في لبنان شعبٌ ينتظر الخلاص من وراء البحار

اليوم

12
الأسبوع

12
الشهر

12
السنة

12
الإجمالي

12

اللبنانيون شعبٌ بوجهين؛ وجهٌ مشرق يعكس الذكاء والطموح والإبداع وحبّ الحياة، ووجهٌ آخر يكشف تناقضات مجتمعٍ أتقن التعايش مع أزماته، حتى باتت بعض آفاته جزءًا من سلوكه اليومي وثقافته الموروثة.

شعبٌ يتقن فن التصنُّع، ويُخفي أنانيته خلف شعارات مجوفة، ويجيد التنظير في الصالونات والمقاهي، ويُفتي في السياسة والاقتصاد وشؤون الدولة، لكنه يعجز عن تحويل أقواله إلى أفعال، وأفكاره إلى مبادرات.

يمضي ساعاتٍ في ألعاب ورَقٍ تستنزف وقته، فيما تمرّ القضايا المصيرية وكأنها فصلٌ من مسرحية درامية.

شعبٌ يرفع شعارات الحرية والسيادة، ثم يسلّم إرادته لزعيمٍ واهمٍ بأنّ الوطن لا يقوم من دونه. يُؤلّه الأشخاص، ويبرّر أخطاءهم، ويمنحهم ولاءً يتجاوز حدود العقل، ولا يدرك أنّ المسؤول مؤتمن على حقوقه، وليس وليَّ نعمته.

إنّه شعبٌ يسير كالقطيع خلف الذئاب، ويعيد انتخاب من خذله وأذلّه، ويمنح ثقته لمن يتاجر بآلامه، ثم ينتظر نتائج مختلفة من الخيارات نفسها؛ يألف جلّاده، ويخشى فقدان وصايته ورعايته.

المفارقة أنّ اللبناني يمتلك عقلاً نيّراً يؤهّله لبناء دولةٍ متقدمة، لكنّه في وطنه يعجز عن تحقيق الهدف المنشود ويلقي اللوم على المؤامرة.

السؤال ليس لماذا فشل السياسيون في تنظيم وإدارة البلاد، بل كيف استطاعوا إعادة إنتاج فشلهم عقوداً؟ وكيف تحوّل الفساد إلى واقعٍ طبيعي ومقبول؟

اللبناني ينتظر الخلاص من وراء البحار؛ من واشنطن أو باريس أو طهران أو الرياض، ومن تسويةٍ إقليمية أو قرارٍ دولي يعيد ترتيب مصيره. يريد دولةً جاهزة، وسيادةً يحميها الآخرون، واستقلالاً يستند إلى راعٍ خارجي، وإصلاحاً لا يمسّ مصالحه أو امتيازاته أو زعيمه.

وهكذا يصبح الخلاص المستورد امتداداً للأزمة لا حلّاً لها. فالخارج، مهما امتلك من نفوذ، لن يبني دولةً لم يقرّر أهلها أن يكونوا مواطنين فيها، ولن يمنح السيادة لمن يتنازل عنها، ولن يحرّر شعباً يفضّل طمأنينة التبعية على مسؤولية الحرية.

إنّ الأوطان لا تنهض بالشعارات، ولا تستعيد كينونتها باستبدال وصايةٍ بأخرى. تبدأ النهضة حين تصبح المواطنة أسمى من الطائفة، والكفاءة أهمّ من المحسوبية، والقانون أقوى من الزعيم، والعمل أصدق من التنظير، والكرامة الوطنية أغلى من المنفعة الشخصية.

رحم الله زياد الرحباني، الذي حمل آخر أعماله المسرحية عنوان «لبنان الكرامة والشعب العنيد». لكنّ العناد، حين ينفصل عن الوعي، لا يعود كرامةً؛ بل يصبح إصراراً على تكرار الخطأ، وتمسّكاً بالوهم، ورفضاً للحقيقة.

فليس كلّ عنادٍ كرامةً، ولا كلّ صبرٍ حكمةً، ولا كلّ انتظارٍ أَملاً.

#آراء_ومقالات

 

“إخلاء المسؤوليّة العامة:

تلتزم المنصة بإتاحة مساحة حرة لتبادل الأفكار ووجهات النظر المتنوعة؛ وعليه، فإن جميع المقالات والتحليلات والآراء المنشورة هنا تعود لقرطاس أصحابها وكتّابها ولا تتبناها الإدارة بالضرورة- كما لا تتحمل المنصة أي مسؤولية عن دقة المعلومات أو التعليقات المرفقة، وتقتصر مسؤوليتها على النشر الفني البحت للمحتوى”.

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x