سلطنة عمان تراهن على الشراكة اللوجستية مع السودان لتعزيز نفوذها الاقتصادي

تراهن سلطنة عُمان على الشراكة اللوجستية مع السودان لتعزيز نفوذها الاقتصادي، في وقت تشهد فيه الموانئ والممرات التجارية تنافساً متزايداً.

 وتهدف مسقط من هذه الخطوة إلى بناء موطئ قدم لها على البحر الأحمر، مراهنةً على المدى الطويل على تعافي السودان واستعادة دوره في التجارة الإقليمية.

وفي هذا السياق، وقع البلدان مؤخراً مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون في قطاعات النقل، والخدمات اللوجستية، والموانئ، والسكك الحديدية، والشؤون البحرية، بالإضافة إلى التدريب وتبادل الخبرات.

 وتكشف هذه الاتفاقية عن توجهات عُمان الاستثمارية المستقبليّة، وتطلّعها لتأمين مسارات تجارية بديلة في ظل تداعيات الحرب والمخاطر المحيطة بمضيق هرمز.

ويهدف الاتفاق إلى تحقيق تكامل نوعي في البنية التحتية البحرية، إذ نص على “تعزيز التعاون في إدارة الموانئ، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، مع دعم تطوير سلاسل الإمداد والتكامل البحري بين عُمان والسودان”.

 وتهدف السلطنة، من خلال هذا الإطار، إلى استغلال خبراتها المتراكمة في الإدارة الرقمية للموانئ لبناء روابط بحرية قوية تخدم أهداف التنويع الاقتصادي الوطني، حسبما أورد تقرير نشرته منصة ترانسبورت أدفانسمنت (Transport Advancement)، المتخصصة في شؤون النقل والخدمات اللوجستية ومشاريع البنية التحتية العالمية، في 24 يونيو/ حزيران الماضي.

صعوبات بنيوية

غير أن عقبة رئيسية أمام هذه الشراكة تكمن في الواقع الأمني المعقد والاضطرابات الميدانية المستمرة في السودان منذ ربيع عام 2023، إذ انعكست الحرب الدائرة هناك بشكل مباشر على قدرات الموانئ والنشاط التجاري الداخلي والخارجي، فضلاً عن تدهور الوضعين الإنساني والمالي في البلاد.

وتتضح الصعوبات البنيوية التي تعيق التنفيذ الميداني الفوري للمشاريع الطموحة بالنظر إلى حجم الأزمة؛ فمنذ اندلاع الحرب في 15 إبريل/ نيسان 2023، شهد السودان واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث، مع انهيار الخدمات الأساسية، والنزوح الواسع، وتفاقم الفقر الذي يؤثر في المجتمعات بجميع أنحاء البلاد.

وترتبط مكاسب سلطنة عُمان، حال نجاح الشراكة مع السودان، بتمكين الذراع الاستثمارية اللوجستية الحكومية للسلطنة، المتمثلة في مجموعة “أسياد”، من التمدد إقليميا وتصدير خبراتها الفنية المتطورة في تكنولوجيا الموانئ، كما تعمل السلطنة بخطى حثيثة على جذب استثمارات كبرى لتعزيز جاذبية ممراتها اللوجستية، وهو ما توج مؤخراً بإبرام اتفاقية لتطوير وتشغيل محطة لوجستية متعددة الأغراض في ميناء صحار بقيمة 400 مليون دولار، بالتعاون مع شركة “سي إم آيه سي جي إم” الفرنسية.

ويدعم الاتفاق مع السودان هذه التطلعات التوسعية، لا سيما أن قادة المجموعات الاستثمارية العُمانية يتبنون هذه الرؤية؛ إذ صرح الرئيس التنفيذي لمجموعة أسياد، عبد الرحمن الحاتمي، بأن “هذه الشراكة تعكس رؤية مجموعة أسياد في بناء تحالفات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية لتعزيز الجاذبية التجارية للموانئ العمانية وتعظيم القيمة الاقتصادية لأصولها”، بحسب تقرير نشرته منصة سيتريد ماريتيم (Seatrade Maritime)، المتخصصة في الشؤون البحرية والموانئ والنقل البحري العالمي، في 30 يونيو/حزيران الماضي.

خبرات عُمان واستثمار المستقبل

وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، لـ”العربي الجديد”، إلى أن الشراكة مع السودان تعد استثماراً استراتيجياً للمستقبل، خاصة مع التوقعات بانتهاء الحروب والمشكلات الداخلية هناك واستقرار الأوضاع، بما يهيئ الأرضية لتعاون مثمر في المرحلة المقبلة.

 ويضيف الطوقي أن سلطنة عُمان تتمتع بخبرة متراكمة وكبيرة في مجال اللوجستيات وإدارة المطارات، وهو ما يتجلى بوضوح من خلال نجاح الشركات العُمانية في إدارة بعض المطارات في العراق، بالإضافة إلى وجود شراكات مع دول أخرى مثل أذربيجان وكازاخستان، بما يعكس القدرة التنافسية العالية للقطاع العُماني في هذا المجال الحيوي، وهو ما يمكن الاستفادة منه في الشراكة مع السودان.

وتسعى الشركات العُمانية الكبرى، مثل “أسياد”، إلى توسيع نطاق عملياتها من خلال الاستحواذ على شركات عالمية في قطاع النقل والمواصلات، بما يمكنها من دخول أسواق جديدة وإقليمية.

وبذلك تكون عُمان جاهزة للتوسع والتعاون مع السودان عند عودة الأمن واستتباب الحياة الطبيعية فيه، بوصفها أول شريك وحاضنة إقليمية، حيث سيتم تبادل الخبرات والاستفادة المتبادلة لتعزيز القدرات اللوجستية والاقتصادية للطرفين، بحسب الطوقي.

فرص استثمارية ومنافذ للتصدير

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي محمد الناير، لـ”العربي الجديد”، إلى أن العلاقات بين سلطنة عُمان والسودان تتميز بالمتانة على المستويين الشعبي والرسمي، حيث تؤكد مسقط دائماً وحدة السودان وسيادته، وهو ما يستدعي تتويج هذه العلاقات باتفاقيات اقتصادية قوية تعزز التعاون المشترك.

ويلفت إلى أن مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والموانئ والشؤون البحرية تكتسب أهمية استراتيجية كبرى، خاصة مع عودة الخطوط البحرية السودانية إلى الساحة بعد شراء باخرة جديدة، ما يفتح آفاقاً واسعة لتعزيز التعاون في مجالات النقل البحري والسكك الحديدية والنقل البري، إلى جانب تبادل الخبرات والتدريب بين الجانبين لرفع كفاءة هذه القطاعات الحيوية.

ومن الفرص الواعدة أيضا، بحسب الناير، بحث إيجاد منفذ لتصدير الذهب السوداني عبر سلطنة عُمان، بالإضافة إلى زيادة حجم التبادل التجاري الثنائي في مختلف السلع والمنتجات، ما يتطلب تفعيل اللجان الوزارية التنفيذية وعقد اجتماعاتها بصورة منتظمة لمتابعة تنفيذ المشروعات على أرض الواقع والاستفادة المثلى من الإمكانيات والقدرات المتاحة لدى الطرفين.

فالسودان، وفق رؤية الناير، يمثل بيئة خصبة للاستثمار العُماني بفضل موارده الطبيعية الضخمة، حيث يمكن للسلطنة الاستثمار في قطاعات متعددة تشمل النقل بمختلف أشكاله، والنشاط الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، والصناعات الاستخراجية للمعادن والنفط، فضلاً عن الصناعات التحويلية، وكذلك القطاع الخدمي، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وزيادة التدفقات التجارية بين البلدين بصورة ملحوظة.