بلد الرسالة.. وصراع القبائل
زياد العسل
صحافي وكاتب لبناني
غريبٌ أمر بعض أبناء شعبنا اللبناني، وغريبٌ هذا الصراع اليومي على شاشات التلفزة، في ظل أخطر مرحلة يمرّ بها لبنان في تاريخه المعاصر. فكأنّ الحرب الضروس التي تعصف بالجنوب وكل لبنان، والتي تُحزن كل أصحاب الضمائر والانتماء لهذا الوطن، غير كافية، ليأتي البعض متربّعًا على منابر إعلامية، يسكب من رحيق فكره المأزوم مزيدًا من الانقسام والانقسام المضاد، بدل أن يعمل على بناء جسور اللقاء والتفاهم، لتكون مدماكًا وطنيًا يُبنى عليه في المراحل اللاحقة.
قد يكون توحيد الخطاب الوطني اليوم أحد أقوى الأسلحة في مواجهة الأخطار المحدقة، لكن المشكلة المركزية تتمثّل في وجود أجندات تسير عليها بعض الأبواق، تُكرّس صراعات لا جدوى منها، ولا طائل من استمرارها، الأمر الذي يساهم في ترسيخ وعيٍ قبليٍّ وطائفيٍّ ومذهبيّ، لا يفرح به إلا الخارج الطامع بهذه البقعة الملتهبة من العالم، المسماة لبنان.
قال لي سابقًا الدكتور حسن حمادة، وهو من كبار أساتذة علم الاجتماع اللبنانيين:
“نحن لسنا شعبًا، لم نصل بعد إلى مرحلة التشكّل الاجتماعي الكامل”.
حينها ظننتُ أنه يبالغ في توصيفه، لكن الأحداث المتراكمة أثبتت أن كلامه كان شديد الواقعية والمنطقية. والدليل الأبرز على ذلك هو هذا الانقسام الحاد عند كل شاردة وواردة من القضايا المركزية التي تطفو على السطح، ولعلّ أبرزها الحرب الدائرة اليوم، والتي يفترض ألّا تكون فيها أي أجندة سوى الأجندة اللبنانية الواضحة والصريحة، بعيدًا عن تصاريح تمثّل ثقافة المنفعة والاسترزاق على حساب تماسك الوطن والشعب.
لن أكرر مقولة سعيد تقي الدين الشهيرة في توصيفه للرأي العام، فالأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا تدركها تمام الإدراك، لكننا نريد أن نرفع الصوت أمام ذوي الألباب، بأن صراع القبائل في لبنان لا علاج له إلا باستفاقة النخبة، والقلة القليلة الحريصة على هوية هذا البلد، وعلى تاريخه المشرقي العظيم.
(الحقيقة نيوز)
*************************************




