
من السياسة إلى الاقتصاد.. القطيعة الجزائرية مع الإمارات تهدد مستقبل استثمارات استراتيجية
من السياسة إلى الاقتصاد.. القطيعة الجزائرية مع الإمارات تهدد مستقبل استثمارات استراتيجية
يفتح قرار الجزائر قطع العلاقات السياسية والدبلوماسية مع الإمارات مرحلة جديدة وملتبسة بشأن مستقبل الاستثمارات الإماراتية في السوق الجزائرية، وسط تساؤلات متزايدة حول مصير رؤوس الأموال والمشروعات القائمة في قطاعات استراتيجية.
ورغم أن التداعيات المباشرة للقطيعة السياسية يُرجح ألا تكون كبيرة على مستوى المبادلات التجارية، في ظل محدودية الوزن النسبي للإمارات كشريك تجاري للجزائر، فإن الأنظار تتجه بصورة أكبر إلى الاستثمارات الإماراتية القائمة، ولا سيما في قطاعات الموانئ والصناعة والعقارات.
وتضع التطورات السياسية هذه الاستثمارات أمام مرحلة من عدم اليقين، قد تفرض إعادة تقييم طبيعة المصالح الاقتصادية المشتركة، وتدفع الشركات والمستثمرين الإماراتيين إلى بحث خيارات متعددة بشأن استمرار أنشطتهم وتوسيعها، في ظل ما قد تفرزه القطيعة من تداعيات على البيئة الاستثمارية وآليات التعاون الاقتصادي بين البلدين.
ووفق أستاذ الاقتصاد والبرلماني الجزائري السابق، عبد القادر بريش، فإن النقطة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ترتبط بالاستثمارات الإماراتية الموجودة في الجزائر، والتي تتركز في عدد من القطاعات، من بينها الموانئ واللوجستيات والتبغ والعقار والفندقة وغيرها.
وأوضح بريش، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية لا يؤدي تلقائياً إلى زوال هذه الاستثمارات، باعتبار أن العقود القائمة واتفاقيات الشراكة والمساهمات في رأس المال تخضع للقوانين والاتفاقيات المنظمة للاستثمار، ولا يمكن إنهاؤها أو تصفيتها خارج الأطر القانونية والتعاقدية التي تحكمها. وأكد أن قطع العلاقات، في حد ذاته، لا يعني مصادرة الاستثمارات أو إلغاء العقود أو إنهاء النشاط القانوني للشركات التي تساهم فيها جهات إماراتية، وإنما يضع العلاقات الاقتصادية القائمة أمام واقع سياسي جديد فرضته السيادة الجزائرية.
غير أن استمرار العقود والاستثمارات قانونياً لا يعني بالضرورة بقاء العلاقة الاستثمارية بالشكل نفسه الذي كانت عليه قبل القطيعة. فحركة رؤوس الأموال والاستثمارات تتأثر بطبيعة العلاقات السياسية ومستوى الثقة بين الدول، وهو ما يجعل مستقبل بعض الاستثمارات الإماراتية في الجزائر مرشحاً لإعادة التقييم في ضوء المرحلة الجديدة. ولفت بريش إلى إمكانية التخارج وبيع الحصص، بدلاً من تصفية النشاط الاقتصادي نفسه، وقد تنتقل ملكية بعض هذه الحصص، بحسب طبيعة كل مشروع، إلى مستثمرين جزائريين، بما في ذلك مؤسسات أو شركات مملوكة للدولة، أو إلى مستثمرين أجانب. وتتركز الاستثمارات الإماراتية في الجزائر في عدد من القطاعات، من بينها قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، حيث تنشط شركة موانئ دبي العالمية في تسيير ميناء الجزائر العاصمة وميناء جن جن بولاية جيجل.
من الناحية القانونية، فإن عقد الامتياز الممتد لمدة 30 عاماً لم ينتهِ رسمياً بعد، حيث يُفترض أن يستمر إلى غاية عام 2039، غير أن الشراكة تواجه، على أرض الواقع، تجميداً عملياً، ففي سبتمبر/أيلول 2019، أنهت الحكومة الجزائرية احتكار موانئ دبي لبعض الصلاحيات، كما استرجعت أسهم مجمع الخدمات المينائية (سيربور)، ليتحول الشريك الجزائري مباشرة إلى مؤسسة ميناء الجزائر، في خطوة أدت إلى تقليص نفوذ الشركة الإماراتية.
وفي قطاع الصناعات العسكرية، شمل التعاون الجزائري الإماراتي خلال السنوات الماضية عدداً من المشاريع المرتبطة بتجميع وتصنيع المركبات المدرعة وتطوير القدرات الصناعية الدفاعية. ومن بين هذه المشاريع شركة “نمر الجزائر”، التي تأسست في إطار شراكة بين مجموعة “إيدج” الإماراتية ومجمع ترقية الصناعات الميكانيكية التابع لوزارة الدفاع الوطني الجزائرية.
ويشمل هذا التعاون مصنعاً في خنشلة مخصصاً لإنتاج المركبات المدرعة الخفيفة من طراز “نمر”، بطاقة إنتاجية تقدر بمئات العربات سنوياً، إلى جانب استثمارات موجهة إلى تطوير خطوط الإنتاج والتجميع. كما شمل التعاون مشروع إنتاج مدرعات “فوش 2” في الجزائر. وامتد التعاون كذلك إلى قطاع المركبات النفعية ذات الاستخدام العسكري وشبه العسكري، من خلال مشاريع مرتبطة بمصانع مرسيدس بنز في تيارت والرويبة، لإنتاج مركبات رباعية الدفع وشاحنات موجهة للاستخدامات العسكرية وشبه العسكرية.
وفي قطاع التبغ، تنشط مجموعة من الشركات الجزائرية الإماراتية، من بينها الشركة الجزائرية الإماراتية للتبغ “سيتيم” والشركة المتحدة للتبغ، وقد شهد هذا القطاع خلال الفترة الأخيرة إجراءات ومراجعات ذات طابع قانوني وتنظيمي من جانب السلطات الجزائرية، شملت بعض العقود والمعاملات والتعاملات التوثيقية المرتبطة بهذه الشركات. أما في المجال العقاري، فقد ارتبط الحضور الإماراتي في الجزائر بعدد من المشاريع، أهمها مشاريع شركة “إعمار” ومشروع “دنيا بارك”، غير أن غالبية هذه المشاريع لم تُنجز وفق التصورات الأولية، ولم تعد تمثل، في الوقت الراهن، مشاريع عقارية إماراتية قائمة أو قيد الإنجاز.
وبرزت تصريحات الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، في الواجهة، إذ ذكّرت، في تصريح صحافي، بأن الحزب عارض، خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2015، منح 50% من محطة ميناء الجزائر لموانئ دبي، وقالت إن الحزب ناضل من أجل إلغاء القرار، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للميناء وارتباطه، وفق تقديرها، بالأمن الداخلي والأمن القومي.
كما أعادت حنون طرح ملف شركة التبغ والكبريت، معترضة على التنازل عن 65% من رأسمال الشركة لمصالح مرتبطة بمستثمر إماراتي، واعتبرت أن الشركة كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة للخزينة العمومية، باعتبارها ثاني ممول للخزينة من الضرائب بعد مجمع سوناطراك.
كما تطرقت المتحدثة إلى مشروع “دنيا بارك” الضخم، مؤكدة أن حزب العمال لم يكن موافقاً عليه، مشيرة إلى أن الدولة الجزائرية دفعت مبالغ كبيرة في إطار التحكيم الدولي المرتبط بالمشروع، وذهبت إلى أبعد من هذا حين ذكرت أن الحضور الاقتصادي الإماراتي في الجزائر يتجاوز البعد التجاري والاستثماري البحت، معتبرة أن بعض الامتيازات والمشاريع تحولت إلى مصدر نفوذ داخل قطاعات ذات أهمية بالنسبة للاقتصاد الوطني والسيادة الجزائرية.









