولي الكبير واستخدام الدول الكبرى للقيود التقنية والمالية كأدوات صراع مباشر في السنوات الأخيرة مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وظهور الحصار الاقتصادي، والعقوبات والرسوم الجمركية، والقيود على تصدير التكنولوجيا كسلاح في العلاقات الدولية. ويؤكد مقال صندوق النقد الدولي IMF الحديث أن أدوات التحليل الاقتصادي الحديثة، مثل تحليل الشبكات ونظريات التجارة والألعاب، أصبحت قادرة على قياس تأثير آليات الجيواقتصاد وفهم آلياتها.
ما الفكرة الأساسية؟
تقوم الفكرة الأساسية على أن القوة الجيواقتصادية لا تأتي بالضرورة من امتلاك أكبر اقتصاد، وإنما من القدرة على التحكم في علاقات أو موارد يصعب على الآخرين الاستغناء عنها. تناول هذه الفكرة خبراء صندوق النقد الدولي في البحث والدراسة، ونُشرت النتائج في عدد يونيو 2026 من مجلة Finance & Development بعنوان: فهم “الجيواقتصاد في عالم متقلب” Understanding Geoeconomics in a Volatile World، بقلم Christopher Clayton وMatteo Maggiori وJesse Schreger.
شرح البحث جوهر فكرة القوة الجيواقتصادية مبيناً أنها لا تأتي بالضرورة من امتلاك أكبر اقتصاد، وإنما من القدرة على التحكم في علاقات أو موارد يصعب على الآخرين الاستغناء عنها، مثل إيقاف تصدير النفط للدول الغربية، في حرب عام 1973.
قد تكون نقطة الاختناق مورداً أو تقنية أو شبكة مالية، وقد تكون في بعض الحالات موقعاً جغرافياً أو ممراً استراتيجياً.»
فإذا كانت دولة ما تسيطر على سلعة أو تقنية أو تمويل أو شبكة إمداد حيوية، أو موقعاً جغرافياً، ممراً مائياً استراتيجياُ، مثل قناة السويس أو بنما، ولا يجد الطرف الآخر أو الآخرون بديلاً سهلاً لها، فإن هذه العلاقة الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى رافعة سياسية. وكلما تعددت نقاط الاعتماد الآخر على الأول، ازدادت القدرة على التأثير. ومع ذلك، يفتقر مفهوم الجيواقتصادي إلى تعريف متفق عليه عالميًا، ويختلف استخدامه عبر السياقات الأكاديمية والسياسية والصحفية.
أين تكمن نقطة القوة الجيواقتصادية؟
أهم فكرة نظرية في المقال هي ما يسميه الباحثون نقاط الاختناق Choke Points أو الاعتماديات الحرجة Critical Dependencies، حيث لا يكفي أن تكون الدولة كبيرة وقوية اقتصادياً؛ لكي تمتلك قوة جيواقتصادية، بل يجب أن تسيطر على ما يحتاج إليه الطرف الآخر بشدة، ويصعب عليه إيجاد بدائل لها. ومن هنا تصبح السيطرة الاقتصادية رافعة سياسية.
ولهذا أصبحت السيطرة على البنية المالية الدولية (الدولار)، وعلى التكنولوجيا المتقدمة (الذكاء الاصطناعي)، وعلى الموارد النادرة، وعلى بعض سلاسل التوريد (الممرات الدولية)، عناصر من الأمن القومي والقوة الجيواقتصادية، وليست مجرد مسائل تجارية؛ بل تتحول من أدوات اقتصادية إلى أدوات سياسية استراتيجية.
“العقوبات” لا تنجح بالقوة وحدها!
هذه نقطة شديدة الحساسية والأهمية والحرجة، لكي تنجح العقوبات أو التهديدات الاقتصادية، لا يكفي أن تكون الدولة المهدِّدة قوية؛ يجب أن يكون الطرف الآخر معتمداً عليها ولا يملك بدائل كافية.
ولهذا يُذكر المقال بتجربة روسيا بعد 2014، حين بدأت بتطوير بدائل للنظام المالي الغربي وربط نفسها بصورة أكبر بمجموعة الدول الناشئة، مثل منظمة بركس BRICS والأنظمة الصينية والأسيوية أسيان ASEAN. وبذلك أصبحت العقوبات المالية الغربية بعد 2022 أقل تأثيراً مما كان يمكن أن تكون عليه لو بقيت روسيا أكثر اعتماداً على البنية المالية الغربية.
هنا تظهر قاعدة استراتيجية مهمة: أفضل دفاع جيواقتصادي ليس الانفصال عن العالم، وإنما بناء بدائل عند نقاط الاختناق.
الحل الناجع: التنويع الاستراتيجي المستهدف
هذه هي أهم توصية عملية يستنتجها البحث. لا ينبغي على الدول، كبيرة أو صغيرة، مصدرة أو مستوردة، أن تحاول إنتاج كل شيء محلياً أو الانفصال عن الاقتصاد العالمي؛ فهذا مكلف وغير واقعي؛ الأفضل اتباع هذه المعادلة:
تحديد نقاط الاختناق الاستراتيجية وتحديد مصادر الاعتماد الخطرة، ومن ثم بناء بدائل محددة لها، والإبقاء على بقية مكاسب الانفتاح والتجارة العالمية. الهدف ليس فك الارتباط الكامل، بل العمل على استراتيجية التنوع المستهدف وليس الانفصال التام.
الجيواقتصاد في الواقع: إيران والسويداء نموذجاً
تتضح قوة تأثير مفهوم الجيواقتصاد أكثر عندما ننتقل من النظرية إلى الواقع. وتقدم لنا حالتا إيران والسويداء مثالين متباينين:
تعطي المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران مثالاً حياً على تأثير قوة الجيواقتصاد؛ إذ تستخدم الولايات المتحدة العقوبات والشبكات المالية والضغط على النفط والشحن والتجارة لتقليص قدرة إيران من الوصول إلى الاقتصاد العالمي؛ بينما تحاول طهران تعويض ذلك عبر تنويع قنوات تجارتها وتمويلها وشركائها. وفي المقابل، يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق جيو-اقتصادية مهمة، إذ إن تعطّل الملاحة فيه يؤثر في أسواق الطاقة العالمية. وهكذا تتحول الاعتماديات الاقتصادية إلى أدوات ضغط متبادلة، فيما يدفع الضغط المستمر على كل طرف إلى البحث عن بدائل تقلل من فعالية الطرف الآخر. (OFAC)
تمثل السويداء حالة مختلفة تماماً؛ فبينما تقوم القوة الجيواقتصادية على امتلاك أوراق اقتصادية يمكن تحويلها إلى قوة تفاوضية، تعاني المحافظة من اعتماد اقتصادي غير متكافئ، مع استمرار حاجتها إلى شبكات الدولة والأسواق والخدمات الوطنية، في وقت تواجه فيه أزمة معيشية وخدمية واقتصادية حادة. ومن ثم، فإن أي مشروع سياسي يسعى إلى توسيع استقلال المحافظة أو صلاحياتها الذاتية، من منظور جيواقتصادي بحت، لا يكتسب قوة تفاوضية بمجرد طرحه سياسياً؛ إذ يحتاج إلى قاعدة إنتاجية وموارد وشبكات وبدائل تمكنه من تحمل أعبائه الاقتصادية (Enab Baladi).
المفارقة الجيواقتصادية
يقدم الباحثون، في صندوق النقد الدولي، مثالاً توضيحياً يبينون فيه أنه ليست كل زيادة في السيطرة الاقتصادية متساوية في أثرها السياسي. فإذا كانت دولة ما تسيطر على 85% من مورد أو خدمة استراتيجية، يبقى للطرف الآخر هامش بديل يبلغ 15% يمكن أن يوفر له مساحة للمقاومة أو المناورة. أما عندما ترتفع السيطرة إلى 95%، فإن البدائل تصبح شبه معدومة، تقفز القدرة على الضغط والتأثير السياسي بصورة تفوق بكثير مجرد زيادة الحصة السوقية بـ 10 نقاط مئوية. لذلك، فإن القوة الجيواقتصادية لا تتحرك بصورة خطية مع حجم السيطرة الاقتصادية، بل تتصاعد بسرعة كلما اقتربت السيطرة من حالة الاحتكار أو الهيمنة.
تؤكد تجارب دول خضعت لعقوبات طويلة، مثل كوبا وكوريا الشمالية وسورية وغيرها، أن القوة الجيواقتصادية لا تعمل بطريقة ميكانيكية خطية؛ فامتلاك طرف ما قدرة كبيرة على قطع العلاقات الاقتصادية أو السياسية أو فرض العقوبات لا يعني بالضرورة تحقيق أهدافه السياسية. فعندما يقترب الاعتماد من 95% تصبح أدوات الضغط أكثر قوة، لكن نجاحها، في تغيير أو تعديل النظام السياسي لبلد ما، يتوقف على قدرة الدولة المستهدفة على بناء بدائل، وامتلاك شبكات دعم خارجية، وقدرتها السياسية على تحمل كلفة العزلة.
الدرس الجيواقتصادي: القوة في البدائل لا في العزلة
القوة الجيواقتصادية في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في امتلاك الموارد وحدها، بل في امتلاك البدائل، وإنتاج القيمة، وبناء الشبكات، والاستراتيجية والمناورة في إدارة الاعتماد المتبادل بحيث يتحول من نقطة ضعف إلى مصدر قوة. عندها يصبح تأثير الضغط الاقتصادي الخارجي أقل مما يتوقع الطرف الضاغط. لذلك، لا تتمثل الاستراتيجية الناجعة في الانفصال الكامل عن الاقتصاد العالمي، بل في التنويع الاستراتيجي المستهدف لنقاط الضعف ومصادر الاعتماد الحرجة، مع الحفاظ على مكاسب الانفتاح والتبادل. وفي المقابل، فإن الإفراط في استخدام القوة الاقتصادية قد يدفع الأطراف المستهدفة إلى بناء بدائل طويلة الأمد، بما يضعف نفوذ القوة الضاغطة نفسها ويسهم في تفكك الشبكات الاقتصادية العالمية. فالخلاصة أن القوة الجيواقتصادية في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في امتلاك الموارد وحدها، بل في موقعك داخل شبكة الاعتماد المتبادل، وامتلاك البدائل والقدرة على المناورة وإدارة نقاط الاختناق.
[1]“. مفهوم “الجيواقتصاد” يعد من أبرز مفاتيح فهم تحولات القوة والنفوذ في العالم اليوم.
[2] انظر مجلة “صياد المعرفة” الإلكترونية، عدد آب 2026: “المسار المعرفي الرابع: منهج للتعامل مع القضايا المعقدة وعدم التأكد











