الدكتورة مها عامر تكشف لـ “حرمون” أسرار الاستشفاء الذاتي و”الطبيب الخفي..” برحلة من الألوان إلى أعماق النفس

 

تنسيق وإعداد: فادية الجرماني الحلبي

في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، وتتزاحم فيه الأقنعة والمسؤوليات، يصبح الالتفات إلى الداخل شجاعة، والبحث عن السلام النفسي رحلة بطولية. ضيفتنا اليوم في منصة “حرمون” هي قامة جمعت بين رقة الريشة وعمق البصيرة؛ فنانة تشكيلية رأت الجمال في تفاصيل مهملة فأعادت تدويرها، وأمٌّ استثمرت عشر سنوات من عمرها في بناء أرواح أطفالها، قبل أن تعود بمزيد من النضج لتغوص في أعماق النفس البشريّة.

هي الدكتورة مها جاد الله عامر، ابنة جبل السويداء الأشم، التي لم تقف حدود طموحها عند حدود اللوحة، بل امتدّت لتنال الدكتوراه في التنمية البشرية والاستشفاء الذاتي، مدمجةً طاقة الألوان بالعلاج النفسي وعلم النفس الإيجابي. وفي هذا الحوار الشائق والممتع الذي أعدّته ونسقته الأستاذة فادية الجرماني الحلبي، تأخذنا الدكتورة مها في رحلة ملهمة عبر محطات حياتها؛ من دفء النشأة وعقبات الغربة، إلى اكتشاف “الطبيب الخفيّ” الكامن داخل كل منا، وكيفية تحويل رماد المحن إلى نور يضيء الدروب.

إليكم تفاصيل هذا اللقاء المفعم بالوعي، والجمال، والنور…

 

عتبات البداية: من ريشة الفن إلى رسالة الأمومة

1- ممكن تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟

في بداية اللقاء، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لمنصة حرمون التي أتاحت لنا هذه المساحة الجميلة للتعبير ومشاركة تجاربنا الإنسانية. أنا مها عامر، من محافظة السويداء، نشأت بين أهل يحملون المحبة في قلوبهم وأصدقاء صادقين أكنّ لهم كل الاحترام والتقدير. في تلك الأرض الطيبة تعلمت أن العلم نور يضيء الدروب، وأن بناء الإنسان الواعي هو الأساس لبناء مجتمع مزدهر. لقد نشأت في بيئة تحتفي بالمعرفة، ونؤمن بأن العقول المتعلمة هي البذور التي تنبت مستقبلاً أجمل للأجيال القادمة. فأنا متخرّجة بالفنون الجميلة، بدأت رحلتي مع الألوان والخطوط مؤمنة بأن الفن ليس مجرد رسم بل لغة تعبر عن أعماق الإنسان وروحه. تخرّجت وعملت معلمة للرسم لمدة خمس سنوات، أزرع الجمال في عيون الأطفال وأمنحهم مساحة ليعبروا عن أنفسهم بحرية وشغف. ثم توقفت عن التدريس والدراسة لعشر سنوات؛ ليس ضعفاً أو استسلاماً، بل لأن الأمومة كانت رسالتي الأولى، ولأن بناء أرواح أطفالي كان أعظم استثمار في حياتي. لكن الروح التي تبحث عن المعرفة لا تنطفئ؛ فعدت من جديد أكثر وعياً وأكثر نضجاً لأبدأ رحلة مختلفة في عالم التنمية البشرية وعلم النفس، رحلة نحو فهم الإنسان من الداخل وفهم الذات الحقيقيّة خلف الأقنعة والتجارب والآلام. حصلت على دبلوم وماستر ودكتوراه في التنمية البشرية والاستشفاء الذاتي من الجامعة الأميركية للدراسات العليا، ثم واصلت البحث بشغف أعمق لأنني أدركت أن المعرفة الحقيقية تبدأ عندما نغوص في أعماق النفس البشرية، فحصلت على دبلوم في علم النفس الإيجابي الذي تأسس على يد عالم النفس الأميركي مارتن سليغمان عام 1998.

 

من رحم الألم تولد القوة

2- حبذا العودة إلى البدايات والنشأة. كيف بدأت؟ وما أبرز العوائق التي واجهتك؟ وكيف تخطيتها؟ ما أبرز ما تتذكرينه من مواقف جعلتك تكتشفين نفسك وحفرت في وجدانك؟

منذ طفولتي كنت أرى الجمال في أبسط الأشياء؛ ألوان متناثرة، قطع صغيرة مهملة، وأشياء يظنها الآخرون بلا قيمة، كنت أراها بعين مختلفة وأحولها بحبي للرسم وإعادة التدوير إلى لوحات تنبض بالحياة. كبرت وأنا أملأ فراغي بالشغف، وكان أهلي السند الأول لي، يشجعون موهبتي ويزرعون في داخلي الثقة والمحبة، لذلك لم أشعر يوماً أن الفن كان مجرد هواية. ورغم أن والدي كان يرى أن أتجه إلى مجال آخر وأن أبقي الرسم مجرد هواية، إلا أنني تمسكت بحلمي بإصرار لأنني كنت أحبّ ذلك المجال وأشعر أن روحي تنتمي إليه. أكملت دراستي في الفن ثم بدأت رحلتي في تعليم الأطفال أزرع فيهم ما تعلّمته من حب للجمال والإبداع.

لكن الحياة لا تبقى هادئة؛ فقد مررت بمرحلة كانت من أصعب المراحل عليّ وعلى زوجي وأولادي، مرحلة حملت الكثير من الألم والخوف والتحديات، ولكنها كانت أيضاً نقطة التحول الحقيقية في حياتي، فهناك وسط التعب استيقظت على نفسي لأول مرة. اكتشفت أن في داخل الإنسان قوة لا تستيقظ إلا حين يحمل مسؤولية حماية مَن يحبّ. لم تكن التجربة سبباً لانكساري، بل كانت بداية ولادة جديدة أعادت تشكيل روحي، ومنحتني وعياً أعمق ونضجاً أكبر، ورسخت في داخلي أن النجاة ليست صدفة، بل قرار يصنعه الإيمان والشجاعة والصبر. ومن رحم تلك التجربة بدأت رحلتي في التنمية البشرية وعلم النفس، لا بحثاً عن شهادة، بل بحثاً عن ذاتي، وعن المرأة التي نهضت بعد كل سقوط، والأم التي اختارت أن تعبر بعائلتها نحو برّ الأمان بقلب أكثر قوة ونوراً.

 

جبل الشموخ ونقاء الياسمين

3- ماذا يمثل لكِ الانتماء إلى السويداء، وكيف انعكس على رؤيتك الفنية والإنسانية؟

الانتماء إلى السويداء ليس ارتباطاً بأرضٍ فحسب، بل عهدٌ مع روحٍ تشبه الجبل في شموخه، وتشبه النار حين تشتعل دفاعاً عن الكرامة والحق. هي ليست مدينةً أسكنها، بل وطنٌ يسكن أعماقي وذاكرةٌ تنبض في قلبي. في حجارتها العتيقة قرأت حكايات الصبر، وفي وجوه أهلها رأيت الكبرياء الممتزج بالطيبة والحب، وتعلّمت أن الإنسان الحقيقي هو من يبقى وفياً لمبادئه مهما اشتدت العواصف. هناك أدركت أن الجمال لا يُولد من الترف، بل من الألم حين يتحول نوراً، ومن الصمت حين يصبح لغةً للمشاعر العميقة. إنسانياً، منحتني السويداء قلباً يؤمن بأن الكرامة والمحبة والتسامح ليست شعارات بل أسلوب حياة، وعلمتني أن القوة الحقيقية ليست في القسوة، وإنما في القدرة على أن يبقى الإنسان نقيَّ الروح، ثابتَ القيم، رغم كل ما يمر به. ولهذا، كلما أمسكت قلمي أو بدأت الرسم أسمع صوت الجبل يهمس في داخلي: كوني حقيقيّة، فالأرض التي تُزهر الياسمين لا تُنبت إلا الأرواح الصادقة، والقلوب التي تعرف معنى الوفاء.

 

رسالة اللون وعطاء الأمومة

4- كيف تصفين بدايتك مع الفن، ومتى أدركتِ أنه رسالة حياة وليس مجرد دراسة؟

بدأت علاقتي بالفن منذ الطفولة، حين كنتُ أرى العالم بعين مختلفة، فأجد في أبسط التفاصيل لوحةً تنبض بالحياة، وأحوّل القطع المهملة إلى أعمال تحمل روحاً ومعنى. كان الرسم بالنسبة لي المساحة التي أتنفس فيها بحرية، وأعبّر من خلالها عن مشاعري وأفكاري دون الحاجة إلى الكلمات، فكانت اللوحة صوتي الحقيقي. ومع مرور الوقت أدركت أن الفن ليس مجرد موهبة أو هواية، بل رسالة إنسانية عميقة، حين رأيت كيف يستطيع اللون أن يداوي، وكيف يوقظ الجمالُ الأملَ في داخل الإنسان، وكيف يمكن للوحة صغيرة أو عمل فني بسيط أن يحمل من المشاعر ما تعجز الكلمات عن وصفه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الفن بالنسبة لي مجرد دراسة أو ممارسة، بل أصبح أسلوب حياة، وطريقة أنظر بها إلى العالم، ورسالة أسعى من خلالها إلى أن أزرع الجمال والوعي والإحساس، ليصل أثرها إلى القلوب قبل العيون.

 

5- كيف أثّرت الأمومة في تجربتك التربوية والإبداعية والروحيّة؟

الأمومة لم تكن مجرد مرحلة عابرة في حياتي، بل كانت ميلاداً جديداً لروحي، أعادت تشكيل قلبي ووعيي. علّمتني أن الحب الحقيقيّ ليس كلمات تُقال، بل عطاء لا يعرف الحدود، وأن التربية ليست أوامر وتوجيهات، بل قيم تُغرس بالمحبة، وقدوة تُروى بالفعل قبل القول. ومع كل خطوة خطاها أطفالي نحو النمو، كنت أنا أيضاً أكبر معهم إنسانياً ووعياً، فأزداد عمقاً في إحساسي، ونضجاً في رؤيتي، وصدقاً في عطائي وإبداعي. واليوم، وأنا أرى ثمار تلك الرحلة تتجلى في نجاح أطفالي وأخلاقهم، أدرك أن أجمل إنجاز يمكن أن يتركه الإنسان في الحياة هو أن يصنع أرواحاً واعية، تنشر الخير والجمال أينما حلّت.

 

6- خلال سنوات عملك كمدرّسة رسم، ما أبرز القيم التي حرصتِ على زرعها في طلابك؟

حرصت أن أزرع في طلابي قيمة الثقة بأنفسهم، وأن يدرك كل طفل أن داخله عالماً يستحق أن يُرى ويُعبَّر عنه دون خوف. كنت أعلّمهم أن اللوحة التي تُرسم بإحساس تلامس القلوب أكثر من ألف قاعدة جامدة. كنت أحاول أن أجعل من حصص الرسم مساحةً للحرية والطمأنينة والمحبة، تجعل الطالب قادراً على تحويل خياله وضعفه إلى شيء جميل يعبّر عنه، لأن الفن يشبه الحياة، يحتاج إلى محاولات كثيرة حتى يزهر.

 

فلسفة الجمال والتحول عبر التدوير

7- ما الفلسفة التي تسوّغ فكرة أن “الجمال إحساس قبل أن يكون شكلاً”؟

أنا أؤمن بأن الجمال ليس مجرد شكل تراه العين بل هو إحساس تلتقطه الروح قبل أن تدركه الملامح؛ فالفلسفات الإنسانية والجمالية ترى أن قيمة الأشياء لا تكمن في هيئتها الخارجية وحدها، بل في الأثر الذي تتركه داخل الإنسان. قد يكون الشيء بسيطاً في شكله، لكنه يوقظ فينا ذكرى جميلة لأننا شعرنا به لا لأننا رأيناه فقط؛ لذلك فالجمال الحقيقي يبدأ من الداخل، من ذلك الانسجام الحقيقي بين الروح وما يحيط بها ثم ينعكس على الشكل الخارجي، فالعين ترى الصورة أما القلب فيرى المعنى والجمال في جوهره.

 

8- كيف ساهمت تجربة إعادة التدوير في التعبير عن مفهوم التحوّل والنمو لديكِ؟ وبماذا تنصحين مثلاً ربات البيوت في هذا المضمار؟

لم تكن إعادة التدوير بالنسبة لي مجرد وسيلة للاستفادة من الأشياء القديمة، بل كانت درساً عميقاً في معنى التحوّل والنمو. فكما يمكن لقطعة مهملة أن تولد من جديد في صورة أجمل وأكثر قيمة، يستطيع الإنسان أيضاً أن يحوّل تجاربه الصعبة وانكساراته إلى قوة وإبداع ونضج. كنتُ أرى في كل عمل فني أصنعه من مواد بسيطة رسالة خفية تقول إن الجمال لا يولد من الكمال، بل من القدرة على رؤية الإمكانات الكامنة في ما يظنه الآخرون نهاية. وقد علّمتني هذه التجربة أن الحياة تشبه عملية إعادة التدوير؛ فما نفقده أو نتجاوزه لا يختفي عبثاً، بل يتحول إلى بداية جديدة إذا أحسنّا فهمه وتوظيفه. لذلك، أرى أن إعادة التدوير ليست مجرد وسيلة للحفاظ على البيئة أو توفير المال، بل هي مساحة رحبة لتنمية الإبداع داخل الأسرة، وتعليم الأبناء قيمة العطاء والابتكار، واكتشاف الجمال المختبئ في أبسط الأشياء. فكل قطعة نُعيد إحياءها تمنحنا درساً صامتاً بأن التجدد ممكن، وأن داخل الإنسان نفسه قدرة دائمة على النمو والازدهار مهما بدت الظروف قاسية.

 

العلاج بالألوان: دمج الفن بالاستشفاء الذاتي

9- كيف تفسّرين اللحظة التي شعرتِ فيها أن رسالتك تتجاوز الفن إلى ملامسة القلوب؟ ألا يلامس الفن القلوب أيضاً أم أنه يبقى مجرد تواصل بصري؟

أدركت أن رسالتي تتجاوز حدود الفن حين رأيت أن ما أقدمه لا يترك أثراً في العين فقط بل يمتد إلى القلب والروح؛ فالفن الحقيقي ليس مجرد تواصل بصري أو جمال يُرى، بل لغة صامتة تلامس المشاعر وتوقظ المعاني الكامنة في الداخل. كل لوحة تحمل إحساساً وكل لون يروي حكاية، والفن ليس مجرد تواصل بصري بل رسالة إنسانية تحمل المشاعر والقيم والمعاني، وتملك القدرة على أن تجمع القلوب حول إحساس واحد حتى وإن اختلفت الكلمات واللغات.

 

10- لماذا اخترتِ التخصص في التنمية البشرية والاستشفاء الذاتي؟

اخترتُ التخصّص في التنمية البشرية والاستشفاء الذاتي، لأنني كنتُ أؤمن أن أعظم رحلةٍ يخوضها الإنسان ليست نحو العالم الخارجي، بل نحو أعماق ذاته. فخلال سنوات حياتي أدركتُ أن كثيراً من الألم والتحديات لا تحتاج فقط إلى حلولٍ خارجية، بل إلى وعيٍ أعمق بالنفس، وفهمٍ للجروح التي نحملها بصمت، والقدرة على تحويل المعاناة إلى قوةٍ للنمو والتغيير. لقد قادني الشغف بالإنسان وبطاقاته الكامنة إلى هذا المجال لأتعلّم كيف يمكن للوعي، والمحبة، والتصالح مع الذات أن تكون أدواتٍ حقيقية للشفاء. فالتنمية البشرية بالنسبة لي ليست مجموعةً من النظريات، بل رحلةٌ مستمرّة لاكتشاف الذات. أمّا الاستشفاء الذاتي فهو عودة الإنسان إلى توازنه الداخلي، وإلى ذلك النور الذي يسكنه مهما أثقلته تجارب الحياة. لهذا اخترتُ هذا الطريق؛ لأنني أؤمن أن أجمل ما يمكن أن يقدّمه الإنسان لنفسه وللآخرين هو أن يكون سبباً في إيقاظ الأمل، ومرافقة الأرواح في رحلتها نحو السلام والاكتمال.

 

11- كيف تدمجين بين الفن والعلاج النفسيّ في عملك اليوم؟ أؤمن أن الفن ليس مجرد ألوان وخطوط تُرسم على لوحة، بل هو لغة عميقة تتحدث بها الروح حين تعجز الكلمات عن التعبير. ومن خلال رحلتي في التنمية البشرية والعلاج النفسي، اكتشفت أن للفن قدرة استثنائية على ملامسة أدق المشاعر، وتحرير ما يختبئ في أعماق الإنسان من ألم أو خوف أو حتى أمل. ومن هنا، كان اندماج الفن بالعلاج النفسيّ بالنسبة لي أمراً طبيعياً، إذ تحمل الألوان طاقة مؤثرة تنعكس على الحالة الانفعاليّة للإنسان وتُسهم في إعادة توازنه الداخلي. ومن هذا الإيمان، جاءت رسالتي في الدكتوراه حيث تناولت تأثير الألوان في العلاج النفسي ودورها في تعزيز التوازن والرحلة نحو التصالح مع الذات. فلكل لون ذبذبة خاصة، ولكل لوحة قدرة على فتح نافذة نحو الشفاء. إنني أرى الفن وسيلة للعلاج بقدر ما هو وسيلة للإبداع، لأنه يمنح الإنسان مساحة آمنة للتعبير عن ذاته، ليغدو الجمال طريقاً نحو التعافي والنمو الداخلي.

 

علم النفس الإيجابي وقوة “الطبيب الخفي

12- ماذا أضاف لكِ علم النفس الإيجابي على المستوى الشخصي والمهني؟

منذ طفولتي، كنت أرى الجانب المضيء في الحياة، وأشعر بامتنان عميق لكل تجربة أمرّ بها، حتى تلك التي حملت في طيّاتها تحديات وصعوبات. وكان أكثر ما يلفت انتباهي هو مساعدة الناس، والسعي إلى زرع المحبة بينهم، فقد كنت أؤمن منذ صغري أن العطاء الصادق، والتسامح، والطيبة الممزوجة بالوعي، واحترام الجميع دون استثناء، هي القيم التي تمنح الإنسان إنسانيته الحقيقية، وتترك أثراً يبقى في القلوب قبل الذاكرة. وقد رأى من حولي في هذه القيم جزءاً من شخصيتي، وكان ذلك يعزّز في داخلي هذا الطريق، ويدفعني إلى اكتشاف ذاتي بصورة أعمق، والبحث عن المعنى الحقيقي للحياة والإنسان. كنت أؤمن أن داخل كل إنسان طاقة خفية قادرة على النهوض والتجدّد، وأن الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة يمكن أن تُحدثا فرقاً حقيقياً في حياة الآخرين، مهما بدت بسيطة في ظاهرها.

وعندما تعرّفت إلى علم النفس الإيجابي، لم أشعر أنه غيّر قناعاتي بقدر ما منحها عمقاً أوضح وفهماً أوسع. فقد علّمني كيف أحوّل الامتنان إلى أسلوب حياة، وكيف أرى في الصعوبات فرصاً للنمو، وفي الألم رسالة تدفعني لاكتشاف قوتي الداخلية الكامنة. وعلى المستوى الشخصي والنفسي، أضاف لي هذا العلم وعياً أكبر بذاتي، وساعدني على فهم مشاعري بعمق أكبر، وأدركت أن كل شعور أمرّ به ليس عابراً ولا مؤذياً بحد ذاته، بل رسالة تأتي لتُفهم وتُصغى، لا لتُقاوم فقط. كما عزّز إيماني بأن السعادة ليست حدثاً ننتظره، بل حالة نصنعها من خلال طريقة رؤيتنا للحياة وتفسيرنا لما نمرّ به. ومن هنا أصبحت رسالتي أن أنقل هذا الوعي إلى الآخرين، وأن أساعدهم على اكتشاف النور الكامن في داخلهم، والإيمان بقدرتهم على التغيير والنهوض مهما كانت التحديات. فالإنسان حين يتصالح مع نفسه، ويعيش بروح الامتنان والمحبة، ويجعل العطاء والتسامح واحترام الآخرين نهجاً لحياته، يصبح أكثر قدرة على النهوض والتجدّد، وأكثر إشراقاً وتأثيراً في كل من يحيط به، مهما كانت الظروف من حوله.

 

13- كيف تفسّرين فكرة “الطبيب الخفيّ داخل كل إنسان”؟ يمكن تفسير فكرة “الطبيب الخفي” داخل كل إنسان بأنها تلك القوة الفطرية العميقة الكامنة في النفس والروح، والتي تمنح الإنسان قدرة على التعافي والنمو وتجاوز المحن، حين يعي ذاته ويستثمر طاقاته الداخلية. وفي داخل كل إنسان طبيب خفي يسكن أعماق الوعي والإرادة، هو ذلك الصوت الذي ينهض بنا بعد السقوط، ويدفعنا لمواجهة الألم بدل الهروب منه. وعندما يؤمن الإنسان بقدرته على التغيير، ويصالح جراحه، ويمنح نفسه الحب والقبول، يبدأ هذا الطبيب الداخلي بالعمل بهدوء ووعي. هو لا يُلغي التحديات ولا يُنكر الألم، لكنه يكشف لنا القدرة الكامنة على تجاوزه، ويعيد تذكيرنا بأن في داخل كل روح طاقة عظيمة على الشفاء والنمو. وكلما اقترب الإنسان من ذاته الحقيقيّة، أدرك أن جزءاً كبيراً من العلاج كان يسكنه منذ البداية، ينتظر فقط لحظة وعي وإيمان بقدرته على الاستشفاء الذاتي.

 

خطوات عملية لتحويل المعاناة إلى وعي

14- ما أهم خطوة يمكن أن يبدأ بها الشخص في رحلة الاستشفاء الذاتي؟ أهم خطوة نحو الاستشفاء الذاتي هو الوعي الصادق بالذات؛ فالشفاء لا يبدأ حين نبحث عنه في الخارج، بل حين نملك الشجاعة للنظر إلى أعماقنا دون خوف أو أقنعة، والاستماع إلى مشاعرنا كما هي، والاعتراف بجراحنا ومخاوفنا دون هروب أو حكم. وحين يصبح الإنسان صادقاً مع نفسه، يبدأ بفهم الرسائل التي تحملها تجاربه في الحياة، ويتحوّل الألم إلى معلّمٍ يقوده نحو النمو والتوازن. الاستشفاء الذاتي رحلة تبدأ بسؤال عميق: من أنا خلف كل الأدوار والأقنعة التي أرتديها؟ وحين تتضح الإجابة، يولد في الداخل نوع من السلام لا يشبه أي شيء آخر.

 

15- كيف يمكن تحويل الألم إلى طاقة إيجابيّة تدفع نحو النمو؟ كل إنسان يحمل في داخله جراحاً وألماً يصعب إنكاره، لكن القوة الحقيقية لا تكمن في الهروب من هذا الألم، بل في تحويله إلى معلم يضيء لنا الطريق بدل أن يكون سجناً يقيّدنا. فعندما نتألم، تنكشف لنا زوايا خفية من أنفسنا لم نكن نعرفها من قبل، ونكتشف عمق قدرتنا على النهوض بعد كل سقوط. فالألم الذي يُستقبل بوعي يتحول إلى حكمة، والذي يُحتضن بمحبة يتحول إلى قوة تدفعنا نحو التغيير والنمو. ولعلّ من أهم الأسئلة التي يمكن أن نطرحها على أنفسنا في لحظات الوجع: ماذا يريد هذا الألم أن يعلّمني؟ بدلاً من سؤال: لماذا حدث لي هذا؟ عبّر عن مشاعرك؛ اكتبها، ارسمها، تأملها، أو امنحها أي شكل من أشكال التعبير الذي يفتح لروحك نافذة للتنفس. فالمشاعر المكبوتة تتحول إلى ثقلٍ داخلي، أما المشاعر التي تُواجه بوعي وصدق، فتتحوّل إلى نورٍ يهدينا نحو فهم أعمق لأنفسنا وحياة أكثر اتزاناً وحرية.

 

تحديات الغربة وتمكين المرأة

16- ما أبرز التحديات التي واجهتكِ كامرأة تسعى للتطور والتميز؟ كانت رحلتي كامرأة تسعى إلى التطور والتميّز مليئةً بالتحديات التي أعادت صياغة شخصيتي ومنحتني قوةً أعمق. بين مسؤوليّاتي كزوجة وأم لطفلين، وبين شغفي بالعلم ورغبتي في تحقيق ذاتي، كنت أعيش معادلة صعبة تتطلّب الكثير من الصبر والإرادة والجهد. مررتُ بلحظات من التعب والإرهاق، وتسللت إليّ أحياناً فكرة التراجع، لكن إيماني بقدرتي على النجاح كان دائماً أقوى من كل العقبات. وبعد أن أنهيتُ دراستي وبدأتُ أقدّم محاضرات في دبي لتعزيز دور المرأة في المجتمع، ظننتُ أنني وصلت إلى محطة من الاستقرار، غير أن الحياة كانت تخبئ لي اختباراً جديداً.

عند انتقالي إلى أوروبا، وجدت نفسي أبدأ من جديد: لغة مختلفة، بيئة جديدة، وتجربة تتطلّب شجاعةً وصبراً مضاعفاً. ومع ذلك، لم أستسلم. كنت أتعلم اللغة نهاراً برفقة ابني في المدرسة، وفي المساء أقدّم برنامجي “ورقة وقلم” عبر راديو الإذاعة لكل العرب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مؤمنةً بأن الكلمة الصادقة قد تكون نوراً يهدي من يبحث عن الأمل. واليوم، وأنا أستحضر هذه الرحلة، أدرك أن التحدّيات لم تكن يوماً حواجز، بل كانت جسوراً عبرتُ عليها نحو نسخة أقوى وأكثر نضجاً. وقريباً، سأبدأ مرحلة جديدة بالالتحاق بالجامعة لتطوير لغتي بشكل أعمق، لتكون مفتاحاً يقودني إلى مستوى أكبر من التمكين والإنجاز.

 

الشراكة الواعية والتوازن الإنساني

17- تحدثتِ عن دور الرجل الواعي في حياة المرأة، كيف تصفين أثر الدعم الحقيقيّ في نجاحها؟ وهل دور الوعي تبادلي بينهما؟

كان زوجي في رحلتي الدراسية أكثر من مجرد شريك حياة؛ كان سنداً حقيقياً ورفيق دربٍ آمناً لأحلامي. حتى في اللحظات التي راودني فيها الشك بقدرتي على الاستمرار، كان يؤمن بي قبل أن أؤمن بنفسي، ويُدرك أن العلم ليس شهادة تُعلّق على الجدار، بل رسالة للنمو والتطور الإنساني. لذلك منحني ثقته ودعمه، واحتضن طموحي بكل وعي ومحبة. وحين كانت المسؤوليات تتزاحم بين الدراسة والأمومة وشؤون الحياة، لم أشعر يوماً أنني أسير وحدي، بل كان حضوره سنداً ثابتاً في كل خطوة من طريقي.

فالمرأة تنمو بالحب والتقدير، وتزدهر أكثر حين تجد رجلاً واعياً يؤمن برسالتها، كما أن الرجل يرتقي حين يجد امرأة تقدر دعمه وتشاركه رحلة البناء. من هنا أرى أن الوعي ليس صفة فردية، بل هو نمو متبادل يصنع توازن الحياة ويمنحها عمقاً واتساعاً. فالرجل القويّ حقاً لا يحتاج أن يرى المرأة صغيرة ليشعر بالعظمة، بل يشعر بقيمته الحقيقيّة عندما يكون هو السند الحقيقي لزوجته وأسرته، شريكاً في البناء لا متفرجاً عليه.

 

18- كيف تحققين التوازن بين دورك الأسري ورسالتك المهنية؟

تحقيق التوازن الكامل بين العمل والأسرة ليس أمراً سهلاً في كل الأحوال، فكلٌّ منهما يحمل متطلبات ومسؤوليات تحتاج إلى وقت وجهد واهتمام. المرأة العاملة تبذل جزءاً كبيراً من طاقتها في أداء رسالتها المهنية، وفي الوقت نفسه تحتاج أسرتها وأطفالها إلى حضورها العاطفي والنفسي والجسدي، وهو حضور لا يقل أهمية عن أي إنجاز مهني. لذلك قد يختلف مفهوم التوازن من امرأة إلى أخرى بحسب ظروفها وإمكاناتها. ومن وجهة نظري، فإن توفير ساعات عمل أقل ضغطاً وبيئة أكثر مرونة يساهم في خلق انسجام أعمق بين الطموح المهني والدور الأسري، بحيث لا تشعر المرأة بأنها مضطرة إلى استنزاف نفسها لإثبات قيمتها. فالتوازن الحقيقي لا يعني توزيع الوقت بالتساوي بين جميع جوانب الحياة، بل يعني أن نمنح كل جانب ما يحتاجه في اللحظة المناسبة، بحكمة ووعي ومحبة، لنصل إلى حالة من السلام الداخلي والرضا مع الذات، ومع الأسرة، ومع الرسالة التي نحملها في الحياة.

 

«رحلة الروح» والتطلع نحو المستقبل

19- ما الرسالة التي تودّين توجيهها للنساء اللواتي يبحثن عن ذواتهن؟

رسالتي لكل امرأة: لا تبحثي عن نفسك في عيون الآخرين، بل عودي إلى أعماق روحك، وامنحي ذاتك الوقت والاهتمام الذي تستحقه. آمني أن بداخلك قوة أعظم مما تتصوّرين، وأن كل تجربة مررتِ بها لم تكن عبثاً، بل خطوة في طريق اكتشاف حقيقتك. لا تخافي من التعثر، فهو ليس نهاية الطريق، بل رسالة تُرشدك إلى النضج في داخلك، فالنور غالباً ما يولد من قلب التحديات والانكسارات. كوني صادقة مع نفسك، واعملي على تطويرها كل يوم ولو بخطوة صغيرة، وعندها فقط ستجدين طريقك، ورسالتك، وسلامك الداخلي بوضوح وطمأنينة.

 

20- كيف ترين مستقبلكِ المهنيّ، وما المشروع الذي تحلمين بتحقيقه؟

أرى مستقبلي المهني امتداداً لرسالةٍ أؤمن بها في التعلم والعطاء؛ فالشخص الطموح لا يرى في الأيام تكراراً، بل يكتشف في كل يوم فرصة جديدة للنمو والإنجاز. ومشروعي المقبل يتمثل في بدء الدراسة الجامعية لتطوير مهاراتي في اللغة، واكتساب معرفة أعمق تمهيداً لتحقيق حلمي في العمل داخل إحدى الجامعات، لأحمل رسالة علمية وإنسانية تؤكد أن الشغف بالعلم لا تحدّه حدود ولا يقيّده عمر. كما بدأت في كتابة كتابي «رحلة الروح»، وهو ليس مجرد صفحات تُكتب، بل رحلة وعي وتجربة حياة تنسجها الروح قبل أن يخطها القلم. أطمح أن يترك هذا الكتاب بصمة إنسانية صادقة، تعكس رحلتي وتلامس أرواح من يقرؤه، ليبقى أثراً خالداً يحمل شيئاً من ذاتي، ورسالة تؤمن بأن النور يبدأ من أعماق الإنسان.

 

مئوية الثورة السورية الكبرى وصون الذاكرة الوطنية

21- كانت منذ 2018 منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية، ومع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، ماذا ترين في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟

إن مئوية الثورة السورية الكبرى ليست مجرد ذكرى تُستعاد على سبيل الاحتفاء، بل هي محطة وطنية فارقة تُضيء في وجداننا معاني الحرية والكرامة والوحدة التي آمن بها الآباء المؤسسون وضحّوا من أجلها. فهي ليست حدثاً مضى، بل روح ممتدة في الذاكرة الوطنية، تدعونا اليوم إلى إعادة قراءة التاريخ بروح الوعي والانتماء. وأرى أن إحياء هذه المناسبة لا ينبغي أن يقتصر على الفعاليات الاحتفالية العابرة، بل يجب أن يتحوّل إلى مشروع ثقافي وتربوي متكامل ومستدام، يُعنى بإنتاج المعرفة وتوثيق الذاكرة، وذلك من خلال عقد الندوات العلمية، وتشجيع الدراسات والأبحاث الأكاديمية، وإصدار الكتب، وجمع الروايات الشفوية التي تحفظ صوت التاريخ كما عاشه الناس، إضافة إلى ترسيخ حضور الثورة في المناهج الفكرية والثقافية للأجيال الجديدة بما يليق بها. لقد شكّلت المبادرات التي انطلقت منذ عام 2018 خطوة مهمة في إحياء هذا الإرث الوطني وترسيخ حضوره في الوعي العام، إلا أن مئوية الثورة اليوم تضعنا أمام مسؤولية أعمق وأكثر اتساعاً، تتمثل في تحويل هذا الجهد إلى مشروع معرفي مؤسسي طويل الأمد، تتكامل فيه أدوار المؤسسات الثقافية والأكاديمية. وإن الأمم التي تُحسن حفظ ذاكرتها التاريخية بوعي وإدراك، هي وحدها القادرة على بناء مستقبلها بثقة واقتدار، وصناعة غدٍ يستند إلى جذور راسخة من الفهم والانتماء والكرامة.

 

22- ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياء لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقك؟

إن ما يقوم به مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في مدينة السويداء الجميلة ليس مجرد نشاط ثقافي عابر، بل هو فعل حضاري متجدد يعيد وصل الحاضر بجذورنا العميقة، وهو جهد يُشكر عليه. فمن خلال الندوات الفكرية، وإصدارات الكتب المشتركة، وصون الإرث الثقافي من النسيان، يسهم المركز في ترسيخ الوعي وتعزيز الهوية الثقافية. أما مشروع إحياء مئوية الثورة، فهو رسالة وفاء لتضحيات الأجداد في الماضي والحاضر، وتجسيد لإيمان راسخ بأن الأمم التي تصون تاريخها تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها. إنه جسرٌ ثقافي ومعرفي يزرع الوعي في الأجيال القادمة، ويمنحها الثقة والفخر بالانتماء إلى هويتها الأصيلة.

 

بصيرة التواضع وأثر النور

23- كلمة أخيرة ترغبين بتوجيهها عبر منصة حرمون؟

رسالتي الأخيرة هي دعوة صادقة لكل إنسان أن يؤمن بأن أعظم رحلة في الحياة ليست إلى العالم الخارجي، بل إلى أعماق الذات. فحين نمتلك الشجاعة لنواجه حقيقتنا كما هي، بلا أقنعة ولا خوف، نبدأ رحلة التحول الحقيقيّ، ونكتشف أن أخطاءنا لم تكن يوماً نهاية الطريق، بل كانت جسوراً نعبر بها نحو النضج، والاكتمال الإنساني، والارتقاء الروحي. لا تخشوا الألم ولا الخذلان، فهما ليسا عبثاً، بل رسائل خفيّة تحمل في طياتها بذور القوة والحكمة، وتدعونا إلى أن نولد من جديد بوعيٍ أعمق وقلبٍ أكثر سلاماً. فما من جرحٍ صادق إلا ويحمل في داخله باباً للشفاء، وما من عثرةٍ إلا وفيها درسٌ ينتظر أن نكتشفه.

إن كثيراً من الناس يهاجرون إلى قبورهم قبل أن يؤدوا رسالتهم في هذه الأرض، لا لأن أعمارهم انتهت، بل لأن وعيهم لم يكتمل، فظلوا أسرى الخوف، أو العادة، أو صورةٍ رسمها لهم الآخرون، ولم يمنحوا أرواحهم فرصة أن تعيش الحقيقة التي خُلقت من أجلها. إن الإنسان لا يُقاس بطول سنواته، بل بمدى حضوره في رسالته، وبقدر النور الذي يتركه في حياة من حوله. ومن مرَّ بالنار ولم يتحول إلى رماد، تحوَّل إلى نورٍ هادئ يضيء الطريق لغيره. فالمحن ليست دائماً نهاية، بل قد تكون بداية الإنسان الحقيقي، ويخرج منها أكثر نقاءً، وأكثر رحمةً، وأكثر إدراكاً لمعنى الحياة.

وتذكّروا أن التواضع ليس ضعفاً، بل هو رفعة الروح؛ فمن تواضع انفتحت بصيرته، واتسع قلبه للحقيقة والمحبة، ورأى الجمال فيما يغفل عنه المتكبرون. أما من استسلم للكبر، فإنه يعمي بصيرته بيده، ويغلق قلبه عن الحكمة، فلا يعود يرى إلا نفسه، فيبتعد عن النور وإن ظن أنه يقترب منه. ثقوا بأنفسكم، واحتضنوا كل محطة من محطات حياتكم، فكل تجربة، مهما بدت قاسية، كانت خطوة تقودكم نحو نسخة أكثر نوراً، وأكثر صدقاً، وأكثر اتزاناً. وحين نصغي إلى صوتنا الداخلي، وننسجم مع فطرتنا، يتحقق التوازن بين الجسد والروح، وتغدو الحياة أكثر صفاءً ومعنى. أتمنى أن تلامس كلماتي أرواحكم، وأن تكون نافذةً تُفتح على السكينة، وبذرةً تُثمر سلاماً في قلوبكم، ونوراً يرافقكم في رحلة اكتشاف ذواتكم. ولعل أعظم إنجاز يحققه الإنسان في نهاية رحلته ليس ما جمعه من مالٍ أو مكانة، بل أن يغادر هذه الحياة وقد عرف نفسه، وأدى رسالته بأمانة، وترك خلفه أثراً من الخير والمحبة والنور يبقى حياً في القلوب بعد رحيله.

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB