عبد الحسين شعبان: وطني هو الحريّة ولغتي العربية الجميلة

حوار بثينة عوض

رئيسة تحرير موقع “شغف” – بيروت

 

في بيت الشاعرة والصديقة نوال حوار، كان لقائي الأول بعبد الحسين شعبان، لم يحتج إلى وقت طويل ليترك انطباعه، رجل هادئ، أنيق، يتحدث بثقة من دون استعراض، ويجعلك تنصت إليه منذ الجملة الأولى، كان واضحاً أنني لا أجلس أمام كاتب يكتفي بسرد أفكاره، بل أمام تجربة فكرية وإنسانية امتدت لعقود. يصعب اختزال عبد الحسين شعبان في تعريف واحد، فهو مفكر سياسي، وقانوني، وباحث في حقوق الإنسان، وكاتب أغنى المكتبة العربية بعشرات الكتب والدراسات، وواحد من الأسماء التي حضرت في أهم النقاشات الفكرية والسياسية العربية خلال العقود الأخيرة، لم يتوقف عند حدود السياسة، ولم ينشغل بالقانون وحده، بل حاول أن يبني مساحة تلتقي فيها العدالة الاجتماعية مع الحرية، والفكر مع حقوق الإنسان.

 ولد في النجف، المدينة التي لم تكن يوماً مجرد مركز ديني، بل كانت أيضاً فضاءً للأدب والفكر والجدل السياسي، وفي تلك البيئة بدأت تتشكل أسئلته الأولى، قبل أن تقوده التجربة العراقية بكل ما حملته من تحولات وصراعات إلى الانخراط في العمل السياسي والفكري، ثم إلى مراجعة كثير من الأفكار التي آمن بها في بداياته. ارتبط في شبابه باليسار العراقي، لكنه لم يبق أسير الأيديولوجيا، ومع السنوات اتجه إلى قراءة أكثر نقدية، واضعاً الإنسان وحقوقه في مقدمة اهتماماته، وربما كان هذا التحول من أهم ما يميز مشروعه الفكري، إلى جانب تكوينه الأكاديمي في الاقتصاد والعلوم السياسية والقانون، ثم تخصصه في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو ما منح كتاباته بعدًا يجمع بين التحليل السياسي والرؤية القانونية. في هذا الحوار، كان الحديث أوسع من السيرة الشخصية، وأبعد من استعادة محطات الماضي، كان حواراً عن الأفكار، وعن العراق، وعن العالم العربي، وعن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعن تجربة ما تزال مفتوحة على الأسئلة.

 

  • لا قيمة لتجربة دون نقد وتقييم ومراجعة
  • التاريخ لا يمنح أحدًا صكًا أبديًّا على بياض بامتلاك الحقيقة
  • انتهت أسطورة الأستاذ الجامعي
  • لا تتحقّق إنسانية الإنسان دون حريّة
  • الفكر إذا لم يراجع نفسه يتحوّل إلى تابو
  • الوسيلة من شرف الغاية، ولا غايات شريفة بوسائل خسيسة
  • أوهام أربعة عاشت معنا بخصوص الهويّة
  • ‏الطائفية ليست قدرًا ثابتًا في المجتمعات
  • رأيت الوطن من الداخل، لكن صورته كانت أوضح بالنسبة لي من الخارج
  • بيروت تبقى مثل الغزالة الخضراء تتسابق مع الزمن ولا أحد يستطيع اصطيادها
  • الكتاب الأقرب إلى قلبي هو الكتاب الذي لم أكتبه بعد
  • رذيلتان لا تُنتجان فضيلة
  • رأيتُ أن بعض من حملوا رايات الحريّة هم أكثر من غيرهم أحيانًا ممارسةً للتسلّط
  • عرفتُ أن أكثر من تحدّث عن الفساد كان الأكثر فسادًا من غيره
  • من ادّعى الشجاعة، وهي فضيلة من فضائل القلب، كان الأكثر جبنًا
  • تعلّمتُ أن الكراهية لا تبني وطنًا وأن التسامح ليس ضعفًا

 

تحدّث شعبان ﻟ “شغف” فكان هذا الحوار:

س1 – عشتَ تحوّلات كبرى من الحلم الثوري إلى انهيارات الدول وصعود الطائفية. حين تنظر إلى مسيرتك الفكرية اليوم، ما الذي تغيّر جذريًا في عبد الحسين شعبان، وما الذي بقي عصيًّا على التغيير؟

‏ج1 – ما تغيّر فيّ هو الكثير من القناعات والآراء، أما الذي لم يتغيّر فهو انحيازي للإنسان، فهذا ازداد عمقًا وشمولًا. كنت أعتقد في المرحلة اليقينية الإيمانية التبشيرية أن التاريخ يسير في خط مستقيم ومتصاعد، وأن الثورات تستطيع أن تحل التناقضات الكبرى والصغرى بصورة سلسة، لكنني مع مرور الأيام وبالتدرّج والتراكم أصبح ميلي إلى إثارة الأسئلة وإبداء الشكوك على أمل الوصول إلى اليقين، وارتفعت موجة النقد والعقلانية لديّ؛

أعتقد أن قيمة أي تجربة هو بنقدها، ولا قيمة لتجربة دون نقد وتقييم ومراجعة، وحين أستعيد تجاربي الشخصية لا أتوقّف عند النجاحات التي حقّقتها، بل أبحث عن الإخفاقات والأخطاء والنواقص لأجري إعادة قراءة ومراجعة لها، فالتاريخ مضى ولا يمكن إعادته، بل يمكن استعادته، ليس للتمحيص والتدقيق فحسب، بل لاستلهام الدروس والعبر منه.

 والفكر حين لا يجري مراجعة انتقادية على نفسه، سيكون جامدًا ومتحجّرًا، وإذا كان مريدوا هذا الفكر يتشبّثون بمواقفهم وآرائهم، دون التعلّم من التجارب، فإنهم سينتهون إلى عقيدة تصبح مثل سجن لأصحابها. الفكر يحتاج إلى الحوار والتفاعل مع الواقع بالحذف والشطب والإضافة والتصحيح والتغيير والتجديد، كي لا يبقى في حالة سبات أشبه بالممات.

لقد أزحت عن صدري يقينيات عديدة ظلّت لسنوات قابعة فيه، لكن يقينًا واحدًا كان يكبر عندي، هو الإنسان، الذي هو معنى الوجود والكون والقيم، فهو وحده الذي يعلوا على كل شيء، وهو الغاية التي ترتفع فوق جميع الغايات، وكثيرون ممن ارتدوا لبوس العقائد وتشبثوا بها، إلّا أنهم تحولوا إلى عتاة وقساة وطغاة، لا يهمّهم سوى إثبات صحة عقائدهم ولو على حساب الإنسان، فهو البداية وهو النهاية، وما عداه وسائل ينبغي أن تخدمه لا أن تستعبده.

ومهما كانت الادعاءات والمزاعم فإن التاريخ لا يمنح أحدًا صكًا أبديًّا على بياض بامتلاك الحقيقة. إنه يختبر الأفكار، فإن كانت صحيحة حازت على رضا الناس، ولاسيّما بتقديم منجز لهم، وإن كانت خاطئة أداروا لها ظهورهم، في الأولى تكسب “الشرعية السياسية“، وإذا ما تلاءمت مع حكم القانون وبموازاته فذلك هدف أي جماعة أو فئة، وهو ما نُطلق عليه “المشروعية القانونية“.

لقد غيّرتُ أسلوب تفكيري، وأغيّره باستمرار على طريقة غونترغراس الكاتب والروائي الألماني الحائز على جائزة نوبل، وذلك من عنوان مذكراته “قشرة البصل“، فلكل مرحلة من المراحل لها قشرتها، وما أن تنقضي مرحلة حتى تأتي أخرى.

وبالنسبة لي فقد مررت بأربع مراحل؛ الأولى – كما أسمّيها الإيمانية اليقينية التبشيرية؛ والثانية – المرحلة التساؤلية العقلانية؛ والثالثة – المرحلة الحقوقية المدنية؛ والرابعة – مرحلة النقد بما فيها نقد المسلّمات وإعادة قراءة المتون النظرية ونقدها في مراجعة شاملة للتجربة.

 حين يكون المرء منخرطًا في اليقينية العقائدية الدعائية لا يمكن مجادلته لأنه مؤمن، والإيمان بلا عقل خطر، لأن صاحبه يمكن أن يرتكب شتّى الحماقات، بما فيها الجرائم بزعم أن عقيدته تُملي عليه ذلك، خصوصًا وهو يزعم امتلاك الحقيقة ‏والأفضلية على الآخرين، وسواء كان هذا الإيمان دينيًا أم سياسيًا أم قوميًا أم فكريًا، فإنه يقوم على التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف حين يستحوذ مثل هذا الاعتقاد على صاحبه، بل إنه يبرّره أو يجده ضروريًا أحيانًا استجابةً لمتطلّبات عقيدته، ولكن حين تزيح قشرة البصل هذه تبدأ مرحلة جديدة في النظر إلى الأشياء بصورة أكثر واقعية، بحكم استخدام العقل، ويرتفع لديك منسوب الأسئلة عن نفسك وبصوت عالٍ في مسار تاريخي تزداد فيه العقلانية تأثيرًا، وهو ما توقفت عنده طويلًا في كتابي “دين العقل وفقه الواقع“، وهو مناظرات مع الفقيه السيد أحمد الحسني البغدادي، وكما يقول أبو العلاء المعرّي:

أيها الغرّ إن خصصت بعقل / فاتبعه فكل عقل نبي

 

علّمتني التجربة أن “النظرية رمادية، أما شجرة الحياة فخضراء دائمًا” حسب الشاعر والمفكر الألماني غوته في مسرحيته “فاوست“، وأن التاريخ ماكر ومراوغ حسب هيغل، وهو أكثر تعقيدًا مما نتصوّر، ‏وعلينا تغيير أسلوب تفكيرنا عند كل منعطف تاريخي، وحسب إنجلز فإنه مجرد حصول اكتشافات جديدة في العلوم العسكرية فإن ذلك يتطلب تغيير استراتيجياتنا، فما بالك ونحن في ظل الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصاديات المعرفة وتكنولوجيا الإعلام والذكاء الاصطناعي.

وإذا كنت قد غادرت مرحلة اليقينيات المغلقة والنسقيات المبرمجة، إلّا أنني لم أغادر أحلامي، على الرغم من أن هناك ‏من كان يعبث بها على قارعة الطريق، ‏لكن بوصلتي ظلّت متجهة نحو الإنسان، وبثقة أقول لك لا تتحقّق إنسانية الإنسان دون حريّة، وهذه شرط أساس بعد الحق في الحياة لتحقيق الكرامة الإنسانية، وأظنّ أن هذا هو الميزان الحقيقي بعيدًا عن صخب الشعارات الرنّانة.

 

 

س2 – بدأت من اليسار، لكنك لم تبقَ أسيرًا للأيديولوجيا. هل كانت مراجعاتك الفكرية نتيجة نضج طبيعي أم نتيجة صدمات قاسية مع الواقع؟

‏ج2 – الأمران معًا، فالنضج والتجربة والتعلّم من الأخطاء والواقعية والعقلانية، كانت وراء المراجعة الضرورية، إضافة إلى الإخفاقات والصدمات القاسية. لقد كان الواقع في مكان وكنّا في مكان آخر، والنضج لا يولد من الكتب وحدها، بل من الجراح النازفة والألم الموجع والمعتّق والخيبات المريرة.

لم تكن الجامعات التي تعلّمنا فيها هي الوحيدة التي أمدّتنا بالمعرفة، بل الناس والميادين والأخطاء علمتنا أكثر مما تعلمناه في المحافل الأكاديمية، وبالمناسبة فقد انتهت أسطورة الأستاذ الجامعي الذي كنّا نعرفه في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، باعتباره منتج أفكار ورائد تجديد وتنوير وحوار، وتحوّل إلى مجرد موقع وظيفي يتطلّع إلى الترقية والألقاب ‏دون أي إبداع أو ابتكار، والمسألة ليست عربية أو عراقية، بل أصبحت عالمية وتشمل أعرق الجامعات الأمريكية والفرنسية والبريطانية.

ومن المفارقة أن يكون هناك تضخّمًا كبيرًا في الجامعات التي بدأت تنتشر مثل الفطر في الأرض، وخصوصّا الجامعات الخاصة التجارية الربحية، بما فيها الأجنبية، والتي شعارها الحقيقي “إدفع وانجح”، ولكن ‏الجهل استشرى والتخلّف استفحل والخرافة تعاظمت على نحو كبير في مجتمعاتنا العربية التي كانت في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، تتطلّع إلى الحداثة والمدنية والتقدّم، وإذا بها تُنشئ أجيالًا من المتعصّبين، وهم ليسوا سوى أنصاف متعلمين، إذا ما قستهم بمن سبقهم بجيلين مثلًا، خصوصًا حين ترتكس المعرفة وتتراجع الحريّات الأكاديمية، ولاسيّما حريّة البحث العلمي، ‏وتسود الولاءات والانحيازات الإثنية والطائفية محل الابتكار والإبداع والاجتهاد، ولعمري إن ذلك يخلق نوعًا من الزبائنية القائمة على الغنائم والامتيازات والمنافع، وهي شكل، ربما أشد خطرًا، من أنواع الفساد الأخرى، إذا ما تعلّق الأمر بالتنمية والصحة والتعليم والبيئة والقانون.

‏       ومهما بلغت الأفكار درجةً عاليةً من الإنسانية والرقيّ، إلّا أنها لا تعصم أصحابها من ارتكاب المعاصي والآثام، بل والجرائم الكبرى، وهو ما بيّنته التجربة، فبحجة امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، يبرّر ‏رواد تلك الأفكار اعمالهم القبيحة وقسوتهم بزعم الغايات النبيلة والأهداف العظيمة.

       تعلّمت من تجربتي أن الحقيقة ليست من حصة جهة واحدة قومية أو دينية أو حزبية، أو مدرسة فكرية، فقد تكون موزعّة، وعلينا البحث عنها واستنباطها، ولذلك ازداد ميلي إلى الحوار مع الآخر. واعتبر ذلك وسيلة ناجعة ومفتوحة للوصول إلى الحقيقة، دون يقينيات إطلاقية جاهزة ومقرّرة سلفًا. وبقدر ما يكون الحوار دليل صحة وعافية وثقة، فإن الإيمانية المسبقة دليل انغلاق وارتياب وشعور بالخشية من الآخر.

ظل قول غرامشي مرافقًا لي لسنوات طويلة “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة“، فالعقل ينفتح على الظواهر المركبة المختلفة المتناقضة، في حين تستمر الإرادة في البحث عن أفق جديد وفهم جديد، لأن مقياس نجاح أية فكرة هو تطبيقها، أي اختبارها، وإلّا ستتحول إلى عقيدة جامدة، فما أكثر الصدمات والخيبات والتجارب الفاشلة التي عشناها، بل إن الكثير من الأفكار الوردية التي بشّرنا بها تحوّلت إلى كوابيس، خصوصّا حين تولّى بعض “السدنة” الإساءة إليها من داخلها.

من جهة أخرى ما زلت شديد الإيمان بقيم اليسار بأبعاده الإنسانية والعقلانية، لكنني تحرّرت من أرثوذوكسيته وتعصّبه وتطرّفه وغلوّه، وبقي عندي “الإنسان هو الأصل“، وهذا عنوان كتاب أصدرته في القاهرة في العام 2002، وبقيت أتساءل على طريقة سارتر “هل يجب أن أقول الحقيقة فأخون البروليتاريا (الطبقة العاملة)، أم يجب أن أخون الحقيقة بحجة الدفاع عن البروليتاريا؟”.

لقد قرأت غرامشي بعمق وأدركت إن الأزمة تكمن تحديدًا في حقيقة أن “القديم يموت والجديد لم يولد بعد“؛ وفي هذا الفاصل الزمني، تظهر مجموعة متنوّعة من الأعراض المرضية، ‏وأستطيع القول إن الولادة عسيرة، وربما هناك عجز أو عقم في إنجاب جديد حتى الآن، ويحتاج الأمر إلى معالجات ومستلزمات ‏وبيئة مساعدة لكي يولد هذا الجديد.

النقد وظيفتي كمثقف، وقول الحقيقة عندي هو الأهم، ولكي يكون المثقف مثقفًا حقيقيًا فعليه ممارسة النقد، وهو ما يدعو إليه أيضًا إدوار سعيد. وقول الحقيقة يعني مواجهة أنواع شتى من السلطات السياسية والحزبية والقومية والدينية والعشائرية بأوجهها الاجتماعية المختلفة. ونعرف من تجاربنا أن العديد من المبدعين دفعوا أثمانًا باهظة جرّاء مواقفهم المستقلّة والنقدية والسلمية لمجرّد تعبيرهم عن آرائهم ووجهات نظرهم.

 

الفكر إذا لم يراجع نفسه يتحوّل إلى تابو، إلى مقدس، وهذا مكانه المتحف، أما الماركسية فهي حيّة بنقدها، وأحيلك إلى كتابين في ذلك تمسكًا بالمنهج وإغناءً له ورفضًا للصيغ والمقولات والاستنتاجات التي عفى عليها الزمن، أو أنها لم تكن صحيحة بالأساس، خصوصًا ونحن في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، وعلينا استنباط أحكامنا وقوانيننا، لا التقيّد بأحكام وقوانين القرن التاسع عشر؛ الكتاب الأول “‏تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف” (2009)؛ والكتاب الثاني “الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية” (2013)، إضافة إلى طائفة من الدراسات والأبحاث والمحاضرات التي قدّمتها في هذه المواضيع على مدى نحو أربعة عقود من الزمن.

 

س3 – قلتَ في أكثر من مناسبة إن الحريّة والعدالة لا تنفصلان. برأيك، لماذا فشل كثير من المشاريع العربية في تحقيق الاثنين معًا؟

ج3 – ‏لأن هذه المشاريع تعاملت مع الحريّة والعدالة بوصفهما بديلين لا توأمين، فهناك من قدّم ما سميّ ﺑ “الديمقراطية الاجتماعية” على “الديمقراطية السياسية”، فوصلنا إلى نتائج مشوّهة، فلا عدالة دون الحريّات، والحريّات المدماك الأساسي للمطالبة بالعدالة، وخصوصًا الاجتماعية، وإن بحدها الأدنى، ولا مساواة حقيقية دون حريّات، مثلما لا شراكة ومشاركة ‏دون حريّات ومساواة وعدالة، وهناك تلازم عضوي بين هذه الحقول التي تشكّل أساس المواطنة الحيويّة والسليمة.

       وكان ماركس في كتابه “المسألة اليهودية” قد تناول قضايا المواطنة والعقلانية والمدنية والديمقراطية، لكن هذا الجزء من الماركسية ظلّ غير مقروء، بل جرى تشويهه بوضع ماركس والماركسية من بعده أعداءً للحريّة والديمقراطية. وجاء لينين ليؤكّد “إن من يريد الوصول إلى الاشتراكية بطريق آخر غير الديمقراطية السياسية سيتوّصل إلى استنتاجات رجعية وخرقاء”، لكن التطبيقات الاشتراكية في عهده، وبشكل خاص في عهد ستالين من بعده، سارت باتّجاه آخر، وهيمن العنف على التجارب الاشتراكية المختلفة باعتباره “القابلة المأذونة” لولادة نظام يقوم على البيرقراطية الأوامرية وشحّ الحريّات والاستبداد.  

لقد تعاملنا مع الحريّة والعدالة كحقلين مختلفين، في حين أنهما رافدان يصبّان في نهر واحد، وقد دفعت بلدان الأصل (الاشتراكية) وبلدان الفرع (دول حركات التحرّر الوطني) فاتورةً غاليةً جرّاء اختلال هذه المعادلة وهذا الانفصام، لدرجة أصبح المواطنون رعايا تابعين يستوجب منهم تقديم الولاء.

       ‏الأنظمة الاشتراكية وصنوها الأنظمة التحرّرية، كما أطلقنا عليها، التي أجلّت الحريّات وقايضتها بعناوين “الاشتراكية” أو “العدالة الاجتماعية”، انتهت إلى الاستبداد والدكتاتورية، والذين تحدّثوا عن الحريّة وأقصوا العدالة، انتهت بلدانهم إلى المزيد من التفاوت الطبقي والاجتماعي والاستتباع، لأن الحريّة بلا عدالة ستصبح، أردنا أم لم نرد، امتيازًا للأغنياء، والعدالة بلا حريّة ستنتهي إلى وضع الجميع في سجن كبير، وهو ما حصل في ظلّ ما سُمّيَ بالستار الحديدي في خمسينيات القرن الماضي. أمّا تجاربنا العربية في مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان والجزائر، فليست بأحسن حال من ذلك.

الحرية والعدالة تتطلّبان تفاعلًا، خصوصًا في ظل حكم القانون وفصل السلطات والإقرار بالتنوّع والاعتراف بالتعدّدية، وعكس ذلك سنبقى نراوح في مكاننا، وهذا يعني تقهقرنا، لأن المجتمعات الأخرى تتقدّم بسرعة وتسير إلى الأمام، فما بالك في ظل اتساع الفجوة بين عالمنا العربي وبين العالم المتقدّم.

سيظلّ مشروع النهضة معطّلًا ومعطوبًا إن لم يقم على الحريّة والاستقلال السياسي والتنمية المستقلة والتعاون والتنسيق بين بلدانه وشعوبه، بما يحقّق العدالة الاجتماعية وبما يؤدي إلى تقاربها واتّحادها في عالم لا يقبل بالصغار، وإنما يحترم الكيانات الكبرى، مثل الاتحاد الأوروبي، ‏خصوصًا بانبعاثٍ حضاري لتراث الأمة، ونظام عصري يحترم حقوق الإنسان. وأرى أن ذلك ضرورة وجودية لا غنى عنها، مع احترام الخصوصيات والهويّات الفرعية.

 

س4 – هل كانت خيبة المثقف العربي في السلطة، أم في الأفكار التي صدّقها طويلًا؟

ج4 – إن خيبة المثقف العربي مزدوجة وعميقة، فالسلطة سعت ليكون المثقف رأس حاجة عندها، ‏يحرق البخور للسلطان ويروّج لخطابها ويجمّل أفعالها ويزيّن تصرفاتها، بل يضفي عليها قدسيةً أحيانًا، خصوصًا على بعض الرموز، في حين يفترض بالمثقف أن يكون ضمير الأمة ‏وهو حامل لواء الحريّة والعدل فيها، وليس موظفًا يأتمر بأمر الحاكم أو يروّج لسياسيين فاشلين.

كنت غالبًا ما أميّز بين الفكرة والنموذج، وبين الفكر والممارسة (البراكسس) وبين المثال والتطبيق، ولا أستطيع شخصيًا أن أدين الحريّة لأن مستبدًّا نادى بها، ولا أتنكّر إلى القرآن إذا رفعه دجال أو إرهابي، ولا أتخلى عن العدالة الاجتماعية إذا دعا إليها فاسد، ولا أزدري الثقافة لأن مؤسسة ثقافية تتاجر باسمها وغايتها أغراض أخرى وصفقات مشبوهة.

وأستحضر رأيًا لإنجلز بخصوص علاقة الفكر بالسياسة، حيث يقول “طلب مني فيلهلم ليبكخنت (قائد الحزب الألماني الذي هو والد القائد الشيوعي كارل ليبكخنت الذي اغتيل في برلين مع روزا لوكسمبورغ عام 1919) (وهو تلميذه) برسالة رقيقة كتابة مقالة لصحيفة الحزب، وهو ما فعلته على الفور، لكنني فوجئت بالمقالة منشورة وقد تم تقطيعها إربًا إربًا، وحين سألت في رسالة عتاب ( الاستاذ يسأل التلميذ) عن السبب الذي دعا محرّر الصحيفة إلى التلاعب بأفكارها، ردّ هذا مفتخرًا ” لقد حذفنا منها كل ما يتعارض مع خط الحزب” فما كان من إنجلز إلّا أن  قال: ومتى علّمناكم ماركس وأنا: أن السياسة أهم من الفكر.

إن خيبة المثقف ليست بسبب العلاقة المرتبكة وغير المتكافئة بينه وبين السلطة، بل بالأوهام التي روّجها بعض المثقفين الذين كانوا يحلمون بالمشاركة بالسلطة؛ وبالتالي ‏عبّروا عن عزمهم التأثير فيها أو حتى قيادتها، فإذا بالأخيرة هي التي تقودهم وتستخدمهم كما تريد، بل وتضعهم في مكان لا يليق بهم، وبدلًا من إحداث التغيير فإذا ببعض المثقفين هم الذين تغيّروا وأصبحوا جزءًا من مشاريع دول كانوا بالأمس القريب يندّدون بسلطويتها واستبدادها ويعيبون على مثقفين تعاونوا معها، فما بالك حين يتعاون مثقفون مع محتل بلدهم ويمتثلون لأوامره ويروّجون لأطروحاته، ويستبدلون الصراع مع الاستعمار والإمبريالية الذي صدّع الرؤوس وأصاب بعض الآذان بالصمم، ليصبح الصراع مع القوى الإسلامية باعتبارها تمثّل الخطر الداهم والأساس. ومن المفارقة أن تغيب عن الكثير من الأدبيات الراديكالية اليسارية المصطلحات القديمة لتُستبدل ﺑ “العامل الدولي” الذي يُعوّل عليه لتحرير الشعوب من أنظمة الاستبداد والديكتاتورية.

لا أخفيكِ سرًا إذا قلت لك أن المعارضات العربية هي وجه آخر للسلطات التي تناهضها، ففيها من العلل والأمراض مثلما لدى السلطات، وربما هي مصابة بالعدوى، وقد تحوّلت إلى مؤسسات بيروقراطية تحتكر الفكر والثقافة، يستوي فيها من ينتمي إلى الأحزاب الدينية أو القومية – البعثية أو الشيوعية. ويتعامل هؤلاء مع المثقف باستخفاف وازدراء، ويستثمرونه عند الحاجة، والعيب ليس فيهم وحدهم، وإنما العيب حين يرتضي بعض المثقفين القبول بالتعامل مع السياسيين، حكّامًا أو معارضين من موقع أدنى.

إن هذا النمط من المثقفين يعبّر عن عدم احترامه لوسيلته الإبداعية التي هي قوّة، لأن المعرفة، حسب فرانسيس بيكون، قوّة، ويقلّل من شأنها وشأنه، على عكس مثقفي الأربعينيات والخمسينيات الذين كان دورهم رياديًا ومؤثرًا وكان السياسيون يتعاملون معهم باحترام كبير، بل إن رأيهم كان مسموعًا، وليس كما يفعل البعض الآن من تقديم الطاعة والولاء، لدرجة تشغيلهم كمقاولين من الباطن للمقاولين الأكبر من خارج البلاد أو داخلها، طمعًا في جاه ورغبة في الحصول على الامتيازات والمال.

أذكر مثلًا مهمًا على دور المثقفين الريادي في خمسينيات القرن الماضي، ففي العام 1957 اجتمعت قيادات أربع أحزاب عراقية واتّفقت على إقامة “جبهة الاتحاد الوطني“، ولكن من كتب بيان الجبهة كان مثقفًا مستقلًا وعقلًا تنويريًا واقتصاديًا كبيرًا، هو الدكتور إبراهيم كبّة

كان ستالين نموذجًا للحكام المتعجرفين الذين تعاملوا مع الثقافة كجزء من الدعاية السياسية، وحاول توظيفها لمصالحه الأنانية الضيّقة على حساب الجانب الإنساني والجمالي، وفي عهده برع جدانوف، صاحب نظرية “الواقعية الاشتراكية”، في إرهاب المثقفين وتطويعهم، حيث كانت إبداعاتهم تقاس بمسطرة أقرب إلى سرير بروكرست لمعرفة درجة انضباطهم، حسب الأسطورة اليونانية.

حتى وقت قريب كان الكثير من المثقفين أسرى مثل هذه الأفكار القاتمة، وربما ما يزال بعضهم على قناعاته القديمة، فهو يعتقد بصحة أفكاره وآرائه، حتى وإن أثبتت الحياة عكسها، ولذلك يقوم بتبرير سياسات حزبوية أو قومية أو طائفية، وإن كانت على حساب الإنسان، بزعم أن الغاية التي يسعى للوصول إليها هي غاية شريفة، دون أن يسأل نفسه، وهل هناك غاية شريفة بوسائل خسيسة؟ فالوسيلة من شرف الغاية وهي مثل البذرة إلى الشجرة على حد تعبير المهاتما غاندي قائد المقاومة السلمية اللّاعنفية، لارتباطهما العضوي الذي لا انفصام فيه.

صحيح أن المثقف لا يعيش ولا ينبغي أن يعيش في أبراج عاجية، فهو يتعاطى مع السياسة والسياسيين، حكامًا ومعارضات، وعليه أن يضع مسافة نقدية واحدة من السلطات والمعارضات، مثلما ينبغي عليه مراعاة هذه المسافة بين الأيديولوجيا والواقع، ويكون المثقف خائنًا لنفسه ولثقافته ‏ ولوسيلته الإبداعية إن لم يراجع نفسه ويعيد النظر في المسلمات التي تجاوزتها الحياة، وليس المهم أن لا يخطئ، فمن لا يعمل لا يخطئ، لكن العيب والخطأ الأكبر، بل الخطيئة حين لا يصحّح أخطاءه ولا ينتقد نفسه، وفي ذاك سيكون مثل البركة الراكدة، في الوقت الذي تُثبت الحياة دومًا أنها أرخبيلات متّصلة ومتداخلة.

وكان فيكتور هوغو يقول” إنه لثناء باطل أن يقال عن رجل إن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ أربعين عامًا، فهذا يعني ان حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمّق الفكري في الأحداث. إنه كمثل الثناء على الماء لركوده وعلى الشجرة لموتها”.

وأستطيع القول: إن الذين لا يتغيرون لا يفعلون شيئًا. إنهم يتحولون الى أصنام ولا يتأثرون أو يؤثرون في الحياة المتحركة، والانسان الذي لا تغيّره التجارب ولا تترك الاحداث تأثيراتها عليه يُصاب بالصدأ والتآكل، والسياسة تجارب، وقد تخطأ وقد تصيب، ولكن عليك أن تجرّب باستمرار، لاسيّما إذا كانت بوصلتك دقيقة وحساسيتك الإنسانية عالية، ولا يهم إن غيّرت رأيك وأعدت النظر في الكثير من مواقفك وتراجعت عنها وانتقدت نفسك، فالحياة فيها الكثير من المنعرجات والتضاريس وهي لا تسير بخط مستقيم، وعكس ذلك يكون الجمود والتحجّر. وحسب نيتشه “على المرء أن يغيّر أفكاره مثلما تنزع الحية جلدها”.

 

س5 – عشتَ زمن الأيديولوجيات الكبرى، ونعيش اليوم زمن الهويات الصغرى. هل ترى أننا انتقلنا من أوهام كبرى إلى انقسامات أصغر لكنها أشدّ خطورة؟

ج5 – للأسف نعم، فقد عشنا صراع الأيديولوجيات، ونعيش اليوم صراع الهويّات التي انفجرت بعد الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية الاشتراكية بكل ما تحمله أحيانًا من أوهام أربعة ظلّت مرافقةً لجيلنا:

 الوهم الأول – اعتقادنا أن البلدان الاشتراكية حلّت المسألة القومية، فإذا بنا نكتشف بعد عقود من الدعاية والتمجيد، إنها الأكثر تعقيدًا والتهابًا من غيرها، فما أن أُطيح بأنظمتها حتى شهدت انقسامات وانشطارات وحروبًا، أخرها حرب روسيا وأوكرانيا التي ما تزال مستمرّة منذ شباط / فبراير 2022؛

الوهم الثاني – اعتقادنا أن الدول الصناعية المتقدمة حلّت مسألة الهويّات، فإذا بها ما تزال تعاني من انقسامات حادة، ففي بريطانيا ما تزال المشكلة الأيرلندية قائمة، وفي إسبانيا هناك مشكلة إقليم كتالونيا (عاصمتها برشلونة)، ومشكلة إقليم الباسك في الشمال، وفي بلجيكا هناك مشكلة الولانيين والفلامنيين التي كادت أن تصل إلى الانفصال، ‏وفي كندا ما تزال مشكلة إقليم الكيبك تطل برأسها بين الفينة والأخرى بدون حل يذكر، وعدى ذلك مشاكل جنوب فرنسا وإيطاليا، إضافة إلى صراعات ورثتها يوغسلافيا السابقة، التي انشطرت إلى 6 كيانات مثلما شهدنا نزاعات مسلّحة بين بقايا الاتحاد السوفيتي، الذي انشطر إلى 15 كيانًا، وإن كانت يوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي ينتميان إلى الوهم الأول.

الوهم الثالث – اعتقادنا أن الدول الديمقراطية ذات النظام الفيدرالي هي النموذج الأكثر نجاحًا للتعاطي مع مشاكل الهويّات، والأكثر تلبيةً لحقوق المجموعات الثقافية، ولكننا نُجابَه بالحقائق الصادمة، ففي بلجيكا مثلًا التي تتمتّع بنظام ديمقراطي فيدرالي (حتى أن بروكسيل العاصمة لوحدها فدرالية) وبالمواطنة السليمة المكفولة قانونًا، ثمة رغبات ومشاعر تتعلّق بالهويّات الخاصة بين المجموعتين الثقافيتين الكبيرتين، مثلما في كندا، التي هي الأخرى دولة ديمقراطية وفيدرالية، تلتزم باحترام الهويّات المتعدّدة والمتكافئة، لكنها لم تتمكن من أن تمنع ‏إقليم الكيبك من المطالبة بكيانية خاصة وفقًا لشعوره بخصوصية هويّته.

الوهم الرابع – اعتقادنا أن مشكلة الهويّات هي إشكالية العالم الثالث بامتياز، وإذا بنا أمام نموذج ماليزيا والهند، حيث استطاعا حتى الآن من إنجاز تجربة للعيش المشترك يُشار إليها بالبنان، وذلك لقبول التنوعّ والتعددّية في إطار احترام الخصوصيات والهويّات المختلفة وثقافتها وتاريخها، وهذه ‏نماذج أقرب إلى العالم الثالث من البلدان المتقدمة.

       فارق أساسي يستوقفني وأنا أجيب على سؤالك، وهو أن البلدان النامية وما يسمّى بالعالم الثالث، ومنها بلداننا العربية والإسلامية، حين تواجهها مشكلة الهويّات، القومية والدينية، لا تبحث عن حلول لها في الدستور والقوانين وعبر الحوار واتّباع الوسائل السلمية، وعدم اللجوء إلى العنف، بل إنها تلتجئ أولًا إلى القوّة في محاولة لإلغاء الآخر أو استئصاله أو تهميشه، دون أن ننسى إنزال أنواع التهم به، ولا يُخفى علينا أن القوى الكبرى تحاول استغلال مشاكل الهويّات في البلدان النامية للتأثير على سياساتها وتوجّهاتها، في حين أن الدول المتقدّمة والديمقراطية تسعى لإيجاد حلول سلمية ولا عنفية، وعبر الحوار والاستفتاء واتّباع الطرق القانونية والدستورية المعروفة، مجنّبةً بلدانها تبعات النزاع المسلّح.

كانت الأيديولوجيات تَعدُ الناس بالمستقبل، فالإسلاميون يزعمون أن مفتاح الجنّة في أيديهم، والقوميون والبعثيون، قالوا إن تحرير فلسطين سيتمّ بجهودهم، وبنوا الجيوش الضخمة ودخلوا في مغامرات ونزاعات مسلّحة وغير مسلّحة، لم تُبعد قضية فلسطين عن التحرير فحسب، بل إن بلدانهم أصبحت تحت أنواع شتّى من الاحتلالات والتداخلات الأجنبية والقوى الإرهابية، ولعلّ العراق وسوريا مثلان صارخان على ذلك، والشيوعيون تحدّثوا عن الوطن الحر والشعب السعيد بضجيج وصخب عاليين، وظلوا يستعيدون خطاباتهم عن أوسع الجماهير، فإذا بهم يتحوّلون إلى مجاميع صغيرة لا أحد يصغي لخطاباتها غير المؤثرة.

 أما اليوم فالهويّات تعيدنا إلى الماضي. لقد كان صراعنا في السابق على المشاريع الفكرية والثقافية، وإذا بنا نعود إلى صراع الانتماءات الضيقة، بل والمجهرية أحيانًا. وكان السؤال الذي يواجهنا، كيف نعيد بناء المجتمع والدولة؟ ليتحول اليوم: كيف يمكن الهيمنة على المجتمع ولمن تكون الدولة، لهذه الفئة الطائفية أم الاثنية أم الحزبوية، أم لتلك؟ وما هي حصص كلّ منها؟

الطائفية لا تعيد تقسيم المجتمع والطوائف فحسب، بل إنها تسعى لتقسيم الذاكرة والتاريخ والإنسان والحاضر وربما تريد المستقبل أيضًا. وهذا هو المأزق الذي وُضعْنا فيه، ولا سبيل للخروج منه إلّا بالاشتغال على مفهوم المواطنة وتعزيز احترام الهويّات المختلفة للجميع، مع تأكيد هويّة جامعة تتّسع للهويّات الخاصة، ويتطلّب ذلك احترام الخصوصيات وتميّزيها وحقوقها. وحتى القرآن الكريم أكد على الحق في الاختلاف واحترام التنوّع وذلك في سورة الحجرات (الآية 13) “…وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ…”.

من حصيلة تجربتي الحياتية أن الإنسان هو أثمن رأس مال، وهو أعظم كائن على وجه البسيطة، وأهم من كل الأيديولوجيات، لذلك فإن احترام خصوصيته وفردانيته هو الباب الأول في الحريّة والمواطنة.

 

س6 – هل تعتقد أن الطائفية في منطقتنا مشكلة ثقافية متجذرة، أم أنها في الأساس أداة سياسية لإدارة السلطة؟

ج6 – ‏الطائفية كما أعتقد ليست قدرًا ثابتًا في المجتمعات، بقدر ما هي قابلية كامنة يمكن استخدامها لتتحوّل إلى أداة سياسية في لحظة انعطافية، وعلى طريقة المفكّر الجزائري مالك بن نبي الذي يقول ثمة “قابلية على الاستعمار”، نقول وثمة “قابلية على الطائفية”، خصوصًا حين تضعف الدولة، ويلتبس مفهوم المواطنة وتغيب المساواة وتشحّ الشراكة والمشاركة وتنحسر العدالة.

لقد عرف المجتمع العربي والإسلامي تنوّعًا دينيًا ومذهبيًا وقوميًا واسعًا، ولم يكن دائمًا مصدرًا للصراع أو الاحتراب، وإن شهد أحيانًا نزاعات ومحاولات انتقاص من الهويّات الأخرى غير العربية وغير المسلمة، إلّا أنه بشكل عام كان مصدر غنى لتفاعل الهويّات وفضاءً واسعًا لاحترامها.

لكن مشكلة الهويّات هي أعقد بكثير ممّا نتصوّر، وقد تتحوّل من كونها انتماء ثقافي ووجداني، وشعور طبيعي إلى أداة للاستحواذ على مقدّرات السلطة والثروة من جانب الجماعات المتسيّدة، في حين أن الهويّات الفرعية تندفع أحيانًا للتفلّت والانفكاك بسبب الاستلاب والتمييز الذي تتعرّض له، وهكذا تصبح الهويّة مشكلة فينتج عنها استقطابات دينية أو قومية أو طائفية.

الطائفية بهذا المعنى هي ابنة القوّة أكثر من كونها ابنة المجتمع، بما تثيره هذه القوى من حساسية بين بعضها البعض، فالطرف الأقوى يشعر أنه صاحب هويّة كبرى وعليا، أما الطرف الأضعف فيزداد شعوره بالحيف والظلم، ويسعى لتحقيق المساواة، خصوصًا حين يتمّ تصنيف هويّته بصفتها صغرى أو دنيا، إن ذلك يدفعه للشعور بالاستتباع والإلحاق من جهة، مثلما يعطي للطرف الأقوى شعور بالتسيّد والهيمنة.

وكنتُ قد اقترحت في الثمانينيات، خلال العمل في المعارضة، مشروع قانون ينص على إلغاء التمييز ويعزّز المواطنة ويحول دون اندلاع مشاكل الطائفية وذيولها، خصوصًا إثر عمليات التهجير الواسعة النطاق إلى إيران بحجة “التبعية الإيرانية”، بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة رقم 666 في أيار / مايو 1980.

 وحين تحولتُ إلى ميدان حقوق الإنسان، في مطلع التسعينيات، أنجزتُ مشروعًا متكاملًا بصيغة حقوقية وقانونية لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة، استنادًا إلى نقد لقوانين الجنسية العراقية، ابتداءً من القانون الأول، الذي شرّعه البريطانيون برقم 42 لسنة 1924، والذي ميّز بين المواطنين ووضعهم على درجتين “أ” و “ب”، وسارت عليه قوانين الجنسية اللّاحقة، علمًا بأن هذا القانون صدر قبل سن الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي 1925).

لقد توخّيت من مشروع القانون تعزيز المواطنة والتخلّص من ذيول قوانين الجنسية استنادًا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث ورد في المادة 15 “لا يجوز، تعسُّفًا، حرمانُ أيِّ شخص من جنسيته ولا من حقِّه في تغيير جنسيته”، وهو ما جئت عليه في كتابي “من هو العراقي؟” (2002)، ثم شرعتُ عند اندلاع الموجه الطائفية بعد الاحتلال، بكتابة ‏نص قانوني، ونشرته ضمن كتابي “جدل الهويات في العراق – الدولة والمواطنة” (2009)، ويصلح القانون للعراق، ويمكن الاستفادة منه في بعض المجتمعات العربية والإسلامية المتنوّعة الثقافات، ولكن هذا المشروع يحتاج إلى حامل سياسي واجتماعي، على الرغم من أن الكثير من التقريظات والآراء أبدت إعجابها به وتأييدها لمضامينه، لكن ثمة كوابح تقف في وجهه، على الرغم من عدم معارضته علنيًا، وأقصد بذلك المحاصصة الطائفية – الإثنية، التي تبقى الصيغة الأفضل لأمراء الطوائف، بما يؤمن لهم مصالحهم ونفوذهم.

وكنت قد ألقيت عدّة محاضرات في كلّ من مصر وتونس والأردن، إضافة إلى العراق، حول دور الإسلاميين والمشهد السياسي الراهن، بما فيه الانقسام الطائفي بعد احتلال العراق العام 2003، وبشكل خاص بُعيد الموجة الطائفية العام 2006، ولاحظت أن ثمة خلطًا مفاهيميًا فيما يتعلّق بالتفريق بين الطائفة، التي هي نتاج اجتهادات فقهية وتطوّر تاريخي وعادات وتقاليد اجتماعية، وبين الطائفية التي تسعى للتميّز، سواءً للتسيّد بزعم الأفضلية والأكثرية، أو بزعم المظلومية.

 والطائفية حين تُصبح عقيدةً مثل غيرها من العقائد، لا يتورّع أصحابها من ارتكاب المعاصي، بما فيها التعاون مع جهات خارجية، تحقيقًا لأهدافها. والأمر ينطبق على الطوائفيين من الاتجاهين، وهو ما لاحظناه تاريخيًا بخصوص حركة الإخوان المسلمين وولاءاتها المرجعية الخارجية لتركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وإزاء الجماعات والأحزاب الشيعية وولاءاتها لإيران، وبعضها يعود إلى تاريخ مضى، بما فيه علاقاتها بشاه إيران قبل الثورة الإيرانية.

 

س7 – العراق بالنسبة لك، هل هو وطن جريح يمكن إصلاحه، أم فكرة عظيمة ما زالت تبحث عن دولة؟

ج7 – العراق ذاكرة حضارية عمرها أكثر من 7 آلاف سنة. إنه موطن الأبجدية والكتابة الأولى ومهد القوانين والشرائع وفضاء للتنوّع الإنساني والثقافي والحضاري، لكنه تعرّض خلال العقود الأربعة المنصرمة ونيّف إلى نكبات كبرى، خلّفت جراحًا عميقة الغور، ولم تندمل حتى الآن، ولعلّك تراها في نفسية الفرد العراقي ‏ظاهرةً وواضحةً وجليّةً، ‏منها الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) وغزو الكويت (1990) وحرب قوات التحالف الدولي (1991) ثم الحصار الدولي الجائر الذي استمرّ 12 عامًا (1990 – 2003)، ناهيك عمّا تعرض له الشعب الكردي بعد اتفاقية الجزائر المجحفة (1975) من إجلاء وتهجير، ثم عمليّات‏ الأنفال وحلبجة التي قصفت بالسلاح الكيميائي.

 كما تعرّض العراق إلى الاحتلال في العام 2003، والإرهاب المنفلت من عقاله من جانب تنظيمات القاعدة وداعش، آخرها وأبرزها عملية احتلال الموصل (2014)، والتي استمرت لنحو ثلاثة سنوات.

لقد تركت هذه النكبات والمآسي التي عاشها العراق في العقود الماضية تأثيرًا بليغًا على العراقيين، فتشوّشت لديهم الكثير من المفاهيم، ولم يعرفوا استقرارًا وأمنًا وأمانًا، وظلّت فكرة الدولة ضبابية والتنمية حلمًا والإصلاح أملًا. وعلى الرغم من أن العراق يمتلك ثروة بشرية مهمة وموارد طبيعية ضخمة، إلّا أنه يعاني من مشكلات قديمة – جديدة، حيث منع النظام الاستبدادي السابق أية هوامش مختلفة عنه، الأمر الذي ولّد بعد سقوطه فوضى واستبدادات متعدّدة، وهيمنت الطائفية على المشهد السياسي، وعدنا إلى مجتمع ما قبل الدولة، واستشرى الفساد إلى درجة مريعة مترافقًا مع انتشار السلاح خارج نطاق الدولة.

لقد وقع العراق بعد الاحتلال تحت نفوذين كبيرين، أحدهما دولي متمثّلًا بالولايات المتحدة، وثانيهما إقليمي متمثلًا بإيران، وظلّت إرادة العراقيين معطّلة، ووطنهم مستلبًا، وسيادتهم مجروحة، تتنازعهم الكثير من الأهواء والمتناقضات بغياب سلطة قادرة على فرض إرادتها على الجميع، ولعلّ ذلك يحتاج إلى إعادة نظر بالكثير من القضايا، ابتداءً من الدستور الذي حمل ألغامًا كثيرة إلى نظام المحاصصة ومرورًا بقضايا الفساد ووجود ميليشيات خارج نطاق القانون. إن تلك المتغيّرات أدّت إلى تصدّع الوطن، بل إن لكلّ مجموعة إثنية أو طائفية أصبح لها “وطنها” بسبب التشظّي في فكرة الوطن الموحّد، وأخذت تدافع عن مصالحها الفئوية الضيّقة.

أما بالنسبة لي، فأنا أنظر إلى الوطن باعتباره وحدة قانونية وتاريخية موحّدة يشتمل على هذا التنوّع الفسيفسائي والموزائيكي الجميل، والوطن ليس دجلة والفرات أو النخيل بما له من رمزية تاريخية، أو البصرة ثغر العراق الباسم، أو الموصل وجه العراق الأبي، أو بغداد العاصمة التاريخية، بل هو الذاكرة التاريخية مضافًا إليها الحريّة والكرامة، إنه ليس حجرًا أو شجرًا أو ترابًا. فوطني هو لغتي العربية الجميلة، وبغيرها من أكون؟

 

س8 – بعد كل ما شهدتهُ من انقلابات وحروب واحتلالات، هل ما زلت تؤمن بأن الدولة المدنية ممكنة عربيًا، أم أنها ما تزال مشروعًا مؤجلًا؟

ج8 – ‏نعم ولا، فهي ممكنة إذا ما حصل تطوّر وتراكم تدرّجي؛ وغير ممكنة إذا بقيت الانقسامات الطائفية والإثنية تتحكّم بمسارها. الإيمان بدولة مدنية تحترم الأديان وتضع مسافة واحدة منها جميعًا ضرورة تاريخية، فالدولة لها حقلها والدين له حقله، وكل دولة، حتى وإن قامت على مرتكزات دينية (كما هي العديد من الدول الأوروبية)، فهي مدنية.

 وتبرز منذ ما سمّيَ بالربيع العربي جدالات حادة وسجالات ساخنة واتّهامات متبادلة لا تُغني ولا تُسمن من جوع بين توجّهين متشدّدين أحيانًا، أحدهما يدعو إلى دولة مدنية، وفريق منه يروّج إلى القطيعة مع المرجعية الإسلامية. والآخر يدعو إلى دولة إسلامية، وفريق منه إسلاموي وإرهابي يرفض المفاهيم الحديثة للدولة العصرية، ويعتبرها بدعة وضلال، علمًا بأن مفهوم الدولة مدني بالأساس. وتحت هذه العناوين يندلع صراع مفاهيمي خفيّ ومعلن في الآن، وأحيانًا يتحوّل من النقاش والاجتهاد والرأي والاجتهاد  إلى الاستقواء على الآخر لفرض وجهة نظره بالقوّة، وهذه لا تصنع شرعية، وإن حصل ذلك فلن تستمر إلى ما لا نهاية.

شخصيًا أفضّل استخدام مصطلح “الدولة القانونية“، التي تعني حكم القانون، وهذا القانون هو من صنع البشر، حتى وإن كان بمرجعية إسلامية باعتبار الإسلام يمثل الجزء الأكبر من ثقافة المجتمع، وستكون أية دولة قانونية دولة مدنية، حين يصبح المواطن الفرد الأساس في هذه الدولة، والمواطنون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، حكّامًا ومحكومين، إنهم ليسوا رعايا لأحد.

 ونحتاج إلى بناء طويل الأمد لكي تتحقّق هذه الدولة التي نطمح في الوصول إليها. والأمر يتطلّب تراكمًا، ولم تصل أوروبا إلى هذه الدولة دفعة واحدة ودون معاناة، فقد جاءت بعد حروب ومآسٍ منها حرب الثلاثين عامًا، والتي انتهت بعقد صلح ويستفاليا (1648)، ‏والذي ترافق قيامه مع نشوء الدولة القومية وصعود البرجوازية، ‏فأقرّ مبادئ احترام السيادة ‏وحق ممارسة الطقوس والشعائر بحريّة، فضلًا عن حريّة مرور البضائع والسلع، والمهم أن نبدأ وأن نحدّد البوصلة، وذلك ضمن عقد اجتماعي جديد يتم الاتفاق عليه في حوار مجتمعي للحصول على ما يجنبنا دفع أثمان باهظة إضافية.

وكنتُ قد دعوت إلى ويستفاليا عربية، وأعتبر ذلك الأساس الإيجابي الذي يمكن أن تقوم عليه العلاقات بين البلدان العربية، خصوصًا بتأكيد عدم التدخّل بالشؤون الداخلية واحترام الخصوصيات ووضع المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة في صدارة أي اتفاقية بينها، ومن هنا انطلقتُ للدعوة إلى ويستفاليا مشرقية في ظلّ وجود أمم أربعة هم الترك والفرس والكرد والعرب، ويمكن إضافة الأرمن وغيرهم لقيام تفاهمات تأخذ بنظر الاعتبار المشترك الإنساني بهويّاته المتنوّعة، وثمة هويّة مهمة في بلدان المغرب العربي وهي الأمازيغية.

 

س9 – أنت من الأصوات التي دافعت طويلًا عن المجتمع المدني. هل ما زلت تراهن عليه بالقدر نفسه اليوم؟

ج9 – يمكنني القول، لا يمكن إنجاز التحوّل الديمقراطي دون مساهمة المجتمع المدني، وأن الدولة العصرية الحديثة لا تُبنى إلّا بمشاركته، وبإمكانه أن يكون شريكًا ومتمّمًا للدولة ولعملية التنمية، مثلما هو رقيب وراصد في الآن.

يحتاج المجتمع المدني لكي يساهم بقوّة وجديّة  في عملية التنمية إلى بنية قانونية سليمة وقوى سياسية مؤمنة بدوره، الذي لا يقتصر على الجانب الاحتجاجي، وإن كان ذلك من مهمّاته، لكنّها ليست المهمة الوحيدة، وعليه أن يضع مسافة بينه وبين السلطة والمعارضة، وألّا ينخرط بالصراع الأيديولوجي أو يتبنّى مواقف سياسية منحازة، ويفترض فيه أن يعمل باستقلالية، وأن يكون مفتوحًا دون وضع شروط على منتسبيه لاعتبارات سياسية أو أيديولوجية أو قومية أو دينية أو لغوية أو غيرها.

وأستطيع القول من تجربتي الشخصية في هذا الميدان أن هناك ثلاث اتجاهات تتجاذب المجتمع المدني العربي ومؤسساته، وقد تناولت ذلك بالتفصيل في كتابي “المجتمع المدني – سيرة وسيرورة” (2012)، وهي ملخصة على النحو التالي:

الاتجاه الأول – ويمكن أن نطلق عليه “الاتجاه التصادمي“، إذ تميل بعض المؤسسات إلى اتخاذ مواقف حادة داعية إلى المواجهة والقطيعة (بين الحكومات والمجتمع المدني)، وهو بتقديري اتجاه انعزالي يغلب عليه طابع التسييس.

الاتجاه الثاني – وهو ما يمكن أن نطلق عليه “الاتجاه التساومي“، حيث تسعى السلطات لاحتواء أو تدجين المجتمع المدني، كما يسعى بعض العاملين في هذا الميدان وبحجة “الواقعية” إلى التخلي عن بعض المنطلقات المبدئية كالاستقلالية والحيادية وغيرها، فينصرف إلى تأييد مواقف الحكومات ويبرر لها، وغالباً ما تبتلع الحكومات مثل هذه المؤسسات التي يضعف تأثيرها على المجتمع.

الاتجاه الثالث – وهو ما يمكن أن نطلق عليه “الاتجاه التواؤمي” أي التفاهمي العقلاني، الذي يسعى إلى فتح حوار مع الحكومات وصولًا إلى المداولة والشراكة. وبتقديري فإن هذا الاتجاه هو الأقرب إلى المبدئية والمهنية والنظرة الإستراتيجية البعيدة المدى وهو يقوم على النقد والتعاون، أي التطوير عبر التدرج والتراكم وصولًا للتغيير في المجالات المختلفة. فمؤسسات المجتمع المدني بطبيعتها لا تسعى للوصول إلى السلطة، كما هي ليست جزءًا من الصراع السياسي وهدفها ينحصر في تطوير المجتمع والدفاع عن حقوقه.

أما أهم المشكلات الفكرية والعملية التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني العربي فهي:

أولًا – انصراف بعض مؤسسات المجتمع المدني للتصدي إلى مهمات سياسية بما يخالف طبيعتها ودورها التنويري.

ثانيًا– ضعف الثقافة الحقوقية بشكل عام، والثقافة الديمقراطية بشكل خاص.

ثالثًا– غياب أو ضعف المبادرة على المستوى الفكري والعملي، خصوصًا عدم التوجه لدراسة الظواهر الجديدة كالعولمة، والإرهاب الدولي، والتدخل الإنساني، والإصلاح والديمقراطية، والخصوصيات الوطنية والدينية والثقافية. ويندرج هناك موضوع اقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي.

رابعًا – تغليب الحقوق المدنية والسياسية على حساب الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

خامسًا – ضعف أهلية بعض القيادات التي ظلّت متشبثة بمواقعها التي تريدها مخلدة وكانت بعض المؤسسات أقرب إلى الشخصانية التي تجمع الأتباع والمؤيدين على حساب حيوية وديناميكية هذه المنظمات.

سادسًا – ضعف الهياكل والتراكيب التنظيمية للعديد من مؤسسات المجتمع المدني وضعف نظام المعلومات والاتصال والوسائل التقنية.

سابعًا – إشكالية التمويل التي ظلت محصورة في المراوحة بين القبول المطلق والرفض المطلق بعيداً عن الضوابط ومعايير الاستقلالية والحياد.

 

س10 – هل تخشى على العالم العربي من الاستبداد أكثر، أم من الفوضى؟

ج10 – ‏كلاهما خطر، الاستبداد والفوضى، وأحدهما يؤدي إلى الاخر، وحسب سيغموند فرويد فإن المجتمعات في لحظات الانعطاف التاريخي مثل الحروب والنزاعات المسلّحة، تكون حاجتها إلى الأمن أكثر من حاجتها إلى الكرامة، فلن تتحقّق الكرامة دون أمن، والأمن ضروري لإعادة بناء الدول وتنميتها، ولا تنمية دون سلام. وتبقى الحضارة في حالة بحث دائم عن حماية المجتمع واحترام الفرد، وحين تتعرّض المجتمعات إلى الفوضى يكون للأمن الأولوية.

 صحيح أن الاستبداد حين يغلق أبواب الإصلاح ويقنّن الحريّات يدفع المجتمعات إلى الانفجار والعنف والفوضى، خصوصًا حين تغيب الدولة فتنفتح أبواب ‏المرجعيات لما قبل الدولة وتحتل مكانها، مثل المرجعيات الدينية أو الطائفية أو العشائرية أو الجهوية أو المناطقية.

وهذه تقود إلى التمترس بديلًا عن الدولة، وتمارس أحيانًا جزءًا من وظائفها، بما فيها القمعية بزعم فرض الأمن والاستقرار، علمًا بأن الأمن الحقيقي لا يُصنع بالخوف، بل بالطمأنينة وبثقة الحاكم بالمواطن ودعمه والمواطنة، خصوصًا حين يشعر بتمتّعه بالحريّة والمساواة والعدالة، لاسيّما حين يعتبر نفسه شريكًا، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وإنما بالحريّة والكرامة.

 

س11 – ما الذي تعلمته من المنفى ولم يكن ممكنًا أن تتعلمه داخل الوطن؟

ج11 – ‏المنفى تجربة ذات وجهين، فيها ما هو قاسٍ، وفيها ما هو جميل، وكنت قد سألت الشاعر الكبير الجواهري عن هجرته إلى براغ، التي دامت سبع سنوات عجاف (1961 – 1968) على حد تعبيره، وماذا كان في المنفى يا أبا فرات، زمهرير الغربة أم فردوس الحرّية؟ وبعد أن أخذ نفس عميق من سيكارته وتأمل طويلًا أجابني: الاثنان معًا أي والله، وكرّرها أكثر من مرة وهو يراقب دوائر الدخان المتصاعدة نحو سقف الغرفة.

وسبق لي أن نشرت بحثًا تقدمت به في مؤتمر بالكويت بعنوان ” المثقّف والهويّة وأدب المنفى” بدعوة من وزارة الإعلام ومجلة العربي (2012)، تناولت فيه رحلة المنفى، والهويّة بعيدًا عن التبشير، وتوقّفت عند كتاب أدونيس “موسيقى الحوت الأزرق“، واستعدتُ ذاكرة المهاجرين من خلال كتاب “خارج المكان” لإدوارد سعيد، فضلًا عن ذلك تجربتي الخاصة.

‏       فالمنفى ليس الابتعاد عن المكان، بل أن الإنسان أحيانًا يكون منفيًا في بلده وفي مجتمعه، وهذا ما نطلق عليه “الاغتراب”، وقد كتبت دراسة عند الاغتراب لدى الشاعر بدر شاكر السياب منشورة في كتاب “هسهسات الضوء – في أنطولوجيا الثقافة العراقية” (2026)، ويصادف أحيانًا أن يغترب الإنسان عن الجماعة والمجتمع الذي ينتمي إليه، وتلك إحدى محن المثقّف حين لا يفهمه من هو أقرب إليه.

المغترب لا يعيش اغترابًا عن المكان فحسب، بل يسعى لتعويضه بالذاكرة واستعادة اللغة، والمنفى يضعه أمام سؤال كبير بخصوص هويّته، فيتساءل مع نفسه: من أنا؟ وما علاقتي مع مجتمعي الجديد؟ وكيف السبيل إلى التعايش مع هويّات أخرى والتفاعل معها وقبولها؟ وأحيانًا مع بعض المتعصبين في المجتمع الجديد الذي لا يتقّبل المنفي أو المهاجر، ويتعامل معه باعتباره دخيلًا ومنافسًا ضد قيم حضارته لأنه من حضارة أخرى.

وتخفّ وطأة حالة النفي حين يجد المنفي ظرفًا مناسبًا وتشتدّ حين يكون العكس، ولكن النظر إلى الوطن يصبح أوثق أحيانًا، حين تبتعد آلاف الكيلومترات، ‏فتبدأ باستعادة التفاصيل وترسم الصور وتضفي عليها خيالات جديدة من عندياتك.

شخصيًا أقول لقد رأيت الوطن من الداخل، لكن صورته كانت أوضح بالنسبة لي من الخارج، تأملته مثل لوحة علقتها على جدار مكتبي. كنت أنظر إليها كل صباح لأرى تفاصيل خريطة العراق فتمنحني قدرة على التأمل والنقد والجمال.

لقد حملت المنفى في حقيبتين؛ الأولى – حقيبة الذاكرة، وتلك هي حقيبة المعنى والسيرورة؛ والثانية – حقيبة الكتب وتلك هي إحدى روافدي للتواصل مع الوطن.

لعلّ أجمل ما في المنفى هو أن يجعلك ترى الوطن بحساسية أكبر، ثم تشعر أنك أكثر مسؤولية إزاءه، ولعلّ إقامتي في المنفى زادتني معرفةً ‏بأوضاعه وأوضاع الوطن، فأصبحت أكثر تفحّصًا ‏ لمشاكله وجعلتني أكثر تسامحًا تجاه أخطائه، وهي معرفة عمّقت من استبصاري في حركيّته الإبداعية ونظرتي إلى الآخر، المختلف الغريب أو الأجنبي.

وكنت وأنا في المنفى “الاشتراكي” أو “الرأسمالي”، أشعر أنه ثمة فجوة معرفية نحتاج إلى ردمها، فالبلدان التي اعتبرنا حضارتها أقل من حضارتنا، كانت مع ذلك أكثر رحمة واحتفاءً بالآخر من بلداننا واستقبالًا لمهاجرينا، ودائمًا ما أقارن ذلك بحركة التنقّل والإقامة وسمات الدخول (فيزا) ومرور البضائع والسلع بين بلداننا العربية، وهذه البلدان بين بعضها البعض، دون أن أنسى ثمة رياح العنصرية أخذت تنتشر في هذه البلدان، في إطار موجة شعبوية استعلائية جديدة.

تولّدت لدي قناعة أن الغرب غربان والشرق شرقان، وإن كان هناك بعض التداخل أحيانًا، فالثقافة الأوروبية علّمتنا الكثير، ووقف بعض مثقفي الغرب إلى جانب قضايانا العادلة، ومنها حرب الإبادة الأخيرة على غزة بعد عملية طوفان الأقصى (7 تشرين الأول /أكتوبر 2023)، وهذا عكس الغرب السياسي الذي يتمثل في أيديولوجية عنصرية واستعلائية استعمارية تنظر إلينا نظرة دونية باعتبارنا “همج رعاع”.

كما أن الشرق شرقان، فبعضه يعتبر الآخر عدوًا وعنصريًا يريد استئصالنا، وآخر يعتبر الغرب مستودعًا لخير ما أنجبته البشرية من علوم وتكنولوجيا وآداب وفنون وعمران وجمال وتقدّم، وينبغي تصحيح علاقتنا معه على أساس القيم الإنسانية التي تجمعنا والتي ينادي بها الغرب نفسه، وليس سلوكه الاستعماري الاستغلالي، وأقول بهذا المعنى، ليس هناك مجتمع كفّار ومجتمع مؤمنين. والبشر حسب وجهة نظري هم وحدة إنسانية، ذات وآخر، حيث يمكنني التعرّف على ذاتي من خلال الآخر، وقد ولد الإنسان سؤالًا: ‏من أنا ومن أكون وما علاقتي بالآخر؟

وجدت في الغرب ثمة أفراد عرب لهم إبداعاتهم وعطاءاتهم وهم ينتشرون في أصقاع المعمورة، لكنهم وإن كانت أصولهم عربية، إلّا أنهم جزءًا من الحركة الإبداعية الغربية، وهذا يعني أن بلداننا التي خسرت هذه الكفاءات والأدمغة المهاجرة لم توفّر لهم الحد الأدنى من مستلزمات مواصلة إبداعهم، ولذلك اضطّروا إلى الهجرة. ويقول أدونيس أنهم يعملون في مؤسساتها وينتمون إليها وهم خلّاقون، ‏حتى وإن كانت ثقافة الغرب في أحد وجوهها جحيمًا، فهو الذي شنّ الحروب والحصار واستلب إرادتنا ونهب أموالنا، وبعد كل ذلك ظل يبشّرنا بالليبرالية المتوحشة بعد تخريب بلداننا.

أقول ذلك وأعيد طرح السؤال، كيف السبيل إلى ملاقحة ثقافتنا مع الثقافة الغربية إن لم يكن ثمة إنتاج وإبداع وابتكار من جانبنا، كي تكون المثاقفة متبادلة، أي لا نكون مستهلكين لما ينتجه الغرب، بل مساهمين، وإن بحدود، إلى ما ننتجه نحن، وبما نضيفه إلى الحضارة الكونية المشتركة.

 

س12 – يبدو أن حنينك طافحًا، ولكن إلى أين؟ إلى الطفولة إلى موطن الصبا الأول ومسقط الرأس؟ وماذا لو عدت، هل تتصوّر بعد غربة طويلة أنك يمكن أن تعيش حالة اغتراب جديدة؟

ج12 – ‏أحاول أن أعوّض ذلك بالكتابة المختلفة، مبتعدًا عن السفاسف، وأشعر بحنان جارف إلى الطفولة، بل إن طفولتي أصبحت أقرب إلى شيخوختي، الطفولة تعني العفوية والبراءة والتخيّل، وهكذا أخذت أستعيد حكايات والدتي نجاة وجدتي لوالدتي زهرة ووالدتها تاضي وجدتي لوالدي مكيّة، كما أستذكر بقوة علاقتي مع عمي ضياء الذي كان يناديني حسون (الطير الجميل)، لكنه للأسف رحل سريعًا.

أشعر بمصالحة روحية بين طفولتي وشيخوختي وكأني أمام شجرة التوت (الأبيض والأسود) إلى جوار شط الكوفة قرب قصر الملك مع عمي ضياء وعمي شوقي، كما أتذكر شجرة السدر في بيت جدي الحاج حمود وشقيقه الحاج عبد، وأكثر من ذلك أحنّ إلى مدرستي السلام الابتدائية، حيث كان الطلبة متحابون متعايشون في أجواء أقرب إلى المساواة، فلم نشعر حينها بأية تمايزات طبقية أو اجتماعية، فالعوائل تكاد تكون متكافئة ومتراصّة ومتعاونة، وعلى الرغم من أن ثمة تمايزات، لكننا كنّا نذوّبها بالعلاقات الوديّة، ففي عكد السلام، حيث ولدت، وفي بيت هو الأكبر في الحي، ويزدحم في المناسبات الدينية والاجتماعية بالزوّار والضيوف، كان بقربنا جيران أعزاء نتقاسم وإياهم المأكولات في المناسبات المختلفة أو حتى دون مناسبات.

يزداد حنيني إلى مدينتي الحبيبة ومسقط رأسي النجف الذي كتبت عنها سردية بعنوان “هذه النجف التي توشوشني“.

 

س13 – لديك علاقة حميمة مع المُدن، ما قصة ذلك؟

ج13 – المدن اكتشاف هي الأخرى، وهي رافد آخر للحوار مع الآخر والتفاعل معه، حيث تكشف عن ذاتك وعن المدن التي أحببتها من خلالها، وأكثر من ذلك أنني كنت أعيش مع بعض مبدعين من مدن أخرى، وأتخيّلهم عند زياراتي حيث يقطنون، واكتشفت من خلال قراءاتي الأولى أنني لا أستطيع إلّا أن أكون مع من قرأت لهم، والنص الإبداعي ليس هو ما أتوقف عنده، بل ما يثيره عندي من أسئلة.

       كنت أقتفي أثر بعض المبدعين في المقاهي وأجالس بعضهم وأحاور البعض الآخر، وفي مدن بعيدة ولتاريخ مضى، كنت كلّ ما زرت مدينةً تتبّعت أثر مبدعيها في مقاهيها، كما هي فيينا وباريس وبراغ وبودابست وهافانا وطنجة ومراكش وغيرها، دون أن أعدد مقاهي النجف وبغداد ودمشق وبيروت.

بعض المدن تشيخ وبعضها يبقى شابًا، أو أن بإمكانها تجديد شبابها أو لديها الاستعداد لذلك، بل والقدرة على فعله لاستعادة نضارتها، ومن هذه المدن بيروت، فرغم ما أصابها من أذى ومحاولات استلاب وتطويع، لكنها مصرّة أن تبقى مثل الغزالة الخضراء تتسابق مع الزمن، لا أحد يستطيع اصطيادها.

للأسف فإن الكثير من حواضرنا العربية تراجعت مثل دمشق وبغداد والقاهرة والإسكندرية، وجرت عمليات ترييف لها، بعد أن كان من يدخلها يشعر بالتمدّن تَبغدَدَ، تَدَمْشَقَ والقاهرة أم الدنيا والإسكندرية عروسة البحر.

 

س14 – ولأي من هذه المدن تنتمي؟

ج14 – ‏ربما عقلي موزّع بينها، وأشعر أن ثلاث ولادات لدي، الأولى في النجف “التي توشوشني” واستكملتها في بغداد “حيث الأمل”، وتلك كانت إرهاصاتي الأولى؛ والثانية في براغ “وثمة عشق”، حيث الأسئلة والنقد والمراجعة؛ والثالثة في بيروت و”العشق الملوّن” التي تتقاسم مع دمشق “التي علّمتني حبّ الصباح” مثلث العقلانية وإعادة القراءة والتأويل. أمّا لندن فقد مثّلت استقرارًا مؤقتًا واقترابًا من الانضباط، حيث أصبحت الحقوق أكثر وضوحًا، والنظام أكثر جدوى.

شخصيّا لا أشعر أنني منفي، خصوصًا في ‫ربع القرن الأخير، فهذا هو اختياري وأنا مدين للمدن التي عشت فيها مثلما مدين للنساء في هذه المدن الجميلة، وطني يبقى دائمّا وأبدا كما أشرت الحريّة واللغة العربية.

 

س15 – العالم يعيش ما بعد الحداثة حسب تعبيرات البعض، فأين نحن من ذلك؟

ج15 –  ‏نحن لم ندخل عالم الحداثة بعد، وكان لدينا فرصة في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، لكن عسكرة أنظمة الحكم وترييفها قطعَ خط التطور التدرّجي، وهذا كان عائقًا أمام دخولنا عالم الحداثة، خصوصًا وقد أمعنا في مصادرة الحريّات بحجة أن العدو يدق على الأبواب، وقايضنا التنمية والإصلاح بزعم تحرير الأرض وردّ الكرامة المهدورة، ولكن وبعد عقود من الزمن لم تعد الأرض، ‏بل فرّطنا بالمزيد منها، وضحينا بسبل التقدّم الممكنة والمنشودة، وتحولت الترسانة المسلحة إلى مجرد خردة، وبقي المواطن مذَلًا ومهدور الكرامة فقيرًا في منطقة من أغنى بقاع العالم، وهي التي قال عنها الرئيس أيزنهاور عام 1957، أنها أقيم قطعة عقار في العالم، ففيها تكامل في كل شيء، الثروة البشرية والكفاءة والموارد الطبيعية والأنهار والبحار والجبال والسهول والصحارى والموقع الاستراتيجي، وفيها أغنى وأقدم حضارات العالم، وفيها أنزل الله أنبياءه ورسله.

لقد فشلنا ولم نصل إلى بوابة مشروع الحداثة، واستمرت بلادنا مستتبَعة غير منتجة، بل مستهلكة تأخذ منجز العقل الغربي دون أن تفكر في حداثتنا، وتستورد التكنولوجيا وتتصور أنها الحداثة، ولكننا لا نستولد معها الإنسان الذي يتطلّع إلى الحريّة والعدالة والكرامة الإنسانية.

نحن بحاجة إلى عودة حقيقية لمشروع النهضة العربي في نهاية القرن التاسع عشر، الذي ارتكز على الحريّة والتنمية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وأقصد بذلك ولادة حداثتنا الجديدة وإنجاز مستلزماتها، ودونها سوف نبقى ننتج النفط ونبيعه لنأكل، ونعيد تجاربنا الفاشلة ويستمر تخلّفنا، في حين أن العالم يتقدّم بسرعة خارقة بفعل الذكاء الاصطناعي.

إن ما وصلت إليه البشرية خلال العقد المنصرم هو أكبر من كل ما أنجزته خلال خمسة قرون، فبعد اكتشاف الطباعة كان اكتشاف المحرك البخاري عملًا عظيّما قرّب المسافات، ثم جاءت الكهرباء فأضاءت العقول وفتحت الآفاق، وبعدها كان اكتشاف الكمبيوتر والهاتف الذكي، الذي يُعتبر عصفًا علميًا لم يسبق له مثيل، اختزل قرونًا من الزمن خلال بضعة سنوات، وكل ما سيكون لاحقًا فهو من إنجاز ما أطلق عليه الذكاء الاصطناعي بخيره وشرّه.

ولعلّ ذلك يحتاج من العالم تقنينًا ووضع ضوابط قانونية لاستخدامه كي لا يصب في طاحونة الحرب، والتدخّل في هويّات البشر وجيناتهم وخصوصياتهم، وتحويله لخير الإنسان باكتشاف الأمراض ومعالجتها قبل أن تنقضّ على البشر، إضافة إلى الإنذارات المبكّرة لتنبّؤات الزلازل والبراكين والتأثير على المناخ والطبيعة ومصلحة الإنسان.

 

س16 – هل يمكن للمثقف أن يبقى مستقلًا تمامًا، أم أن الجميع، بشكل أو بآخر، يدفع أثمان تموضعه؟

ج16 – ‏الاستقلال الكامل قد يكون مثاليًا، لكنه صعب التحقيق، لأن الإنسان ابن بيئته، وهو نتاج التاريخ والتجربة، ولكن ثمة فروق بين أن يتأثر بها المثقف وبين أن يُستخدم.

المثقف كائن يعيش في المجتمع وله مواقف وقناعات وانحيازات وآراء ومُثل وقيم وأخلاق وإيجابيات وسلبيات، لكن المشكلة أن بعض الانتماءات تتحوّل إلى ولاءات وتبعية وخضوع، ويصبح تبرير الأخطاء والارتكابات “مشروعًا” لدى البعض بحكم الانتماء إلى جماعة حزبية أو إثنية أو طائفية، في حين أن عليه الدفاع عن الحقيقة، وهذا ما رأيته في الانتماءات الحزبية، بغض النظر عن الأيديولوجيات.

الحفاظ على الاستقلالية أمرُ ضروري بحيث لا يضيع صوت المثقف داخل الجماعة أو يتحوّل إلى بوق لها أو يكون نافخًا في صورتها، عن قناعة أو للحصول على امتيازات، فإن ذلك وإن حدث وحصل على ما يصبو إليه، لكنه في نهاية المطاف لن يحترم نفسه ولن يلقَ احترامًا من لدن المجتمع، وخصوصًا حين يغادر مواقعه.

تعلمت من تجربتي أن المثقفين الذين اقتربوا من السلطات أو غاصوا في التنظيمات الحزبية فقدوا قدرتهم على النقد، وإن كان الذين ظلوا محتفظين باستقلالهم دفعوا أثمانًا باهظة، لكنهم تركوا أثرًا أو بصمة احترمتهم عليها السلطات أحيانًا، حتى وإن عارضوها، مثلما لا تستطيع المعارضات إلّا أن تنظر إليهم بإعجاب، حتى وإن اختلفوا في أسلوب تفكيرهم عنها، خصوصًا أصحاب المواقف المتميّزة.

 

س17 – لو عاد بك الزمن إلى بداياتك الفكرية، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟

ج17 – “ليس كلّ عين ترى” كما يقول ابن عربي، فلو عاد بي الزمن إلى الوراء سأختار طريق الإنسان كما فعلت، ولكن بعين أخرى، فالإنسان لا يختار ما ينجح فيه، بل يختار ما يؤمن به وما يمكّنه من مواجهة التحدّيات، وطريق الفكر ليس معبّدًا بالورود مثلما هو طريق النضال، إنه وعرٌ وغير سالك أحيانًا، وأمامه عقبات كثيرة ومنعرجات شديدة، وقد تكون وحدك لكنك لا تشعر بالعزلة، لأنك أدركت المعنى أكثر من قبل، وعلمت أن عليك ألّا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه، كما يقول الإمام علي، وتلك هي الحصيلة المجيدة.

 

س18 – متى يشعر المفكر بالخطر الحقيقي: حين يُمنع من الكلام، أم حين لا يعود أحد يصغي إليه؟

ج18 – المنع من الكلام خطر، ‏وإن أصبح اليوم غير ممكن، حتى وإن تم تقييده، ولكن بإمكانه الانتشار بفعل تكنولوجيا الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. والخشية من الكلمة تعني أنها مؤثرة، بل هي أقرب إلى مدفعية ثقيلة، والمستبدون والغزاة والطغاة هم من يخافون منها، لكن ما هو أخطر من المنع، شعور النخب باللاّمبالاة إزاء هذا التقييد، وإزاء الانتهاكات التي تقع على غيرهم، وكأنها لا تعنيهم، ولكن مثل هذا المنع قد يصلهم، بل يكون أشدّ قسوةً حين يكون تحريمًا أو تجريمًا أو تأثيمًا، حينها سيشعرون بالخطر، ولكن بعد فوات الأوان.

أحيانًا يسكت بعض المثقفين إذا كانت الانتهاكات بخصوص آخرين، ناسين أنها يمكن أن تشملهم في يوم من الأيام، وفي هذه الحالة فإنهم سوف لا يجدون من يتضامن معهم، ولعل وظيفة التضامن أساسية، وينبغي أن تكون حاضرة لنصرة حريّة التعبير وسجين الرأي وصانع المحتوى.

حين يصبح الكلام غير مؤثّر ويفقد المجتمع حساسيته إزاء ما يحصل ورغبته في السؤال فذلك هو الخطر الأكبر، وكثيرًا من الشعوب والمجتمعات وحتى الأحزاب أخذت تشعر بالتدجين والترويض بسبب الاستلاب الطويل الأمد، وفقدت حساسيتها إزاء النقد والاحتجاج، وأصبحت مطواعة بيد الحاكم أو السياسي.

 إن مسؤولية المثقف هي إيصال المعرفة إلى الناس، وأية معرفة تبقى في الكتب أو في صدور المثقفين ناقصة أو غير مفيدة، وقيمة الكلام ليس في قائله أحيانًا، بل في موقعه من الفهم والتلقي، حسب الجاحظ.

لم أعد أعتقد بالثنائيات المتضادة، حق وباطل وخير وشر وتقدمي ورجعي، بل ثمة تداخلات بين القوة والضعف والخطأ والصواب والأحلام والواقع.

وكنت دائمّا ما أكرر أن التسامح ليس ضعفًا، وإنما هو اعتراف بالآخر، وليس تنازلًا بقدر ما هو اشتباك مع الحق ودليل نضج وقوة، وذلك هو طريق اللّاعنف أيضًا. وخلال الثلاثة عقود ونيّف من الزمن، بذلت جهدًا وكرّست وقتًا لنشر وتعميم ثقافة التسامح واللّاعنف، من بينها كتابي “فقه التسامح – في الفكر العربي الإسلامي” (2005).

 

س19 – بعد هذا العمر الطويل مع الفكر والسياسة والكتابة… ما الذي تعرفه اليوم عن الإنسان ولم تكن تعرفه في شبابك؟

ج19 – أصبحت أعتقد مع مرور الأيام أن الإنسان أكثر تعقيدًا مما تصورته في مرحلة الشباب، حيث كانت نظرتي انطباعية مبسّطة، وربما تحمل شيئًا مثاليًا من الإسقاط على الواقع، فالإنسان تحرّكه المصالح وليس الأفكار وحدها، وأن للباطل من أدوات القوّة الغاشمة بحيث تكون أحيانًا أكثر ضجيجًا من الحق.

الإنسان هو الغاية وليست الأيديولوجيا، وحين تتحوّل الأيديولوجيا إلى غاية بحد ذاتها فإنها تبدأ بابتلاع الإنسان التي يزعم أصحابها أنها جاءت لتحريره.

لم يعد التصنيف التقليدي مناسبًا بتقسيم الناس إلى أخيار أو أشرار، وتقدميين ورجعيين وثوريين ومحافظين، ففي كل إنسان تناقضات وتعقيدات وتداخلات تجمع جوار الأضداد أحيانًا.

والفضيلة ليست قدرًا أبديًا، ولا يعني أن فلانًا يؤمن بالاشتراكية وينتسب إلى حزب شيوعي هو خيّر بالضرورة، فقد كان ثمة أشرار في صفوفنا أيضًا، وكل إنسان تصنعه ظروفه وواقعه الاجتماعي. ولا يعني أن فلانًا ينتمي إلى حزب إسلامي هو مؤمن، فكيف يجتمع الإيمان مع الفساد ونهب المال العام؟ ولا يعني أن فلانًا ينتسب إلى حزب قومي أو بعثي أنه يؤمن بالعروبة، بل قد يكون أكثر تعصّبًا للقطرية وأبعد ما يكون عن العروبة.

أخذت أميل إلى الشك المعرفي الديكارتي وأؤمن أكثر بالحوار وقيم التسامح والسلام واللّاعنف، كما أدركت أكثر أن الثقافة مسؤولية وهذه الأخيرة امتحان أخلاقي.

رأيتُ أن بعض من حملوا رايات الحريّة هم أكثر من غيرهم أحيانًا ممارسةً للتسلّط، خصوصًا إذا ما امتلكوا عناصر القوّة، سواء في السلطة أو خارجها، حين تتاح لهم الفرص، كما عرفتُ أن أكثر من تحدّث عن الفساد كان الأكثر من غيره فسادًا، وأن من ادّعى الشجاعة، وهي فضيلة من فضائل القلب، كان الأكثر جبنًا، وأن الذين تغنّوا بالشرف بمناسبة أو دونها، كانوا يفتقدون إليه، وإن من زعم الزهد كان لعابه يسيل لمجرد سماع أصوات الدراهم.

تعلّمتُ أن الكراهية لا تبني وطنًا ولن تشيد مجدًا، وأن الأوطان لا تقوم على العصبيات.

صحيح أنني خسرت الكثير والكثير، ولكن ما ربحته هو التخلّص من الكثير من الأوهام، وأدركت أهمية المراجعة والاعتراف بالخطأ مع احترام الذات والآخر.

وأجمل ما عرفته أن الإنسان لا يقاس بما يعلنه، بل بما يقوم به فعليًا، ففي تلك اللحظة يظهر معدن الإنسان الحقيقي، وتسقط جميع الأقنعة، فكيف تزعم التقدمية وفي الخفاء تمارس كل ما يؤدي إلى نقيضها، بما فيه التواطؤ مع أعداء بلادك، وتدّعي التديّن وأنت تنهب حتّى تبرعات المساجد والكنائس، وتلحّ على اسم العرب والعروبة، وأنت لا يجمعك جامع معها ومع سجاياها.

 

س20 – أصدرت أكثر من ثمانين كتابًا في الفكر والقانون والسياسة وحقوق الإنسان. أي كتاب تشعر أنه يمثل عبد الحسين شعبان أكثر من غيره؟ ولماذا؟

ج20 – ‏ربما يصعب على الكاتب أن يختار كتابًا واحدًا من بين كتبه، فكل واحد مثّل مرحلةً أو توجهًا أو وجهة نظر تاريخية، وكل مرحلة من هذه المراحل لها أسئلتها، أي أن لكل قشرة بصل عنوانها، أقول لك كلهم أبنائي ولم أكتب حرفًا واحدًا دون قناعة، لا في السابق ولا في الحاضر، وإن غيّرتُ بعض آرائي فذلك لأن معطيات جديدة اطّلعت عليها أو تطورات ومعلومات جديدة أحطتُ بها، الأمر الذي تطلب مني إعادة النظر، لكنها من حيث الجوهر بقيت تحمل بصمة عبد الحسين شعبان بكل تواضع.

الكتاب أثر لتجربة عاشها الكاتب وصراع فردي خاضه وأسئلة ظل يحملها بحثًا عن الحقيقة، وهي بمجموعها تمثّل جوهر المشروع الفكري الإنساني الذي حملته، ليس في السياسة بمعناها الضيق، بل في فلسفة الإنسان الحر ببعدها الثقافي والاجتماعي، وهي مترابطة وليس ثمة حواجز بينها، فالقانون يقود إلى الفلسفة، وهذه إلى علم السياسة والاجتماع والاقتصاد والنفس، وكلهم جزء من إطار ثقافي ومعرفي.

وكتبي لا تقدم أجوبة نهائية، بل تطرح أسئلة وتفتح أبوابًا ويبقى النص مفتوحًا وحالة للتفكير. الكتاب الأقرب إلى قلبي هو الكتاب الذي لم اكتبه بعد، فأنا في حالة حوار دائم مع النفس ومناقشة مع روحي ومراجعة لذاتي، ودائمًا ما أخطئ نفسي لكي أتلمس الصحيح.

 

س21 – من بين كتبك، هل هناك كتاب كتبته بعقلك بالكامل، وآخر كتبته بجراحك الشخصية؟

ج21 – ‏كل كتابة بالنسبة لي هي بالروح، وهي حوار بين القلب والعقل، ولا أُذيع سرًا إذا قلت إنني حسيّ “فيورباخي”، أتأثّر بالمحسوس بما فيه ما أقوله أو أسمعه أو أقرأه، والكلمة عندي تخرج من الفم واللسان لتدخل الأذن، وهذه تأخذها إلى القلب، والقلب يحيلها إلى العقل، وهكذا يصدر القرار، بالإيجاب أو بالسلب، وأحيانًا يحصل نوع من التنازع حول لمن الأفضلية، ومن يفوز القلب أم العقل؟ ويتغلب القلب في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يفوز العقل، وإذا ما سار القلب مع العقل بتوازن واتفاق، فذلك هو الطموح والمآل.

لم أكتب وأنا مُسترخٍ، بل شديد التوتر، سواء ما يتعلق بالتجربة أو بالوضع العام، فكل ما حولي مدعاة للتوتر والقلق وعدم الطمأنينة، وفي هذه البيئة أعمل.

أنا لست مثقفًّا سويديًا أو نرويجيًا أو أمريكيّا أو ألمانيًا أو فرنسيًا لأكتب في ظروف طبيعية. لقد كتبت في ظروف العمل السري والمطاردات، وكتبت في المنافي البعيدة والنائية، كما كتبت في جبال كردستان وتحت القصف وبين الألغام، وكتبت عن الحصار وعن شخصيات لامعة عربية وعراقية في أنطولوجيات جامعة، ولكن كل تلك الكتابة كانت تحت التوتر، وهذا لا يعني الانفعال، بل التفاعل والاشتباك الودّي، أي من موقع المسؤولية والحساسية الشديدة.

 للمنفى شروطه وقوانينه، والمثقف مطالب بأن يحوّل تجربته الشخصية إلى معرفة عامة، وأن يجعل الألم درسًا إنسانيًا يتعامل معه بارتياح وكأنه لا يخصّه، ويصبح كذلك حين يحوّله إلى سردية حكائية، بعيدًا عن الكراهية أو الانتقام، ودائمًا ما أردّد رذيلتان لا تُنتجان فضيلة.

 لم أتعلّم السكوت ولم أدّعي المظلومية أو الاضطهاد، ولم أحاجج بالأحقيّات، بل كتبت تحت عناوين مقاومة النسيان ومقاومة الرثاثة ومقاومة اختزال التاريخ في رواية واحدة. وكتبت لنقد الأحادية الإطلاقية الدعائية ضد الحرب والإبادة ومن أجل السلام وتقرير المصير ومن أجل أن يعمّ الجمال العالم، وينعم الإنسان بالحريّة.

 

س22 – في كتاباتك يبرز حضور القانون وحقوق الإنسان باستمرار. متى أدركت أن المعركة ليست فقط سياسية، بل قانونية أيضاً؟

ج22 – في السابق كان الاعتقاد السائد أن مجرّد تغيير السلطة أو النظام السياسي يحلّ المشكلة، لأنها تنحصر به، لكن التجربة أثبتت أن التغيير ينبغي أن يكون في المضمون وليس في الشكل، وأن الثورة حسب ياسين الحافظ ليست نقرًا في السطح، بل هي حفر في العمق.

نحن بحاجة إلى عملية انتقال طويلة الأمد بقواعد العدالة الانتقالية التي عملت عليها طويلًا، ابتداءً من كشف الحقيقة والمساءلة والتعويض وجبر الضرر وصولًا إلى إصلاح النظام القانوني وأجهزة إنفاذ القانون.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن العدالة الانتقالية هي مسار طويل الأمد، وتختلف عن ما هو دارج من مفاهيم مغلوطة لما يُطلق عليه “العدالة الانتقامية”، لأن هدف الأولى الأبعد هو إحداث مصالحة مجتمعية تكون مساعدة لعملية التحوّل الديمقراطي، خصوصًا الاعتراف بالآخر وتداول السلطة سلميًا، وكل ذلك في إطار مؤسسات جديدة، وهنا يبرز دور القانون، ليس باعتباره نصوصًا جامدة، بل هو التعبير العملي عن فكرة العدالة.

 الدولة بدون حكم القانون ستكون دولة الحاكم، وبإرادته يتم تسيير أمور المواطنين، لا باعتبارهم أصحاب حقوق، بل يمنحون مكرمات، ومن هنا يأتي الاهتمام بحقوق الإنسان، ليس كواجب حقوقي وأخلاقي فحسب، بل هو واجب قانوني لا غنى عنه. فحتى الحريّة، وبما فيها حريّة التعبير، تحتاج إلى حماية قانونية، ووظيفة القانون منع القوّة أن تصبح حقًا، ودعم الحق ليصبح قوة.

 

س23 – كتبت عن شخصيات وتيارات مختلفة جداً. هل الكتابة عن الآخر كانت دائماً محاولة للفهم أم أحياناً للمساءلة أيضاً.

ج23 – ‏الآخر هو مرآة الذات، ومن لا يستطيع فهم الآخر لا يستطيع فهم نفسه، والكتابة عن الشخصيات الأخرى هو حوار معها ومع النفس، وليس بالضرورة أن تكون موافقًا على جميع ما قدّمته، بل حاولت أن أضعها في سياقها التاريخي والفكري عبر الحوار، كما تعاملت معها من زاوية التكامل الثقافي لمنجزها الإبداعي وما أضافته للثقافة العربية والعراقية، ودائمًا ما أفكر بما هو إيجابي لدى الآخر.

وكتبت عن يساريين وقوميين ودينيين عربًا وكردًا، وعن مسلمين ومسيحيين وغيرهم من الأديان الأخرى، وعن مؤمنين وغير مؤمنين، لكن ما يجمعهم هو الإبداع وما تركوا من تأثير في مجتمعاتهم باختصاصاتهم المختلفة من الشعر إلى الرواية والمسرح والسينما والرسم إلى علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة والأدب والفن.

أجد في كتابتي عن الآخر ارتقاء في الإنسانية وتفاعل وتواصل لفهم الإنسان استكمالًا لفهم ذاتي.

 

س24 – هل تشعر أن كتاباتك كانت أقرب إلى التوثيق لعصر كامل، أم إلى محاولة تغييره؟

ج24 – ‏الاثنان معًا، فهي توثيق وهي محاولة استشراف للتنوير، وتلك مسؤولية الكاتب، كل كتابة لها تاريخ ولها فلسفة وهي مسؤولية مزدوجة أن أسجّل ما حدث بروح النقد القائم على المعرفة التي تعطي للنقد معناه.

لقد عشت زمنًا مليئًا بالتحولات الكبرى من صعود الأيديولوجيا بعد عصر القوميات، واليوم نعيش عصر الهويّات ولا ندري إلى أين ستقودنا؟

لقد انهارت مشاريع كبرى، وأطيح بالكتلة الاشتراكية بعد 70 عامًا من حكم الاتحاد السوفيتي، وأربعة عقود من الزمن ونيف من حكم أوروبا الشرقية، وانهارت إثرها الكثير من المشاريع المحلية، وارتكست حركات شيوعية وقومية، وتعاني الحركات الإسلامية من تحديّات قد تعصف بكيانياتها، وتبرز أسئلة حول الدولة والهويّة والمواطنة.

 

س25 – الجواهري عاش تحولات العراق كلها تقريبًا؛ الملكية، الانقلابات، الجمهوريات، المنافي، والصدامات الكبرى مع السلطة. هل تقرأ شعره اليوم بوصفه ديوان شاعر، أم بوصفه أيضًا أرشيفًا حيًّا لتاريخ العراق الحديث؟

س25 – ‏الجواهري ليس مجرد شاعر، إنه حالة شعر، وكل ما فيه يدل على الشعر، وهو ذاكرة العراق الناطقة في القرن العشرين. كان الجواهري شاهدًا وناقدًا ومشاركًا أحيانًا، حمل نبض الشارع وغضب المظلومين وقلق المثقفين وحيرة الوطن بين الحلم والواقع.

كان سؤال الإنسان عميقًا في شعر الجواهري، وهو سؤال التمرّد والجمال والحرّية، وحمل تناقضات عصره وهمومه وانقساماته الاجتماعية. العراق كان يكتب نفسه من خلال الجواهري. حاجة الإنسان إلى الشعر لا تنتهي مثل حاجته إلى الموسيقى والغناء والرقص والمسرح والرسم والفن بشكل عام، وإن كانت الرواية تلقى اليوم اهتمامًا كبيرًا ربما أصبح موازيًا للشعر إن لم يفقه.

 

  • نشرت في موقع شغف في 15 تموز / يوليو 2026، وهو منصة ثقافية عربية مستقلة تُعنى بالفكر والأدب والفنون والكتاب

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB