إشادة نقدية برواية «عشق المناديل» ورسالتها الإنسانية

كل التقدير والاحترام والمحبة للصديقة الأديبة الناقدة والشاعرة الأستاذة سمر الغوطاني التي سبرت بفكرها وثقافتها أعماق وأبعاد روايتي ( عشق المناديل ) وباركتها بقراءة غنية ومعمقة فأضافت عليها رونقا وجمالا .. تحياتي صديقتي دمت منارة فكر وثقافة وعطاء وقدوة في الأصالة والوفاء.
دراسة رواية “عشق المناديل” للأديب والشاعر والباحث العربي اللبناتي حكمت توفيق بشنق
القراءة بقلم: سمر يوسف الغوطاني
تمهيد :
في التشكيل الزمني الروائي، ترتسم الأحداث في مخيلة الكاتب كما لوأنها زمنا ماضيا وانقضى، لكن في هذه الرواية نستشعر زمنها الحاضر في تكوينها السردي والنفسي، وكأنها تحاكينا في كل زمان ومكان بمسايرة كلية لما يعترينا من مشاعر وجدانية نقف على عتباتها كي نسأل أنفسنا سؤالا واحدا ماذا نريد؟ والسؤال عند المثقف يتشعب ويتكاثر ويدور في فلك الروح والأخلاق والتطور الفكري الوجودي والإنساني المتحضر.. ليغدو السؤال سؤالا وجوديا عاما على مسرح الواقع المعاش في مواجهة فعلية مع الاختلاف بكل أشكاله. ومن الجدير بالذكر أن هذه الرواية هي التجربة الأولى للأديب حكمت بشنق في مجال الرواية وهذا ما يؤخذ بعين الإحترام والاعتبار والبحث الجاد.
الدراسة الانطباعية للرواية:
منذ العنوان وهو العتبة الروائية وكذلك هو نص فكري إشاري يرمز إلى شيئين، أولهما الحالة المؤقتة التي تتطلب فعلا مؤقتا يحكمه المكان، والثاني هو حاجة النفس الدائمة للتعبير عن حدث مستمر داخلها. لذلك فعشق المناديل ليس حالة بل ضرورة، والكتابة على المناديل ليست طقسا من طقوس العشق فقط، بل هو فعل يستوجبه حاجة الروح إلى فعل الكتابة لينطلق من هذا الهاجس المجنون إلى الديمومة المرافقة للروح حيث حاجتها إلى عشق من يواتيها ويفهمها ويتماهى معها.
إذن المناديل ليست سلعة متداولة مؤقتة لقضاء حاجة بوقتها، لكنها رسالة أعمق تمتد نحو النفس والوجدان، كي تكون رسالة مبطنة موجهة نحو ارتكازات العلاقات الاجتماعية والنفسية والعاطفية، فهي حركة بدئية لتأثيث عاطفة مشبوبة في الروح التي لاتفتأ تتشبث بها كما لوكانت هي شارة الهداية.
فالكاتب أراد من روايته أن يبث رؤاه الفكرية، من خلال شخصياته الروائية، حيث يأخذ دور الكاتب والراوي بآن معا، ليقود مسير شخوصه وأحداث روايته كما يواتي رؤيته الوجودية للإنسان المثقف ورؤيته للمرأة كما أراد لها أن تكون .. فهو لم يتركها تتكلم بالحدث بل جعلها تفصح عن آرائها وشخصيتها بشكل مباشر، والمباشرة هنا ليست بالضرورة دليل ضعف سردي أو تكويني، لكنه تأكيد على رؤيته التحررية بشأن المرأة ونظرة المجتمع المحلي لمسألة تحررها ( لباسها..حركاتها .إعرابها عن رأيها ووجودها القائم بالفعل بجانب الرجل).
فالكتابة إذن ليست حالة مؤقتة محدودة بزمنها وشخوصها، بل هي تمتد نحو الشعور الإنساني المباح بالفطرة، وقد جعل الكاتب المناديل حجر الأساس في علاقة عاطفية ثنائية، حملت أبعادا نفسية واجتماعية وفكرية بآن معها كأنها موشور معنوي ووجودي ألقى بظلاله على الجميع. وتعمد الكاتب تطعيم السرد لديه، بجمل عامية شعبية تتصل اتصالا وثيقا ببيئته الخاصة اللبنانية، التي تعتبر متحفظة نوعا ما، لذلك كانت الحرية التي تمثلت في البطلة شذا حيث استطاعت التخلص من قيود مجتمعية فرضت،عليها لمجرد أنها امرأة حيث يقول الكاتب بلسانها: (( واقعي يشدني كي أبقى رهينة اللحظة مكبلّة مقيدة، أصفادي الناس، وحراس زنزانتي هم…)). فالبيئة هنا مقيدة للحريات، وأنظار الناس باتت حراسا، وملاحظاتهم كأنها اصفاد للإنسان داخلها المرأة).)
وتقول شذا: ( أنا التائهة في مدى أشواقي جرحتني المسافة الفاصلة بين حلمي وواقعي).
وهنا يؤكد الكاتب على وجود مشكلة حقيقية أمام المرأة في هذا المجتمع ألا وهي حسبان نظرة الناس في بيئتها لها…والكاتب قد جعل هذا الشاب ( سامر) الرزين المثقف الذي يرتب حياته وأموره اليومية باتزان يخضع لرغبة الأم في رقيته، وممارسة طقوس طرد الحسد، كسكب الرصاص وإذابة الملح والمسح على رأسه. مطعما السرد بجمل وألفاظ عامية محلية إذ يقول:
((رمى بنفسه على الّسرير من دون أن يدري ما حلّ به، تذكر والدته حين كان يأتي متعبّا ويتمدد على السرير كيف كانت تسرع إليه لاعنة عيون النّاس الفارغة، ًمتمتمةّ: (إنشالله بيهروا عيونن….. العين بتاخذ مداها من الصخر.. الله يصطفل فيهن…..)). إذن المشكلة ليست في الحسد، بل في هذه العاطفة القوية التي عصفت بالبطل منذ أول لقاء بشذا، تلك الفتاة التي أثرت به، واقنعته بشخصيتها، فهو ليس من السهل أن ينصاع لعاطفته، أو ينتظر شيء من هذا، كونه يعتبر نفسه إنسان ميت نفسيا، باعتباره يتعاطى السياسة ويكتب لأجلها المقالات. ويضع احتمالا كبيرا أنه ميت لامحالة..لذلك لم يفكّر بقلبه أو ينتبه له.
لم يعرّج سامر في طريق العودة إلى الكافتيريا، مع أنه في غالب الأحيان كان يمر لبعض الوقت، وكان قراره حازماً هذه المرة، ومن نفسه، يمتحن إحساسه الغريب الذي حلّ فجأة دون تردد وتملكه فقرر أن يقاوم إحساساً غزا بغفلة منه روحه، وكَمَن بحِرَفية عند مفارق أحلامه.
روحه إذن من قادته إلى شذا، فبدأ يهجس باسمها ويفتقد وجودها، رغم تعمده البعد إلا أنه ينصاع لرغبة قلبه. وكأن هذا اللقاء الذي جاء صدفة، حجرا رماه القدر في بحيرة روحه فاتسعت الدوائر ووازداد التوتر النفسي والصراع ما بين الحركة والسكون المرتبكان في نفسه.
والفتاة شذا فتاة حرة ومنطلقة، واثقة من أنوثتها فرغم أنها تلبس اللباس الذي يظهر مفاتنها الأنثوية، إلا أنها لاتحفل بمساحيق التجميل ولاتضعها على وجهها ذلك إشارة من الكاتب إلى أنها واقعية ومتحررة من كل الزيف المجتمعي الذي يعتبر المرأة أحيانا كثيرة كسلعة جميلة وشكل دون أن يولي اهتماما بمضمونها وعقلها، وهذا وارد كثيرا في نظرة المجتمع الشرقي التراكمية للمرأة. فقد وصف الكاتب بطلته ( توقيت جرى بإحساسها فكانت رعشة الفرح منبها لها توقظها من غفلتها، تحدد إطار ضحكتها، ترسم خطوط نضارتها، تزهر على شفاهها ابتسامة رضا. إلى أن يقول: كان معها في كل تفصيل، تبحث عنه في أوراقها أو في حروفه التي كان يدونهاعلى المناديل.) إذن هذه المرأة المتحررة من الجمال الصناعي، والكذب والبهرج الخادع، تريد أن تكون في علاقة حب دائمة وعميقة، مع رجل أحست به وأحبته بروحها وبادلها الإحساس. لذلك هي دائمة البحث عن سعادتها الحقيقية.
وقد صادر الكاتب رأي القاريء بهذه المرأة، والقاريء هنا الأشخاص الذين يقيّدون المرأة بأنظارهم، وألسنتهم في رؤيتهم لها، فيقول شارحا تصرفاتها: (كأنها تقول لمن حولها: لوتبسمتُ أوضحكت، أولاحظتم من تصرفاتي زيادة في معدل الدلال والغنج، فهذا لايعني مطلقا الفوضى بحياتي، ولايعني بتاتا أنني سيئة الطبع رخيصة الثمن، بل على العكس من ذلك). وهذا انتقاد فعلي من الكاتب لمجتمع شرقي تعوّد أن تسود فيه الشكليات على الجوهر، ويطغى المظهر على الروح والعقل. فنظرة المجتمع قاصرة بشأن المرأة، وبقيت في حدود الإغراء للذكور والشكل الجميل فقط.
ونأتي إلى الصدمة المسارية من الأقدار للبطل والبطلة ( سامر وشذا ) حيث قلبت حسابات الأقدار موازينهما النفسية، وضربت برغبتهما عرض الحائط، حيث أقفلت الجريدة التي كان سامر يعمل فيها في بيروت، وعليه اقساط وديون عليه تسديدها من راتبه، حيث أن والده يعمل بالزراعة كسائر أهل القرية. لكن الأقدار أيضا جعلته يلتقي صدفة بزميل له، كان يعتبره متعجرفا، عرض عليه فرصة للعمل معه في الخارج، وعليه ان يبتعد عن أهله وحبيبته وموطنه…. وهنا كانت نقطة التحول في حياته تحول مفصلي حاد. جعلت الاحداث تتطور تصاعديا.
(( نعم لقد أودعنا أرواحنا خوابيها المعتمة، لعلًنا نرتشف يوما ّكأس الفرح على طاولة ما تبقى من حياة. آخر ما تبقى منك يا وطني تذكرة سفر ستموت بعد قليل ّوحقيبة ذكريات منسية في ركن أحلامنا فالقادم بيد القدر… القادم بيد القدر ))
هذه كلمات سامر في طريقه للمطار قبل الرحيل.. فقد كان الرحيل الحل الوحيد في وأد خيبته بعد أن استنفذ في وطنه كل سبل النجاة.
الوطن، كما ألمح هو بعباراته المتناثرة، في مشكلات متعددة وشاملة نفسية ومادية وسياسية واجتماعية، وأيضا عائق كبير في متابعة الطموحات الثقافية والعملية. لذلك كان لابد من الرحيل.. والأمور كما قال مجهولة ومازالت بيد القدر، حتى العودة باتت أملا يرجى.. ولم تكن بباله حتميتها. فقد عبر عن شعوره في مقطع شعري ارسله لحبيبته شذا حين وضعه على نافذتها واختفى فورا لايريد الوداع لأنه يخشى من حزنها وحزن قلبه أن يثنيه عن السفر …
(( لاتلمني ان ذرفت الشوق نهرا
وشربت كأس أقداري خمرا
فمن يداوي جرح القلب إن هي نزفت
ومزقت أنياطه قهرا ))
فالأقدار لعبت لعبتها في البعد وتحول المصير، والفرص الضائعة، وتحويل مسار الحياة، وقلبها إلى النقيض، فالمحبوبة عانت في غيابه من رواسب مجتمعية جائرة، وتحملت إساءات البشر لها، ثم اضطرتها الأقدار لتتزوج من رجل أمي، وهي امرأة متحررة ومثقفة لتتقي الكلام الجارح، وتسكن نفسها إلى واقع لابد منه آنذاك…
أما هو فالأقدار أخذته نحو ماهو أجنبي عنه. صديقته الوحيدة كانت إرادته في أن يثبت وجوده ويتحدى غربته بالعمل والجد، وتلك الإفريقية الممرضة التي لابأس بها كامرأة، كانت وفية ومتفهمة ومساندة له. هناك في الغربة لابد من التأقلم مع كل ماحول الإنسان. طبيعة، مجتمع، اخلاق وأشخاص وقوانين.. لكن المفارقة في الأمر أن لقاء العاشقين كان مستحيلا في الزواج.
لكن أبناءهم (لقاء وأمل) هذان الإسمان اللذان رمزا للحب بينهما، ولأمنياتهما في أن يكونا لبعضهما البعض كزوجين عاشقين، تحققت بأولادهما والقدر كان يسحب الدوائر حتى يصلا إلى اللقاء المؤّمل.
قوانين الحياة صعبة، فحسابات ريحها لاتوافق حسابات بيادر الأمل لديهما.. لذلك كان الفراق والصعوبات المتتالية أحجار العثرات أمامهما. فكانت الحياة مليئة بالمفارقات، كماهي بالواقع المعاش، فعلا فكأسها يدور على كل إنسان .
( الصديق الفارغ المتعجرف ) الذي لم يقنع أحدا، نجح في حياته ومدّ يد العون لصديقه. ومن كان يرجوه من غير هذا الشخص لم يجده، وشذا خانتها صديقتها تريد أخذ حبيبها منها، ومن لم يقم له المجتمع وزنا أو قيمة تبعا للمظاهر الاجتماعية، والنظرة الدونية وأقصد ( هاني) الذي كان شعلة من الأدب، وتقبل الآخر والحنان كان المساعد الأول والمساند الأفضل مطلقا لشذا في مجتمع لا يفرق بين الصالح والطالح.. وتؤخذ الناس بالمظاهر التافهة والقشور الفانية.
وذاك الحزن الدفين يظهر من وقت لآخر، في حس شفيف اختبأ مابين الضلوع، وظل بصمة القدر الجميلة التي لاتمحى رغم القهر. فالكتابة على المناديل ليست تخييلاً شعريا وتعبيراً شعوريا فعليا عن الحب والحالة النفسية، بل هو أعمق من هذا، وكأن الكاتب أراده حالة دائمة لنفس اختبأت وراء أقدارها قسرا، ووجدت حريتها بالحب فقط .. فالإنسان بقدر ماهو جبار وعنيد ومثابر وقوي ظاهريا، فهو ضعيف أمام مشاعره، لأنه من ماء وتراب، روح ضاربة في السماء وجذر ضارب في الأرض، إنه شجرة الحس والحدس التي تتأثر برياح الواقع والظروف والأقدار…
وأخيرا أقول إن التصاق هذه الرواية ببيئة الكاتب، لم يمنحها التقعر والحيزية، لكنها امتدت نحو اللانهاية حيث ان كتاب الأيام والأقدار، يصنع ماصنع من أحداث في كل بقعة جغرافية مسكونة بالمجتمعات المختلفة، لكن مايميز تلك المجتمعات طريقة تفاعلهم وتعاملهم وردات أفعالهم وأعرافهم الاجتماعية. فمشكلات الإنسان وإن تعددت، فهي متشابهة ومكررة، والرسالة هنا إنسانية حتى وإن دارت في بيئة او اثنتين، فالبيئة تسكن الإنسان مثلما يسكن هو فيها.
وأختم بالقول إن الوطن هو الحاضن، فإن فقد الإنسان فيه الأمان والطريق، فقد نفسه وراح ليبحث عنها في كل مكان.. ومن هنا استخلص، أن هذه الرواية تمتد بموشور دلالي (اجتماعي وطني جغرافي ونفسي وبيئي ضمن إطار وجداني طاغ يمتد حتى النهاية). وقد طعم الكاتب أسلوبه السردي المراوح بين الشاعري والمباشر بالأمثال الشعبية : ( رأس الفرغان ملعب للشيطان)، والألفاظ المحلية، ووصف لمظاهر الطبيعة الخاصة بمكان الرواية في قرية (مرستي الجبلية التابعة لقضاء الشوف)، مما أكسبها الواقعية الهادفة إلى إلقاء الضوء على السلبي والإيجابي، من خلال الحوارات والتصوير الداخلي والإشاري..،،،،
ويبقى للكاتب فضاءاته الخاصة ورؤاه العميقة…التي تمثلت بالنهاية الصادمة التي مفادها أن الحب لابد منتصر مهما طالت المدة، والأحلام لابد ستتحقق إن كان من يستشعرها صادقا ووفيا لها. المهم في النهاية أن تلتقي القلوب وان لم يلتق الجسد. رسخ الكاتب هذه الفكرة الثابتة لديه حين قال على لسان سامر في حفل تخرج ولده لقاء : (لاتدعوا الصلاة، وتجنبوا الشك بقدرة الله .. ثقوابأنفسكم يتحقق ماتحلمون به، إني أخالف الكاتبة أحلام المستغانمي التي قالت في إحدى رواياتها: ( خلقت الأحلام كي لا تتحقق)، فالحلم يحققه الإيمان. وعاد سامر إلى الموقع الذي احتضن ( فكره ورغائبه وطموحه)
صباح اليوم التالي كتب سامر على منديل ورقي في الطائرة أثناء عودته: (( نعم أزهر المستحيل وأشرقت شمس عشقنا، شمس قطبية لاتشرق إلا لبضع وقت وتغيب، صلّوا لأجل الحب فهو رفيق الروح وأنيس الوحدة يلازمها إن فنيَ الجسد، أبدي سرمدي لا يزول. أقدارنا ترسم لنا دروب غدنا… آمالنا تتناثر فوق مروج الصدفة نحن الركاب، العمر محّطة، والحياة قطار… الحياة قطار )).
فكرُ كاتب زاخر بالتجارب العميقة، والمشاهدات الواعية، والدراية الحسية، والحدس العميق بخبايا الظواهر. فهو يجيد قراءة الواقع وتفسير مابين السطور، موجها بروايته رسائل كثيرة تصلح كي تكون إشعاعا فكريا، وقبسا تنويريا روحيا للقاريء في أي زمان، بعيدا عن التأطير المكاني وخصوصية التجربة….