
الفنان وسيم بركة لـ «حرمون»: التراث ليس ماضيًا بل ذاكرة نحميها بالتجديد والأصالة روح الفن
في عالمٍ يسارع نحو الفن السريع، يبدو الرهان على الأصالة كمن يحمل جمرةً في يده؛ لكن الفنان وسيم بركة اختار أن يجعل من هذه الجمرة نورًا يضيء به مسيرته. بين مروج السويداء وشموخ جبالها، نشأ صوتٌ أدرك منذ اللحظة الأولى أن الغناء ليس مجرد أداء، بل هو موقفٌ أخلاقي، وانحيازٌ حقيقي للناس، واحترامٌ عميق للذاكرة والتراث.
في هذا الحوار الخاص مع موقع «حرمون»، نفتح مع الفنان وسيم بركة أوراق التجربة والرؤية؛ لنتحدث عن الطرب الجبلي والشعبي، وعن معادلة التوازن الصعبة بين الأصالة والتجديد، وكيف يمكن للفن الصادق أن يظل حياً في وجدان الناس وسط زحام العصر ومتغيراته.
تنسيق وحوار: ميساء عبدالله أبو عاصي
-
حبذا لو تعرّف زوار ومتابعي موقع «حرمون» عنك؟
وسيم بركة من مدينة السويداء، فنان نشأ في بيئة بسيطة. أحب الغناء الجبلي والشعبي لأنهما الأقرب إلى روحي وإلى هوية الناس. بالنسبة إليّ، الفن ليس مجرد صوت أو ظهور، بل هو موقف، واحترام للتراث، ومحاولة دائمة لتقديم فن صادق يشبه الناس ويتحدث عنهم.
- حدثنا عن نشأتك، وما أبرز المواقف والدروس التي تذكرها وحفرت في وجدانك ونفسك؟
نشأت في بيت يقدّر التعب والالتزام، وتعلمت منذ صغري أن كل شيء جميل يحتاج إلى الصبر. مررت بمواقف علّمتني أن النجاح الحقيقي لا يأتي بسرعة، وأن من يحافظ على كرامته وفنه يكسب احترام الناس قبل أي شيء آخر.
-
كيف كان أول لقاء لك مع الموسيقى؟ وكيف بدأت مشوارك مع الفن؟
كانت الموسيقى موجودة في حياتي منذ أن كنت صغيرًا، في الأعراس والجلسات والبيوت. لكن اللحظة التي شعرت فيها بأن الأمر أكبر من مجرد هواية كانت عندما رأيت تفاعل الناس مع صوتي، وشعرت بأن الغناء يمكن أن يكون وسيلة تواصل حقيقية بيني وبينهم.
-
ما أبرز التحديات التي واجهتها في مسيرتك الفنية؟
واجهت تحديات كثيرة، وأهمها أن تستمر في هذا الطريق من دون أن تغيّر جلدك أو تتخلى عن هويتك. في وقت أصبح فيه الفن السريع والمستهلك منتشرًا، كان التحدي بالنسبة إليّ أن أبقى متمسكًا بهويتي وباختياراتي، حتى لو كان الطريق أطول.
-
ما رأيك في الجمع بين الطرب الجبلي والشعبي في أعمالك؟
الجمع بين الطرب الجبلي والطرب الشعبي فكرة رائعة؛ لأن الطرب الجبلي يعكس حياة الجبال وتقاليدها، بينما يعبّر الطرب الشعبي عن قضايا الناس وحياتهم اليومية. والمزج بينهما يمكن أن يجذب جمهورًا أكبر، من الجيل القديم والجديد.
كما أن هذا الدمج يساهم في الحفاظ على التراث مع التجديد، إذ يمكن الحفاظ على أصالة الأغاني الجبلية، وفي الوقت نفسه تطويرها بأسلوب عصري. ويمكن كذلك دمج الإيقاعات والآلات الموسيقية المختلفة لخلق أعمال جديدة ومتنوعة.
وأرى أن هذا المزيج يعزز التواصل الثقافي، ويجعل الفن أكثر تأثيرًا وجاذبية لجمهور أوسع، مع الحفاظ على الهوية الثقافية وتطويرها.
-
كيف ترى العلاقة بين الأصالة والتجديد؟
العلاقة بين الأصالة والتجديد هي علاقة توازن مهمة جدًا، خصوصًا في مجالات الفن والموسيقى. وفي رأيي، يمكن أن يتكاملا بصورة مثالية إذا استُخدم كل منهما بطريقة مدروسة.
الأصالة تعني الحفاظ على الجذور والتمسك بالتراث والهوية الثقافية، وفي الموسيقى تعني الحفاظ على الأساليب التقليدية التي استخدمتها الأجيال السابقة. وهي التي تمنح الفن قيمته وروحه الخاصة، وتُظهر تاريخ وثقافة المجتمع.
أما التجديد فهو إضافة لمسات جديدة إلى الفن، وتطوير الأسلوب واستخدام التقنيات الحديثة لجذب الأجيال الجديدة، كإضافة إيقاعات أو آلات موسيقية حديثة إلى الموسيقى التقليدية.
المهم أن الأصالة والتجديد يمكن أن يعملا معًا؛ فالفن يستطيع أن يبقى مخلصًا لجذوره، وفي الوقت نفسه يواكب العصر. فمثلًا، يمكن استخدام آلات حديثة مع ألحان تقليدية، ليبقى الفن حيًا وقادرًا على الوصول إلى الجميع.
باختصار، الأصالة هي الجذور، والتجديد هو التطور، ومعًا يجعلان الفن مستمرًا وقويًا.
-
هل ترى أن الأغاني الجبلية يمكن أن تلعب دورًا في الحفاظ على التراث الثقافي؟
نعم، بالتأكيد. فالأغاني الجبلية تؤدي دورًا مهمًا في حفظ التراث الثقافي، فهي تنقل القصص والتاريخ، وتحكي عن حياة الناس والمجتمع الجبلي، مما يساعد في حفظ الذاكرة للأجيال القادمة.
كما تساهم في الحفاظ على اللغة واللهجات المحلية التي قد تكون مهددة بالاندثار، وتعزز الشعور بالفخر بالهوية الثقافية والانتماء إلى المجتمع والتراث.
وتبرز الأغاني الجبلية أيضًا القيم والتقاليد، مثل الكرم والشجاعة، وتنقلها من جيل إلى آخر. كما تتناول الطبيعة والحياة في الجبال، وتساهم في تعزيز الوعي بأهمية البيئة.
إضافة إلى ذلك، يمكن للأغاني أن توثق تفاصيل الحياة اليومية والمعارف التقليدية المرتبطة بالزراعة والعمل والعادات الاجتماعية.
لذلك، أرى أن الأغاني الجبلية تساهم بصورة كبيرة في حفظ التراث والتقاليد، وتبقيها حية وقريبة من الأجيال الجديدة.
- كيف يحافظ الفنان الشعبي على هويته الفنية مع التغيرات السريعة في صناعة الموسيقى؟
إذا لم يكن الفنان واضحًا مع نفسه ومع جمهوره، فقد يفقد هويته. والحفاظ على الهوية يبدأ من اختيار الكلمة النظيفة، واللحن الصادق، والابتعاد عن التقليد الأعمى.
الفنان الشعبي يستطيع الحفاظ على هويته من خلال التمسك بعناصر التراث، مثل الآلات الموسيقية التقليدية والمقامات والألحان التي تمثل جزءًا من هوية المجتمع وثقافته.
وفي الوقت نفسه، يمكنه التطور بصورة تدريجية، من خلال دمج بعض الإيقاعات أو التقنيات الحديثة في أعماله، ولكن من دون أن يفقد جوهر الموسيقى الشعبية التي تميزه.
كما أن القصص والحكايات الشعبية تمثل عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الهوية، لأنها تعكس حياة الناس اليومية ومشاعرهم وقضاياهم، سواء أكانت عن الحب أم الفقر أم الكفاح أم الأحداث الاجتماعية.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسيلة مهمة للفنان الشعبي للتواصل مع جمهوره والوصول إلى أجيال جديدة، مع الحفاظ على الطابع الخاص لفنه.
كذلك يمكن للتعاون مع فنانين من أنماط موسيقية أخرى أن يفتح أبوابًا جديدة للتجربة، شرط ألا يكون ذلك على حساب الهوية الفنية.
وفي النهاية، يبقى الارتباط بالجمهور المحلي عنصرًا أساسيًا؛ لأن هذا الجمهور هو جزء من البيئة التي نشأ منها الفنان، وهو الذي يحافظ على استمرارية فنه.
-
كيف يمكن حماية الطرب الأصيل أو إحياؤه في ظل العولمة والتكنولوجيا التي أثرت في صناعة الموسيقى؟
حماية الطرب الأصيل وإحياؤه في ظل العولمة والتكنولوجيا قضية مهمة جدًا؛ لأن الطرب يمثل جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي العربي، وهو فن يتميز بالأصالة والعمق.
يمكن حماية هذا الفن من خلال التعليم والتوعية الثقافية، وإدخال الطرب الأصيل ضمن المناهج التعليمية والمعاهد الموسيقية، وتعريف الأجيال الجديدة بتقنياته وألحانه وآلاته التقليدية.
كما أن إقامة ورش العمل والمهرجانات المتخصصة بالطرب الأصيل تتيح للفنانين القدامى والجدد فرصة التفاعل وتبادل الخبرات والتواصل مع الجمهور.
ومن المهم أيضًا استخدام التكنولوجيا في خدمة الطرب الأصيل، من خلال التسجيل الرقمي، وإعادة تقديم الأعمال القديمة بجودة صوتية عالية، وإتاحة هذه الأعمال عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولا بد من تشجيع التجديد في الأداء وإعادة دمج الطرب مع الموسيقى المعاصرة، ولكن ضمن حدود تحافظ على جوهره وروحه الأصيلة.
كما أن وسائل الإعلام، سواء الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الرقمية، يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تقديم برامج ومساحات مخصصة للموسيقى التقليدية والطرب الأصيل.
وأرى أن العروض الحية والمهرجانات تظل من أهم الوسائل للحفاظ على هذا الفن، لأنها تمنح الجمهور فرصة الاستماع إلى الطرب الأصيل والتفاعل معه بصورة مباشرة.
-
ما الرسالة التي تقصد إيصالها من خلال الأغاني الشعبية التي تقدمها؟
أنا أغني عن الإنسان البسيط، عن تعبه وفرحه، عن الأرض والانتماء. أحب أن يشعر من يستمع إليّ بأن الأغنية خرجت من قلبه هو، وليس فقط من صوتي.
الأغاني الشعبية تحمل رسائل بسيطة لكنها عميقة، وتعكس واقع الناس وحياتهم اليومية. فهي تعبّر عن الفرح والحزن والحب والفقد والأمل، وتتناول هموم الناس وتفاصيل حياتهم.
كما تتمسك بالهوية والتقاليد، وتعكس الفخر بالعادات والثقافة المحلية، وقد تتضمن أحيانًا رسائل اجتماعية أو نقدًا لبعض الظواهر.
وفي الوقت نفسه، تعزز روح التضامن والمجتمع، وتعبّر عن قدرة الناس على الوقوف معًا في مواجهة الصعوبات.
بشكل عام، رسالتي هي التعبير عن الواقع والمشاعر الشعبية بطريقة بسيطة وصادقة وقوية.
-
كيف ترى حظك مع الصحافة والإعلام وتغطية أخبارك ونشاطاتك الفنية؟
أنا أحترم الإعلام، وأراه شريكًا حقيقيًا للفنان. فإذا كانت العلاقة مبنية على الاحترام والصدق، تصل الرسالة بصورة صحيحة، ويحصل الفن على حقه.
وأعتقد أن حضور الفنان في الإعلام وتقديمه محتوى مميزًا يساعدان على توسيع دائرة جمهوره والتعريف بأعماله. كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم وسيلة مهمة للتواصل المباشر مع الجمهور.
وبالنسبة إليّ، أتمنى أن تكون علاقتي دائمًا مع الإعلام مبنية على الاحترام والتعاون، وأن تصل تجربتي الفنية إلى الناس كما هي، من دون مبالغة أو تصنع.
- كيف تطورت الأغاني الجبلية على مر السنين، سواء في الأسلوب أم الكلمات؟
تطورت الأغاني الجبلية بصورة كبيرة على مر السنين، ولكنها، رغم هذا التغيير، لا تزال قائمة على أسس التراث والهوية الثقافية والروح الإنسانية.
في البداية، كانت تعتمد بصورة أكبر على الآلات التقليدية مثل العود والربابة، بينما بدأ بعض الفنانين اليوم بدمج آلات حديثة مثل الغيتار والدرامز الإلكتروني، لإضافة لمسات جديدة إلى العمل الموسيقي.
أما الكلمات، فقد كانت في الماضي تركز بصورة أكبر على الحياة البسيطة والطبيعة والعلاقات الاجتماعية، بينما أصبحت اليوم تتناول موضوعات أوسع، من بينها القضايا الاجتماعية والتحديات الشخصية والهوية.
كما أسهمت التكنولوجيا في تحسين جودة التسجيلات وإتاحة انتشار الأغاني الجبلية عبر الإنترنت، الأمر الذي ساعد على وصولها إلى شريحة أكبر من الشباب في مختلف الأماكن.
وأصبح الجمهور أكثر تنوعًا، ولم تعد الأغنية الجبلية مقتصرة على فئة عمرية معينة، خصوصًا مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
كما بدأ بعض الفنانين في دمج الموسيقى الجبلية مع أنماط موسيقية أخرى، وهو ما أضاف إليها تنوعًا وعصرية، مع المحافظة على جوهرها التراثي.
وبالمجمل، تطورت الأغنية الجبلية لتواكب العصر، لكنها بقيت محافظة على روحها وهويتها الثقافية.
-
بماذا تنصح الشباب الذين يسعون إلى دخول مجال الموسيقى الجبلية أو الطرب الشعبي؟
أنصحهم بأن يكونوا صادقين مع أنفسهم، وألا يستعجلوا الشهرة. الفن يحتاج إلى وقت وتعب، ومن يسلك الطريق الصحيح، حتى لو تأخر، سيصل في النهاية ويثبت نفسه.
عليهم أن يتعلموا أساسيات الموسيقى، وأن يتقنوا الآلات التقليدية مثل العود والدف، وأن يتعرفوا إلى الإيقاعات والألحان الشعبية.
كما أنصحهم باحترام التراث والتعرف إلى الأغاني القديمة وكلماتها وتاريخها، مع البحث في الوقت نفسه عن أسلوبهم الخاص وعدم تقليد الآخرين بصورة عمياء.
وعليهم الاستمرار في التعلم والتدريب، والتواصل مع الفنانين والجمهور، والاستفادة من المهرجانات ووسائل التواصل الاجتماعي.
والأهم من ذلك كله هو الصبر؛ فالنجاح الفني يحتاج إلى وقت وجهد واستمرارية.
وأقول لهم دائمًا: استمتعوا بالفن، لأن الموسيقى قبل كل شيء شغف وإحساس وتعبير عن الذات.
-
كيف صنعت قصة نجاحك وحافظت على اسمك؟
قصتي بسيطة: تعب، وصبر، وإيمان بالنفس، ومحبة الناس. لم أعتمد على ضربة حظ، بل اعتمدت على الاستمرارية واحترام كل خطوة في الطريق.
وأعتقد أن النجاح يتطلب الصدق والعمل الجاد والإبداع والقدرة على التكيف مع التغيرات. فالنجاح الحقيقي يأتي مع الوقت والجهد المستمر، وإذا تمسك الفنان بجوهر فنه وعمل بجد، فسيبقى اسمه محفوظًا ومحترمًا لدى الناس.
-
كلمة أخيرة تحب أن تقولها عبر «حرمون»؟
أود أولًا أن أتوجه بالشكر الخاص إلى الإعلامية ميساء أبو عاصي على هذه الدعوة الكريمة، وأشكر كل شخص دعمني وآمن بي ووقف إلى جانبي.
وأعد جمهوري بأن أبقى محافظًا على هويتي الفنية، وأن أقدم فنًا يشرّفهم ويشبههم، كما اعتادوا مني دائمًا.
وأقول لكل من لديه حلم: لا تستعجلوا، وثابروا واصبروا، وكونوا صادقين مع أنفسكم ومع ما تقدمونه، وبالتأكيد ستصلون.












