لهيب هرمز يشتعل مجدداً: كلفة التصعيد العسكري تربك أسواق الطاقة العالمية

فرض التصعيد العسكري الأخير ضغوطاً حادة على أمن الطاقة العالمي إثر الغارات الأميركية على جزيرة خارج والرد الإيراني الصاروخي الواسع. هذا الاحتدام المباشر في مضيق هرمز قوض الاستقرار الإقليمي الهش، لتنعكس كلفته الاقتصادية سريعاً بقفزة في أسعار النفط فوق 90 دولاراً للبرميل، مهدداً بتبعات ثقيلة على أسواق الخليج والتجارة الدولية.

وأكد رئيس الاستثمار في صندوق غالو بارتنرز، ميكائيل ألفارو، أن هذا التوتر العسكري يكرّس علاوة مخاطر مستمرة في الأسواق الدولية ويضع الاقتصادات الخليجية أمام مواجهة مباشرة مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتراجع تدفقات الطاقة والسلع عبر الممر المائي الحرج في مضيق هرمز، حسبما أورد تقرير نشرته “فايننشال تايمز” أمس الاثنين.

والتداعيات الاقتصادية لهذه التطورات لا تقتصر على القفزات اللحظية في أسعار الخام، إذ تمتد لتفرض ارتفاعاً مستداماً في علاوة المخاطر البحرية وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، إلى جانب كلف الشحن الصاعدة، بحسب مراقبين، وهو ما توضحه البيانات الملاحية التي رصدت أن حركة عبور الناقلات والسفن التجارية عبر مضيق هرمز ظلت عند مستويات متدنية للغاية ومحاطة بمخاطر عالية، بعدما استقرت التهديدات عند مستوى شديد، وسط امتناع واسع من شركات التأمين عن تغطية السفن التي لا تلتزم بالتوجيهات الأمنية.

مسارات ضيقة

في هرمز ظلت مئات الناقلات تحاول عبور مضيق هرمز عبر مسارات ضيقة أو مغلقة طوال الأسابيع الأربعة الماضية في ظل قيام الزوارق الإيرانية باعتراض السفن وتحذيرها من الدخول إلى المنطقة، ولذا يرى محللون في قطاع التأمين البحري أن حالة الشك الأمني تلك تجعل استعادة معدلات الملاحة الطبيعية أمراً بعيد المنال في المدى القريب، ما يضاعف الأعباء المالية على مالكي السفن والمستوردين في المنطقة، بحسب تحليل نشرته منصة لويدز ليست (Lloyd’s List)، المتخصصة في شؤون النقل البحري والتجارة العالمية، في 31 أغسطس 2026.

وذكر التلفزيون الإيراني، أمس الاثنين، نقلاً عن بيان صادر عن الحرس الثوري، أن ناقلة نفط عملاقة اشتعلت فيها النيران وتوقفت تماماً بعد اصطدامها بلغمين بحريين في الجزء الجنوبي من مضيق هرمز. ويشكل التهديد المستمر للملاحة ضغطاً على صادرات الطاقة الخليجية وأنشطة الموانئ والتجارة غير النفطية، حيث تسبب الشلل الملاحي في تكدس عدد ضخم من السفن والبحارة داخل مياه الخليج العربي بدون قدرة على المغادرة الآمنة، كما ألقى بظلاله السلبية على ثقة المستثمرين الأجانب، الذين يراقبون بارتياب تزايد المخاطر التشغيلية واللوجستية وارتفاع تكاليف نقل المنتجات النهائية والسلع الوسيطة إلى الأسواق العالمية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة ذا ماريتيم إكزيكتيف (The Maritime Executive)، المتخصصة في شؤون الملاحة والأمن البحري، في 28 أغسطس الماضي.

سياسة الضغط المكثف

في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، في حديث لـ “العربي الجديد”، إلى أن التصعيد والعودة للمواجهة العسكرية الأميركية ضد إيران ليسا أمراً مستغرباً، خاصة بعد انتهاء مفاعيل مذكرة التفاهم السابقة بين الطرفين، حيث تتجه سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو الحفاظ على ضغط عسكري واقتصادي مكثف دون خوض حرب شاملة واسعة النطاق بالضرورة.

ويهدف هذا النهج بشكل أساسي إلى الاستحواذ الكبير على مصادر الطاقة ومواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة، إذ إن الصين تستورد نسبةً كبيرةً من احتياجاتها النفطية من إيران، ما دفع واشنطن لتشديد العقوبات ومنع تصدير أي برميل نفط إيراني، وهو ما تزامن مع ضربات عسكرية أميركية لم تعد تكتفي بالعقوبات الاقتصادية بل انتقلت لمرحلة جديدة من “الخنق الاقتصادي” والعسكري المباشر، بحسب المصري.

وتنعكس هذه التطورات سلبًا على دول الخليج عبر تداعيات اقتصادية طويلة الأمد، أبرزها، حسب المصري، استمرار التوتر وانعدام الأمن في مضيق هرمز، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، بالإضافة إلى مخاطر التعرض للاستهدافات العسكرية المباشرة، وهو ما يؤثر حتمًا على استقرار أسعار النفط ومستقبل أسواق الطاقة العالمية.

ويرى المصري أن ترامب هو المستفيد الأكبر من عودة الاضطراب في المضيق، فالولايات المتحدة نفسها غير متأثرة بإغلاق هرمز نظرًا لاكتفائها الذاتي وتصديرها للغاز والنفط، بل إن إبقاء التوتر قائمًا يسمح لواشنطن ببيع طاقتها لأوروبا بأسعار مرتفعة كبديل عن النفط والغاز الروسيين، ما يحقق مكاسب ضخمةً من خلال المضاربات والسمسرات في سوق الطاقة، وفق تعبيره.

وإزاء ذلك، فالمنطقة أمام سياسة قائمة على افتعال الحروب والتوتر لتحقيق مكاسب نفطية وسياسية، وفق المصري، موضحًا أن ترامب يسعى للدخول مباشرةً على خط “أوبك بلس” وإعادة صياغة عمل المنظمة وفقًا لسياساته وحروبه المفتعلة بدلاً من آليات العرض والطلب التقليدية، مستغلاً سيطرته على مصادر طاقة كبرى في الكاريبي وفنزويلا وتأثيره على مضيق هرمز.

ويخلص المصري إلى أن العوامل سالفة الذكر تؤثر سلباً على اقتصادات دول الخليج ودورها الإقليمي وثقة المستثمرين الذين يتطلبون بيئة مستقرة وآمنة، ما يضع تلك الدول أمام واقع جديد وخطير يستلزم إعادة نظر جذرية في مرونة علاقاتها الدولية واستراتيجياتها، بدلاً من السير في حالة من اللايقين والاستقرار الوهمي الذي يهدد مستقبل مجتمعاتها النفطية وصناديقها السيادية.

في السياق، يرى كبير الاقتصاديين في مؤسسة “إنفيستيك” (Investec) العالمية، فيليب شو، أن استمرار انسداد الأفق الدبلوماسي وتصاعد التوتر العسكري قرب مضيق هرمز يفرضان أعباءً اقتصاديةً متزايدةً ومباشرةً على الأسواق الإقليمية والدولية، بحسب تقرير نشرته منصة المؤسسة.

ويوضح شو أن اتجاه الأزمة نحو مواجهة طويلة الأجل واضطراب ممتد في الممر المائي الحرج يزيد من احتمالات إطالة فترة تعطيل الملاحة عبر المضيق، ما يمنع أسعار الطاقة من التراجع السريع ويشكل ضغطاً متواصلاً على تكاليف التوريد والخدمات اللوجستية.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون