
وجع الليلة الأخيرة
سامي سماحة
حين دخل إلى زنزانة التوقيف وأقفل العسكري الباب المطلي بلون الجدران وغابت الأصوات، وصار الهواء يتسرب بقدر لا يكفي لحركة التنفس، نظر إلى فوق، إلى الأرض، إلى الجدران، وجعل من سترته وسادة ومن إيمانه سريرًا وتمدد.
صار الكون غرفةً بثلاثة أبعاد.
البعد الأول: أرض يحتضنها للمرة الأخيرة وستحتضنه إلى الأبد قبل طلوع الفجر.
البعد الثاني: جدران أربعة بألوان أربعة مختلفة، دون أبواب، دون نوافذ، دون ممرات، قوالب من جماد تحاصره منذ كان طفلًا يرفض التبعية والانصياع، وبصره وبصيرته تحلقان في رسم الزمن الجديد لهذا العالم الذي يشبه بحارًا مربوطة بممرات ومضائق تأكل أسماكها أسماكًا.
البعد الرابع: سقف كان يراه ملعبًا لأحلامه، وكان يود لو أنه يصنع طائرة من أخشاب الأرز والنخيل والزيتون ويركبها كنسر لا يعوقه الارتفاع ولا طول المسافات، ويشعر أن هذا الكون الذي لا يرى حدوده صار كمشة في قبضة يده، هذا السقف الذي كان سماءً أصبح في هذه الليلة سقف زنزانة من باطون وحديد يمنع الضوء ويحجز البصر.
أراحته الأرض التي أحبها، طوّقته السماء التي أرادها مسرحًا لأحلامه.
أقفل باب الأحلام، فتح باب الذاكرة، أغمض عينيه لا لينام بل ليحجب عتمة الغرفة عن ضوء الذاكرة.
تذكّر من غدر وغادر، من غدر وبقي، من ضعُف وانسحب.
تذكّر خيبته من صغار العصافير حين أصبحت طيورًا تطير في الفضاء.
تذكّر من آمن وكان وفيًا ومن تسلل ولم يكن حافظًا للأمانة.
أغلق باب الذاكرة، فتح باب الأمنيات.
لو لم أكن هذه الليلة في هذه الزنزانة.
لو لم يخن حسني الزعيم.
لو لم يتقاعس بعض المسؤولين.
لو لم أذهب إلى حسني الزعيم.
لو لم يكن كل هذا ومعه وابل الأسئلة ما كنت أنطون سعاده الزعيم والقائد القدوة مؤسس الحزب وصاحب النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن.
للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:
https://chat.whatsapp.com/HQi7bkJTOGGLYmdqUsKYOB



