
الدكتور وسيم عربي لـ حرمون : اللغة العربية كائنٌ حيّ يربط وعي الإنسان بجمال المعرفة وفلسفة اللفظ
*من النحو الوصفي إلى الفلسفة اللغوية: رحلة البحث عن “المعنى” في التراث والحداثة
*القيادة التربوية والذكاء الاصطناعي: استراتيجيات حديثة لصون الهوية في العالم الرقمي
*حين يصافح الشعرُ المنطقَ: رؤيةٌ إبداعية لإعادة بناء العلاقة بين الطالب ولغته الأم
تقديم هاني سليمان الحلبي
(ناشر منصة حرمون – اتحاد الكتاب اللبنانيين – نقابة محرّري الصحافة)
كانت أطلقت إدارة منصة حرمون الخميس في 9 كانون الثاني 2025، برنامج مقابلات 2025-2026، برسالة دعوة جاء فيها: “في إطار العمل الإعلامي التوعوي تطلق منصة حرمون برنامج مقابلات 2025-2026 مع أهل العلم والثقافة والتربية والاقتصاد وسادة المجتمع وسيداته. تتضمّن المقابلة باقة أسئلة ترسل للضيف/ة للتعريف عن نفسه/ا وعمله/ا وعن معوقات العمل والتطوّرات الحديثة فيه، وأبرز المشكلات التي يعانيها الناس وأبرز حلولها العلميّة. ونلفت النظر إلى أن المقابلات هي هدية من المنصة لأهلها ومتابعيها في 241 دولة تشاهد منصة حرمون. وهو عمل تطوّعي صرف. ومن يرغب بالتعاون في هذا العمل الجميل نرحّب باستضافته/ا من بُعد في المنصة. ومهتمة المنصة بمناسبة مئوية الثورة السورية الكبرى (1925 – 2025) بسلسلة حوارات مع الباحثين وأسر الشهداء ورجالات الثورة وسيداتها وأحفادهم”.
وفي عالم تتشابك فيه البنية اللغوية بالوعي الإنساني، تبرز الحاجة إلى قراءات تتجاوز الأطر التقليدية للنحو والصرف لتصل إلى “فلسفة اللغة”.
لذا يسعدنا في منصة حرمون أن نستضيف قامة أكاديمية تجمع بين التحليل الأكاديمي الدقيق والحدس الشعري المرهف؛ الدكتور وسيم عربي، الباحث والتربوي السوري الذي يرى في اللغة العربية كياناً حياً ونبضاً للحضارة. في هذا الحوار، نبحر معه في رحلته العلمية، ونستكشف رؤيته حول اندماج التكنولوجيا بالتعليم، وكيف يمكن للفصحى أن تظل حارسة للهوية في زمن المتغيرات الرقمية..
هكذا بين أروقة النحو وميادين التربية، وبين انضباط الفلسفة وتحليق الشعر، يقيم الدكتور عربي جسوراً من المعرفة لا تكتفي بوصف اللغة، بل تستنطق دلالاتها الكامنة. رحلة باحث شاب متخصص بدأت بأسئلة الطفولة الفلسفية وانتهت بعطاء أكاديمي وتربوي واسع المدى. باحث يرى في الكلمة العربية فضاءً معرفياً لا يحدهّ زمان، لنكتشف معه كيف يتحول الإعراب من عملية ميكانيكية إلى ذائقة فكرية، وكيف تقود القيادة التربوية أجيالنا نحو مستقبل يجمع بين الأصالة والحداثة..
نستضيف هنا في هذا الحوار اللغوي السوري الدكتور وسيم عربي، معرفاً عن نفسه، ومتحدثاً عن مسيرته، وعن شجون اللغة والنحو وفلسفة اللغة والإعراب بين التراث والتقنية المعاصرة..
حوار شيّق مترع بالفكر والثقافة والدقة والجرأة النقدية العلمية.. يستحق القراءة والمتابعة والتعميم على معارفكم وأصدقائكم لينتشر النور..
تنسيق وإعداد وحوار فادية الجرماني الحلبي
1- حبّذا تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟
أنا د. وسيم عربي، باحث لغوي عربي ومستشار تربوي، حاصل على شهادات عليا عديدة منها:
- الدكتوراه الأكاديمية في اللغة العربية، اختصاص الفلسفة اللغوية، من الجامعة الأميركية الصومالية.
- الدكتوراه المهنية البحثية في اختصاص القيادة التربوية، باعتماد جامعة القاهرة.
- الدكتوراه الشرفية التكريمية في مجال الشعر من مجلة “نجوم سوريا والعرب” وأكاديمية السلام في ألمانيا.
- الماجستير الأكاديمي في اللغة العربية، اختصاص النحو والصرف، من جامعة دمشق.
- البكالوريوس الأكاديمي في اللغة العربية من جامعة دمشق.
- البورد الأوروبي في مجال التربية العملية، اختصاص المناهج واستراتيجيات التدريس.
- الرخصة الدولية للتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة.
- شهادة معلم محترف من منصة “معلمي” الإماراتية.
- شهادة خبرة من منصة “ألف” الإماراتية للتعليم.
- مدرب دولي معتمد لدى أكاديمية أكسفورد المهنية للتدريب والتعليم.
- دبلوم الذكاء الاصطناعي في التعليم، باعتماد هيئة المعرفة في دبي.
- الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي.
- عضو الاتحاد الدولي للغة العربية.
- عضو الجمعية السورية للبحث العلمي.
- شكر وتقدير من وزارة التربية والتعليم السورية ونقابة المعلمين.
- شكر وتقدير من وزارة التربية والتعليم الإماراتية (قسم التعليم الخاص).
لديَّ خبرة تدريسية طويلة في المراحل المدرسية والجامعية، إضافة إلى خبرتي في التدقيق اللغوي. أرى اللغة نظاماً حياً يتداخل فيه المعنى بالوعي، واللفظ بالفكر، والجمال بالمعرفة. أعتقد أن اللغة ليست مجرد أداة اتصال، بل فضاء معرفي يحوي إرثاً حضارياً عميقاً، يمتد من التراث العربي إلى مقاربات حداثية تُعالج سياقات الفكر والفن والثقافة المعاصرة. إلى جانب ذلك، أمارس الشعر بوصفه امتداداً حدسياً لما أدرسه نظرياً؛ فاللغة عندي معرفة متجسدة، ونتاج أدبي، وإبداع حي تمثَّلَ في نصوص شعرية ليست بقليلة.
2- هل من الممكن العودة إلى البدايات والنشأة والحديث عن رحلتك في عالم العربية؟
بدأت رحلتي مع اللغة منذ الطفولة، حين كانت كل كلمة تفتح نافذة على العالم. لم أكن مكتفياً بالحفظ، بل كنت أطرح أسئلة فلسفية: لماذا هذه القاعدة؟ وما علاقتها بالبنية الذهنية للمتكلم؟ واجهت صعوبات تتعلق بازدواجية الحقل بين التحليل اللغوي والتأمل الفلسفي، وقلة الدراسات التي تجمع بينهما، لكن الإصرار والمعايشة المستمرة للنصوص أكسباني رؤية تراكمية تجعل كل نص تجربة فكرية منقطعة النظير. فعند قراءة نص نحوي تقليدي مثل: “الفاعل مرفوع”، كان السؤال الفلسفي الذي أطرحه: لماذا يُرفع الفاعل؟ وهل يعكس هذا اختياراً معرفياً يوضح مركزية الفعل والفاعل في الوعي العربي؟ لذلك فإن كل قاعدة لغوية هي دعوة للتساؤل، وكل سؤال فلسفي نافذة لاكتشاف الذات.
3- حدثنا عن أبرز محطات حياتك العملية والمهنية.
مسيرتي المهنية توزعت بين التدريس الجامعي والمدرسي، البحث العلمي، الإنتاج الأدبي، والمشاركة الإعلامية. ركزت على أن تصبح المعرفة حية ومتاحة للجمهور، لا مقتصرة على المختصين، مع الحفاظ على عمقها التحليلي، وذلك في مختلف محطات مسيرتي التعليمية في سورية والإمارات، متنقلاً بين الجامعات والمدارس والمعاهد التعليمية الحكومية والخاصة.
4- ما الذي يميز شخصيتكم؟
السعي إلى التكامل بين العقل التحليلي والحدس الإبداعي لإنتاج معرفة حية ومتصلة بالواقع الإنساني والفكري. فأنا أعمل على تحويل مفهوم فلسفي إلى نص أدبي مكثف يربط الفكر بالعاطفة؛ مثل تجربة ربط نظرية الدلالة بالنص الأدبي، فالإبداع يبدأ حيث ينتهي العقل التحليلي، والعكس صحيح.
5- ما الذي دفعك لاختيار اللغة العربية وفلسفة اللغة؟
اللغة العربية ممتلئة بالدلالات متعددة الطبقات، وتتيح التأويل والتأمل العميق. أما فلسفة اللغة، فهي مجال يطرح السؤال الجوهري: كيف ينتج اللفظ المعنى؟ وما علاقة ذلك بالوعي الإنساني؟ إنها دراسة العلاقة بين العلامة والمفهوم، وبين الإشارة والإدراك، وربط ذلك بالبنية المعرفية للإنسان. كلمة “نور” – على سبيل المثال – قد تُفهم حسّياً (ضوء) أو معنويًا (هداية)، مما يعكس قدرة اللغة العربية على احتواء مستويات متعددة من المعنى، ومن ثم يصبح تحليلها فلسفيًا بامتياز. وعند تحليل نص شعري مثل: “أمواج البحر تنطق بالحنين”، لا نتعامل مع الكلمات كرموز سطحية، بل كنظام دلالي يعكس الحالة الشعورية ويعيد تشكيل إحساسنا بالزمان والمكان. واللغة ليست مجرد كلمات، بل هي نبض الحضارة ومرآة الروح الإنسانية، وكل كلمة عربية تحمل في طياتها عالماً كاملاً من المعاني الضمنية تنتظر من يكتشفها.
6- ما المقصود بفلسفة اللغة العربية وكيف تختلف عن علم اللغة؟
فلسفة اللغة تتجاوز الوصف البنيوي؛ فهي دراسة اللغة بوصفها كائناً معرفياً وثقافياً وفكرياً، تبحث في طبيعة المعنى والمرجع والتفسير والتأويل. بينما علم اللغة يدرس الهيكل الصوتي والنحوي، فإن فلسفة اللغة تسأل: كيف يصنع اللفظ المعنى؟ وكيف يؤثر في الوعي؟ مثال ذلك: جملة “الوقتُ من ذهب”؛ تحليلها في علم اللغة يركز على التركيب والصياغة، أما فلسفة اللغة فتطرح سؤالاً: هل الزمن مجرد مادة مادية أم مفهوم ثقافي وقيمي يعكس رؤيتنا للوجود؟ ما دلالة الاسم؟ ولِمَ ابتدأنا به؟ وما دلالته بصفته اسماً معرفاً بـ “أل”؟ وما أهمية الرفع؟ وإلامَ تشير حروف الكلمة وما تحمله من معنًى دلالي؟ لذلك فإن فلسفة اللغة تكشف أن وراء كل كلمة قصة، ووراء كل تركيب نافذة على الفكر تطل على انزياحات لغوية وحقول دلالية لها تفسيرات فلسفية تزيل غموض العديد من الأسئلة المطروحة التي تدور حول محور اللفظ.
7- متى بدأ الاهتمام بفلسفة اللغة في التراث العربي؟
ظهر الاهتمام في التراث العربي ضمن مباحث البلاغة وأصول الفقه، وخصوصاً في التمييز بين الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص؛ إذ كان العلماء يطرحون أسئلة فلسفية عن العلاقة بين اللفظ والمعنى ونيات المتكلم. فالتمييز بين “الأمر” و”الطلب” في أصول الفقه يظهر كيف تعامل التراث مع الدلالة بطريقة فلسفية دقيقة، مبنية على فهم السياق ونية المتكلم. فاستخدام فعل الأمر موجّهاً من الأعلى للأدنى يحمل معنى الأمر بقوة وتكبّر، أما إذا كان موجهاً من الأدنى للأعلى – من العبد إلى الله عز وجل على سبيل المثال – يكون معناه الطلب والدعاء. لذلك نجد أن التراث اللغوي ينبض بالحياة، فهو ليس محفوظاً في كتب فقط، بل في كل كلمة نفهمها.
8- من هم أبرز المؤثرين في مسيرتكم الأكاديمية؟
تأثرت بعدد من علماء اللغة وفلاسفة العرب الذين جمعوا بين التحليل الدقيق والرؤية الكلية، مثل الفلاسفة البلاغيين ونحاة مدرسة البصرة، حيث أسهموا في صقل الحس النقدي وفتح آفاق جديدة للتفكير في العلاقة بين اللغة والفكر. فقراءة نص أدبي قديم بمنهج تداولي حديث يكشف أبعاداً لم تكن ظاهرة في القراءة التقليدية، مثل تأثير السياق الاجتماعي على اختيار الكلمات.
9- هل تراجع الفصحى يؤثر في الهوية الثقافية؟
بالتأكيد؛ لأن اللغة وعاء الثقافة والذاكرة الجمعية، وأي ضعف فيها يؤدي إلى انزياح في البنية الثقافية والرمزية للمجتمع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استبدال مصطلحات عربية أصيلة بأجنبية في الخطاب اليومي يضعف ربط الجيل بالتراث الثقافي ويغيّر ملامح الهوية تدريجياً، واللغة الأم ليست مجرد أداة، بل هي قلب الهوية النابض.
10- ما أبرز التحديات في تدريس فلسفة اللغة؟
تكمن في التجريد الفلسفي للمفاهيم وصعوبة ربطها بالخبرة التعليمية، إضافة إلى ضعف الخلفية الفلسفية لدى الطلاب أحياناً. فمفهوم “المرجع” يصبح أكثر واقعية إذا ربطناه بأشياء محسوسة مثل الإشارة إلى كتاب أو شخص معين، بدل الاقتصار على التجريد. والتعليم الفلسفي للغة رحلة من التجريد إلى التطبيق، ومن الفكرة إلى الحياة.
11- دكتور وسيم، في ضوء العالم الرقمي كيف ترى تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على اللغة العربية؟
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا يمثلان فرصة وإشكالية معاً؛ فهي تعزّز الانتشار وسرعة التعلم، لكنها قد تضعف الدقة اللغوية والمعرفة السياقية إذا لم تُوظف بحذر. ومثال ذلك: النصوص المولدة آلياً سليمة شكلياً لكنها تفتقر إلى العمق الدلالي والثقافي وإلى الدقة اللغوية أحياناً. فالتقنية أداة، واللغة روح يجب ألا ينفي أحدهما الآخر.
12- حبذا لو تحدّثنا عن انتشار اللهجات في الإعلام. ماذا ترى في ذلك؟
اللهجات تمثل البعد الحي للغة اليومية، لكنها لا تغني عن الفصحى بوصفها الحامل المعياري للمعرفة والحضارة. يمكن استخدام اللهجة في الأعمال الدرامية العامية أو الحوار اليومي، لكن النصوص العلمية والأدبية لا تُكتب إلا بالفصحى لضمان الدقة والاتصال الحضاري.
13- برأيك كيف يكون التوفيق بين الحداثة والحفاظ على أصالة اللغة؟
يكون عبر التجديد المؤصَّل: استيعاب المستجدات ضمن بنية اللغة دون استبدالها، وتعريب مصطلحات التكنولوجيا والعلوم الحديثة بدل استيرادها كما هي للحفاظ على وحدة اللغة والوعي الثقافي. فالتجديد الحقيقي يحافظ على الجذور ويواكب الأفق.
14- وكيف يتم تبسيط النحو للطلاب دون الإخلال بدقته؟
يتم عبر ربط القواعد بالمعنى والسياق بدل الحفظ المجرد، واعتماد الطريقة الاستقرائية بالانطلاق من المثال وصولاً إلى القاعدة وليس العكس. هذا من منظوري الخاص، فضلاً عن توظيف التعلم الرقمي وطرائق التعلم الحديثة للوصول إلى الغاية المرجوة.
15- ما تأثير المدارس النحوية القديمة على لغتنا العربية؟
لا تزال المدارس القديمة تمثل مرجعية أساسية، لكنها تحتاج إلى إعادة قراءة في أطر معرفية حديثة تربط التراث بالواقع التعليمي المعاصر. ومن الجيد إعادة تفسير قواعد مدرستَي البصرة والكوفة النحويتين بما يتلاءم مع المناهج التعليمية الحديثة؛ فالتراث اللغوي يُقرأ بعين العصر لا بعين الماضي فقط.
16- يا تُرى ما أبرز الإشكاليات في فهم الإعراب؟
تكمن في الانفصال بين الشكل والمعنى، مما يحوّل الإعراب إلى عملية ميكانيكية عقلية فقط دون إطلاق العنان للذائقة اللغوية.
17- ما نصيحتكم للطلاب المهتمين بدراسة اللغة بعمق فلسفي؟
أن يتعاملوا مع اللغة بصفتها كائناً حياً، وأن يمارسوا التفكير النقدي بدلاً من التلقي السلبي. فعند تحليل نص شعري أو نثري قصير، يجب علينا محاولة تفسير كل اختيار لغوي وتأثيره الدلالي والجمالي؛ فشتان بين لغة تُفهم فتتحول إلى قوة، ولغة تُحفظ فتتحول إلى حبر على ورق.
18- ما جديد مشاريعكم البحثية؟
أعمل على مقاربات دمج النحو وفلسفة اللغة وتحليل الخطاب، لإنتاج نموذج تفسيري جديد يربط بين اللغة والتأثير المعرفي والجمالي؛ مثل تحليل خطاب سياسي أو إعلامي للكشف عن البنية الدلالية وكيفية تأثيرها في المتلقي. فالبحث اللغوي لا يدرس اللغة فقط، بل كيفية تشكيلنا لها.
19- ما الاستراتيجيات الحديثة في التدريس التي تعتمدونها لتحقيق تعلم فعال؟
أؤمن بأن الاستراتيجيات الحديثة للتدريس تقوم على التعلم النشط، التعلم التعاوني، والتعلم القائم على المشكلات، مع دمج التكنولوجيا التعليمية والوسائط المتعددة لتعزيز الفهم والتفاعل. هذه الطرائق تحوّل الطالب من متلقٍ سلبي إلى مشارك فعّال في عملية التعلم، مع تشجيع التفكير النقدي، والإبداع، واستكشاف المعنى. كما أنها تساعد على توظيف المعرفة النظرية في سياق عملي واقعي، وتربط بين المحتوى الأكاديمي وتجارب الحياة اليومية. ومثال ذلك: في تدريس قاعدة “المفعول به”، أقدّم نشاطاً جماعياً يقوم فيه الطلاب بتحليل جمل من نص شعري أو نثري من خلال أوراق العمل، فيصنفون المفعول به ثم يناقشون كيف يؤثر موقعه على المعنى والبلاغة، مع استخدام أدوات تعليمية رقمية لتوضيح العلاقات بين الكلمات بصرياً ودلالياً. فالطرائق الحديثة تجعل الطالب شريكاً في المعرفة، وتحوّل الصف إلى مختبر حي للتفكير والتجربة.
20- كيف تنظرون إلى القيادة التربوية في إدارة الصف وضمان بيئة تعليمية فعّالة؟
إدارة الصف هي امتداد عملي للقيادة التربوية؛ فهي تتطلب تنظيماً ذكياً للوقت، وتحفيز الطلاب، وإدارة الاختلافات الفردية ضمن بيئة صفية متكاملة. المعلم الناجح يخلق مساحة آمنة للتعلم، ويوازن بين الانضباط والحرية الفكرية، ويستخدم استراتيجيات متنوعة للتفاعل مع كل طالب حسب قدراته واهتماماته. هذه الإدارة تضمن تحقيق الأهداف التعليمية مع تعزيز التفكير النقدي والإبداعي. في درس النحو مثلاً، يمكن للمعلم تقسيم الصف إلى مجموعات صغيرة لتحليل نصوص مختلفة، ثم يتابع كل مجموعة ويقدم تغذية راجعة فردية، مع استخدام تقنيات تفاعلية لتوضيح القواعد وإشراك الطلاب جميعاً. والأهم هو تقسيم ناتج التعلم حسب مستويات الطلبة (المنمذج – الموجه – المستقل) مع طرح أسئلة التفكير الناقد؛ فكل ذلك يعد البوصلة الحقيقية نحو قيادة تربوية ناجحة. فالصف المنظم ليس مجرد مكان للتعليم، بل هو مختبر وعي يُزرع فيه الإبداع ويُصقل التفكير.
21- دكتور وسيم، أنت من هواة الشعر، هلا حدثتنا عن علاقتكم الشخصية بالشعر وكيفية تأثيره على تفكيركم الأكاديمي؟
أعد الشعر امتداداً حدسياً لفلسفة اللغة؛ فهو يعكس الجانب الإبداعي من الفكر ويتيح للغة أن تتحرك خارج حدود القواعد والنحو. الشعر عندي ليس مجرد نصوص جمالية، بل أداة تحليلية تساعد على فهم الدلالة، واستكشاف الطبقات العاطفية والفكرية للكلمة. إنه يعكس العلاقة الحية بين الفكر والوجدان، ويثري التجربة الأكاديمية بمعرفة حسية غير ممكنة في التحليل النظري البحت. وهذان بيتان من إحدى قصائدي أصف بهما سحر البحر:
وَبَحْرٌ شَقِيْقُ الرُّوْحِ لا يَشتكِي مِنَّا
على خدِّه المُحمرِّ نصطادُ مَرجانا
لأنِّي غريقٌ في الغرامِ الَّذي يَشفي
أُسوِّي نسيجَ الشِّعرِ مادُمْتُ نَشوانا
لا أكتفي بفهم المعنى الحرفي، بل أدرس الأسلوب البلاغي، البناء الدلالي، والصورة الشعورية، وأحلل كيف تؤثر اللغة على المتلقي وتشكّل رؤيته؛ فالقصيدة بمجرد تحررها من “القفص الشاعري” لم تعد ملكاً للشاعر وإنما ملكاً للجمهور. وفي هذا السياق أرى أن الشعر ليس ترفاً، بل تجربة معرفية تعيد تشكيل العلاقة بين العقل واللغة والروح.
22- بمَ تلخص لنا رأيكم بنشاط مركز سميح للتنمية والثقافة والعلوم؟
يمثل هذا المركز حاضنة ثقافية تُعيد الاعتبار للفعل الإبداعي، وتخلق فضاء للحوار والمعرفة، وتدعم الإصدارات الأدبية؛ فهو من المراكز الثقافية التي تمدّ جسور المستقبل للهوية والإبداع.
23- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية،، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟
تمثّل مئوية الثورة السورية الكبرى لحظة وعي وطني متجدّد، لا مجرد ذكرى تاريخية. فهي استدعاء لقيم الحرية والوحدة التي جسّدتها قيادة الثورة، المتمثلة بقائدها العام الفذ سلطان باشا الأطرش.
الاحتفاء اللائق بها يجب أن يكون معرفيًا ونقديًا، لا احتفاليًا فقط، عبر:
- إعادة قراءة الثورة بحثيًا بعيدًا عن التبسيط.
- تحويلها إلى أعمال ثقافية وفنية حيّة.
- ترسيخها تربويًا في وعي الأجيال.
فالذاكرة التي لا تُفكَّر، تتحوّل إلى عبء؛ والتي تُفكَّر، تصبح قوة.
24- هلّا حدثتنا عن ما صدر من إنتاجكم الفكري والثقافي، وما جديدكم المقبل؟
ينطلق مشروعي من الجمع بين فلسفة اللغة والعلوم التربوية والشعر، بوصف اللغة أداة فهمٍ للعالم وإعادة تشكيله. عملتُ في البحث على قضايا تعليم العربية وتحليل الخطاب، وفي الشعر عايشت التعبير الرمزي عن الإنسان والوطن.
فمن الكتب التي أنتجتها:
“المزهر في علوم اللغة العربية وأنواعها” لجلال الدين السيوطي (دراسة وتحقيق) – رسالة ماجستير أكاديمي:
“القرآن الكريم في مرآة الفلسفة اللغوية – جزء عم – أنموذجا” – أطروحة الدكتوراه الأكاديمية.
“القيادة البيداغوجية في منهجية تدريس النحو للناطقين بغير العربية” رسالة دكتوراه مهنية.
“التطوّر الدلالي لدى شعراء العصر العباسي” بحث جامعيّ.
مقال تربوي بعنوان: “القيادة التربوية من الرؤية إلى التنفيذ” عبر مقابلة تلفزيونية على قناة الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
فضلاً عن تأليفي عشرات القصائد الشعرية
أما جديدي فهو:
كتاب نقديّ في فلسفة اللغة التطبيقية.
ديوان شعري جديد ذو بعد إنساني عميق.
25- دكتور وسيم، كلمة أخيرة توجّهها لمتابعي حرمون.
اللغة العربية ليست ماضياً يُستعاد، بل أفق يُبنى وحضارة تُحيا، وكل نص علمي أو أدبي يُكتب بالفصحى يُعدّ مساهمة في استدامة هذا المشروع الحضاري؛ فكتابة مقال أو نص شعري بالفصحى تكون بمثابة صون للهوية وتعزيز للوعي الثقافي. ولغتنا ليست كنزاً للاحتفاظ والتغني به فقط، بل مسؤولية وحياة مستمرة تعيش فيها قداسة القرآن وجمالية الأدب، فتتراقص على مسرحها أقلام المبدعين.









