الروائية وجدان يوسف أبو محمود لـ حرمون : الأدب مشروع حياة يربط الهندسة بالفلسفة.. والكاتب مرابط في المستقبل لا وَحْل السياسة

 

في تجربةٍ تتنفس البازلت وتصوغ من مفاهيم الهندسة الفراغية معماراً سردياً نادراً، تقف الروائية والقاصّة وجدان يوسف أبو محمود كإحدى أبرز القامات الأدبية المعاصرة التي حوّلت حياتها إلى «مشغل سردي» مفتوح. رحلةٌ انطلقت من عتبات «شغب بازلتي» و«كسّارة السكون» لتصل إلى ذرى «نحت» القائمة الطويلة لجائزة الملتقى بالكويت، والفوز بجوائز عربية مرموقة كـ «باشراحيل» و«حنا مينه».

وفي هذا الحوار الشامل والمكثف مع منصة «حرمون» تفتح لنا الكاتبة نوافذ رؤيتها الفلسفية للأدب؛ فتفكك العلاقة بين القصة والرواية وأدب الناشئة، وتستعيد أثر المكان والمكابدة، لتضع يدها على جرح الواقع الثقافي ومسؤولية الكاتب الحقيقية في زمن التغيرات، مؤكدةً أن الفن الرصين لا يقدم شعارات سهلة بل يصنع الإنسان الذي يرفض الظلم.

حوار أنيق ومميّز، ومليء عميق، يستحق بذل الوقت في قراءته، ومشاركته مع أصدقائكم..

 

إعداد وتنسيق الإعلاميّة ميساء عبد الله أبو عاصي

 

النشأة والتكوين الأدبيّ:

«الكتابة تورّط قدريّ.. والهندسة منحتني الدقة والاحتمالات في المعمار السرديّ»

 

1- نتشرّف باستضافتك في موقع حرمون، حبذا تعريف قرائنا وزوار موقعنا بحضرتك؟

– أرحب بك وبقراء منصة حرمون وأشكر هذه الاستضافة؛ أكتفي بالقول إنني كاتبة تتبع نغماً غير مسموع، أسعى في إثره وأؤمن بالوصول وأعيش في لحن الطريق، وكل ما أفعله في هذا الكدح الأدبيّ هو محاولة ترجمته من إشارات ملغزة تقدح في طواياي إلى شكل كتابي نوراني، وقد تطلّب هذا التوليد تحويل عمري إلى مشغل سرديّ؛ لما تزل تتراكم فيه التجارب والدروس، والتفاعلات الفكرية الخيميائية، وألعاب الخفّة الأدبيّة، أما سوى ذلك من صفات ومنازل وشهادات ومنجزات فهي مشاع غير مهم في محركات البحث.

 

2- كيف بدأت علاقتكِ بالكتابة؟ وهل تتذكّرين اللحظة التي شعرتِ فيها أن الأدب ليس هواية عابرة، بل مشروع حياة؟

– من مكر الكتابة أنها لم تكن يوماً خياراً يمنحك رفاهية التفكّر أو التجاوز؛ بل نداءً عميقاً يخلب اللبّ ويطوّع البنان فلا نملك في حضرته إلا الطاعة والانسحار، كان الولع في تدوين الحياة محرّكاً أوليّاً، ثم ما لبثت تلك الشعلة التي فطرت عليها وكأنّها النبوءة أن استحالت ناراً بروميثيوسية تكشف وتضيء وتلتهم خشب الأصنام المعرفيّة، وفزاعات الإنسان الأيقونيّ، في مجتمعات إنسانيّة لما يزل لا وعيها الجمعيّ يعيش في قبائل وغابات، لا أحسب أن هنالك لحظات مفصليّة في التحولات الحياتيّة؛ وإنما انسياب نهريّ ما إن تغزر مصادره حتى يفيض أو ينحرف، قد تكون هنالك محطات متأجّجة في ذلك المنحنى المتصاعد نحو ذرى فكرية ناضجة، لكن سوى ذلك أجد أن التدفق الصاعد الهادئ هو ما منح التجربة بعدها العميق الحقيقيّ.

 

3-  ولدتِ في قرية الدور في السويداء، ودرستِ الهندسة الزراعيّة وتخصصتِ في نظم المعلومات الجغرافيّة والاستشعار عن بُعد. لماذا انتقلتِ من عالم الهندسة والخرائط إلى عالم القصة والرواية؟

– قد لا تكون مفردة “انتقال” هي التوصيف الرديف لتوازي الفضاءين الممتدّين في بعدين مختلفين؛ فأنا كما أسلفت ولدت على هدي الكتابة وهي تورّط قدريّ لا انتقال منه ولا إليه، أما الدراسة والتخصص العلميّ فهو شأن آخر قد تقودك إليه المصادفة أو التحصيل الدراسيّ، كما تعلمين، وهي مهارة تكتسب بالمواظبة والمثابرة، بالتالي لم يكن الأمر انتقالاً وإنما نمواً وارتقاءً في مجالين منفصلين.

 

‏4- إلى أي مدى ترك تكوينكِ العلمي والمكان الذي تشكّل فيه وجدانكِ الأول أثرًا في كتابتكِ ونظرتكِ إلى الإنسان والمكان؟

– للبيئة تأثير بليغ في الفنون أجمعها بما فيها الأدبيّة، وتستطيع العين الحاذقة تمييز ذلك بيسر وسلاسة. فالمكان ليس محض خلفية؛ وإنما شخصيّة خفيّة تتنفّس لتملي الإيقاع واللغة وتصوغ الرؤى في بعض الأحيان؛ ويتبدّى ذلك في معظم أعمالي من دون جهد لاستنباطه، السويداء حاضرة باسمها الصريح أو بحجارتها السوداء أو بسمات إنسانها الجبليّ، وإحدى مجموعاتي القصصيّة الأولى حملت عنوان “شغب بازلتي” ولقد كان عتبة كاشفة فياضة بهويّة البيئة، أما عن الجانب العلميّ فأحسب أنه أداة بالغة فأنا من عشاق الهندسة الفراغيّة مثلاً ولي تاريخ مدرسيّ في ابتكار حلول غير مؤطرة، وفي المقابل فإن الكتابة السرديّة كما أراها ميدان الذكاء والهندسة والاحتمالات والدقة.

 

فلسفة التجربة وتطور الأدوات:

«من “كسّارة السكون” إلى “نحت”.. تحولٌ من الحكائيّ المباشر إلى العمق الفلسفيّ»

 

‏5- أصدرتِ مجموعتكِ الأولى «كسّارة السكون» عام 2005، ثم توالت مجموعاتكِ القصصية حتى «نحت» عام 2024. كيف تنظرين اليوم إلى بداياتكِ الأولى؟ وما الذي تغيّر في تجربتكِ؟

– البدايات هي طفولة التجربة ببراءتها وعيوبها وحماسها، والرحلة من كسّارة السكون إلى باب المجانين وما بعدها كانت طريقاً شاقة من الحكائيّ إلى الجماليّ ومن الجهير إلى الباطنيّ، رحلة لبلورة البصمة الذاتيّة وتطويراً لأدوات تنقيبيّة جديدة، في الأعمال المبكرة كانت اللغة أداة وأمست بطلاً، كانت الحكاية هي الغاية؛ فيما حلّت فلسفة العمل وشكله الفنيّ تالياً في طليعة اهتماماتي، وهنا يحضرني هيجل الذي قسم تجلي الروح المطلقة في الإنسان إلى ثلاث تدرّجات: الدين ثم الفن ثم الفلسفة، وأنا أنحاز إلى تقديمه الفلسفة على الفن، وما يزال يؤرقني ابتداع الشكل الفنيّ الأمضى لمزج اليقظة الفلسفيّة والسرد في روح واحدة، وهذا تحديداً ما نقلني من فكرة النص إلى فكرة المشروع الأدبيّ؛ إذ في مجال القصة القصيرة مثلاً سيلاحظ القارئ أن قصص مجموعاتي الأخيرة لم تعُد مستقلّة تماماً وإنما أضحت كيانات متّصلة توحّدها الروح والسعي للالتفاف على الدوغما الأدبيّة؛ فالأدب الجاد الحداثيّ هو أدب صعب يستلزم إمكانيات ثقافيّة وقرائيّة عالية وسط محيط لا قرار له من النسخ المتشابهة، فإنسان هذا العصر وإن لم يستنسخ بعد “على ذمّة المؤسسات العلميّة العالميّة” فإنّ كل ما حوله يتضافر لتحويله إلى نسخة كربونيّة، لهذا تجدين أن قارئ اليوم يميل إلى الأدب التجاريّ الخفيف الذي يمنح شعوراً بامتلاء وهميّ؛ وعلى هذا يجد الأديب المكافح نفسه مع الوقت مضطراً إلى التخفف من الجمهور الشعبيّ العريض والاكتفاء بالجمهور النخبويّ.

 

‏6. ما الذي بقي ثابتًا في مشروعكِ القصصي رغم مرور أكثر من عشرين عامًا على أول إصدار؟

– بقي الشغف والرهبة وشجاعة التجريب ومجاراة الذات والممكن، والبحث في الزوايا المعتمة عن الهامشيّ والمهمل والمضيء.

 

‏7- عناوين مجموعاتكِ القصصية لافتة، مثل «شغب بازلتي»، «سحر الكؤوس الفارغة»، «كرنفال الموت رقصاً» و«نحت». إلى أي مدى يمثل العنوان بالنسبة لكِ مفتاحًا للنص وليس مجرد تسمية له؟

– العنوان هو أوّل دفقة من نور النص تضيء مخيّلة القارئ؛ وهذا ما يجعله العتبة الأهم لفتح المغاليق والمجاهل بما يجلّله من حمولات دلاليّة، لذلك لا ينبغي أن يكون بريئاً من الترميز والتأويل والجذب، أحياناً يهمس النصّ باسمه في أذني مشعشعاً في كياني وأحياناً أخرى يتطلّب الأمر وقفة متأنّية؛ فالعنونة فنّ بحد ذاتها.

 

‏8- من أين تنطلق القصة لديكِ عادةً، وما الذي تبحثين عنه في القصة القصيرة ولا تجدينه في الرواية؟

– تنطلق القصّة القصيرة من كل الجروح الروحيّة والفكريّة التي تضعضع تماسك الإنسان وتنهار منها الفنون الإنسانيّة عامة، من فرضيّة ساذجة أو تفصيل عابر أو غضب دفين أو بكاء مكتوم أو سؤال مخنوق في الحلق أو صمت كان ينبغي أن يكون صراخاً، إنها لعبة التوتر والانسحاب في اللحظة المناسبة، وهي سلطانة الحرية والتجدّد والخلق المتواصل؛ فهي تمنح مساحة شاسعة للتخييل والتجريب أكثر مما تتيحه الرواية، وعلى كاتبها أن يكون مرناً لمّاحاً وحاذقاً كفاية لاصطياد الأفكار الإشكاليّة، وهندستها بإيجاز وعمق وإدهاش، القصّة هي العشق الجارف الملتهب الذي يمرّ خطفاً مخلّفاً آثاره في القلب وعلى الأصابع وتاركاً ندبة لا تُمحى في الروح؛ ولهذا أجدني أقيم في حرارة القصة وأزور الرواية حينما تقتضي رحابة الفكرة.

 

‏9- في زمن السرعة ووسائل التواصل، هل ما زالت القصة القصيرة قادرة على جذب القارئ ومنافسة الرواية؟

– القصة القصيرة جين أدبيّ متحوّل يتطوّر ويتشكّل وفق كل زمن على نحو سريع؛ لهذا فإنّها ليست ملائمة لهذا العصر المصطخب السريع وحسب؛ بل إنّها قد تكون الجنس الأدبي الأكثر توافقاً ومراوغة مع داء التصفّح السريع، فهي مولودة من رحم الإيجاز؛ وبالتالي فإن وسائل التواصل الحاليّة مرتعها الأمثل، لكونها مناسبة للقراءة الرقميّة أكثر بكثير من أجناس أدبيّة أخرى، أما سؤالك إن كانت تنافس الرواية؛ فجوابي هو حتماً لا لأن الفنون لا تتنافس ولا تتصارع؛ إذ إنّها جميعاً تفي بوعود الذائقة الجمالية بطرق وفضاءات وأدوات مختلفة، أما مسألة الرواج والطلب والانتشار فهي تتعلق بعوامل لا صلة مباشرة لها بالجنسين؛ ولربما نعيش الزمن الذي تحتلّ فيه القصة القصيرة قوائم القراءات الأعلى… مَن يعلم!!

 

‏10- مجموعتكِ «نحت» وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى الكويتية للقصة العربية. ماذا يعني لكِ هذا الحضور في جائزة عربية مهمة؟

– لا شيء يضاهي سعادة التقدير لا سيّما حين يصدر عن جهة مرموقة، جائزة الملتقى هي أرفع جوائز القصة القصيرة في الوطن العربي، وصول “نحت” إلى قائمتها القصيرة وفوز “باب المجانين” لاحقاً بجائزة باشراحيل المصريّة وكل فوز أو جائزة قبل ذلك هو شكل من أشكال انتصار الجهد والمكابدة وهي رسائل تذكّرني دوماً بأن الطريق ما يزال طويلاً.

 

‏‏13- حصلتِ على أكثر من جائزة في القصة القصيرة، من بينها جائزة المركز المتوسطي للدراسات في المغرب وجائزة صلاح هلال وجائزة اتحاد الكتاب العرب في القصة الساخرة. هل الجوائز تصنع ثقة إضافية لدى الكاتب أم تضعه أمام مسؤولية أكبر؟

– كلاهما؛ قد تعزّز الجوائز الثقة وتمنح انتشاراً أوسع، لكنها بكل تأكيد محطات لا نهايات؛ إنها تعيد إنتاج السؤال الدائم في كل مرة: “ما الذي ستضيفه الخطوة التالية إلى الرحلة!؟”.

 

‏14- كيف ولدت روايتكِ «فهرست الأحمر»، وما الذي أردتِ قوله من خلالها؟ وماذا مثّلت لكِ جائزة حنا مينه لأفضل رواية، خصوصًا أن اسم حنا مينه حاضر بقوة في الذاكرة الروائية السورية؟

– فهرست الأحمر هي تقاطع فضاءات وعوالم مختلفة مرويّة بلسان شخصيّات عدة، وعلى الرغم من كونها قد تضمنت طيفاً واسعاً زمنياً ومكانياً وثقافياً إلا أن قلق الإنسان وخوفه وحزنه الأزلي يظل المحور الناصل الذي انتظمت الحكايات في مدارات حوله، ومن هنا جاءت اشتقاقات اللون الأحمر بما يحمله من تناقضات هائلة شبيهة بتلك التي تنطوي عليها النفس الإنسانيّة، إنّها نمط من سيرة الهشاشة البشريّة التي تتوارى في لبوس الشر أو التعقيد، وهي لم تولد بإشراقة خاطفة كما قد يحدث مع القصّة وإنما جاءت نتيجة تخطيط وبناء وبحث جاد لإتمام المعمار الروائيّ، أما الوقوف على اسم حنا مينه في جائزة وزارة الثقافة التي كانت أهم الجوائز السوريّة في مجال الرواية آنذاك فهذا تنويل مقدر ومسؤولية حقيقية.

 

سحر القصة القصيرة وأدب الطفل:

«القصة عشقٌ جارف ومراوِغة لزمن السرعة.. والكتابة للطفل ترويضٌ للغة المتشامخة»

 

‏15- بعد انتقالكِ من القصة إلى الرواية وأدب الخيال العلمي للناشئة، كيف أثرت هذه التجارب في أدواتكِ ورؤيتكِ للكتابة، وما المشروع أو الموضوع الذي ما زلتِ ترين أنه ينتظر روايتكِ المقبلة؟

– كل تجربة أضافت لي موسوعة من التلاوين الفنية، الرواية لعبة صبر، والخيال العلميّ كان مجازفة في تخطي الحدود، حتى الكتابة للطفل هي شحذ لذلك الطفل الداخليّ القابع خلف كل الفنون البشرية، وبغض النظر عن التمظهرات الكتابيّة فإن الأصل هو الكشف والاغتراف والتحقق، أما عما ينتظرني لأدوّنه فأنا في شغف البحث دائماً في سبيل إيجاده؛ فالجمال لا يمنحك نفسه دفعة واحدة وإنما يتكشّف رويداً رويداً.

 

‏16- لديكِ تجربة مميزة في أدب الطفل والناشئة؛ ما الذي يجذبكِ إلى هذا المجال، وهل ترين أن الكتابة للأطفال أصعب من الكتابة للكبار؟

– كل مبدع هو طفل بالضرورة، والكتابة الطفليّة تعني الكتابة بأبسط وأصدق وأذكى صورة ممكنة، وهي ترويض للغة المتشامخة وتهذيب للاستعراضات الأدبيّة، وهي أدب صعب بالمناسبة يتم التعاطي معه باستسهال على الرغم من امتلاك الأطفال نقداً فطريّاً بالضرورة، فهم لا يتسامحون مع الملل أو المباشرة الثقيلة أو الالتفاف على المنطق، أما عن مقارنته بالكتابة للكبار فالعالمان مختلفان تماماً، وما يجذبني إليه بين الحين والآخر هو مقدرته الخيميائيّة على تنقية عوالم كاتبه وتطهير لغته.

 

‏17- في «نظارة سنجوب» جمعتِ بين التأليف والرسم؛ كيف تنظرين إلى العلاقة بين النص والصورة في أدب الطفل، وما الذي تحرصين على أن تمنحيه للطفل من خلال قصصكِ: المتعة أم المعرفة أم القيم؟

– النص والصورة شريكان في الرقصة الواحدة في ساحة الخيال؛ لهذا لا يمكن التنازل عن التكامل بينهما، ومن هنا جاءت محاولة رسم مشاهد بعض القصص بنفسي، على الرغم من أنني أعترف أن كل ما نشر لي في ميدان أدب الطفل كان من خلال الجوائز وحسب، فأنا مقلّة وأكتب هذا الفن المبهج للمتعة وكأنه تأجيج للمخيال وصقل للحواس؛ ومع ذلك فقد شهد هذا العام توقيع بعض عقود النشر مع جهات أدبية إماراتيّة ومصريّة، أما عمّا أحرص عليه فهو متعة الاكتشاف أولاً تلك التي تنبثق منها تالياً القيم والمعارف ككائنات سحريّة شبحيّة لا تشعر الطفل بأنه مهدّد بالوعظ أو تلقين الدروس.

 

‏18- برأيكِ، ما أبرز التحديات التي يواجهها أدب الطفل اليوم، وكيف يمكن للكاتب أن يقدم قيمة تربوية وإنسانية للطفل من دون أن تتحول القصة إلى موعظة مباشرة؟

– أعتقد أن التحدّي الأكبر لأدب الطفل اليوم هو المنافسة مع الشاشات؛ فانتزاع الطفل من الشاشة يتطلب في هذا الراهن دربة ومهارة ودمجاً جديداً للعمق بالإثارة، وفي هذا السياق يحسب لبعض المشاريع العربيّة الكبيرة ما تبذله من جهود لدمج الأدب بالتقنيّة، وقد كان لنشر قصتي “حقيبة السيد ملل” مؤخّراً في موقع وتطبيق عصافير الأول عربيّاً في مجال تعليم اللغة العربية أثر طيب يتفوّق بمراحل على النشر الورقيّ، أما بالنسبة للوعظ فهو كما أسلفت مقتل قصص الأطفال إذ لا غنى عن دهشة الحكاية ومساحة التأويل الواثقة بذكاء الطفل.

 

‏19- شاركتِ في تحكيم العديد من الجوائز الأدبية. كيف ينظر الكاتب إلى النص عندما ينتقل من موقع المتسابق إلى موقع المحكّم؟

– في التحكيم أنتقل من موضع الكاتبة إلى موضع القارئة، وهذا ليس بالأمر العسير، فالأديب الجيد هو قارئ جيد بالضرورة، وهذا يجلو أغباش المهادنة بشكل أو بآخر، ولربما جعلتني هذه التجارب أكثر قسوة على نفسي أيضاً.

 

الجوائز والواقع الثقافيّ:

«الجوائز محطات لا نهايات.. والكاتب السوريّ يكتفي بالجمهور النخبويّ وسط عُزلة النشر»

 

‏20- بحكم تجربتكِ في تحكيم الجوائز ورئاسة فرع اتحاد الكتاب العرب في السويداء، كيف ترين واقع المشهد الثقافي اليوم، وما الذي يحتاجه الكاتب السوري ليستمر ويصل إلى القارئ؟

– في مكنتي الحديث عن الواقع الثقافيّ السوريّ سابقاً وليس اليوم قطعاً؛ فاليوم حسبك أن اتحاد الكتاب كان الجهة الرسميّة الوحيدة التي تقطع رواتب موظفيها في السويداء وتتخلّى عن جميع التزاماتها تجاه كتاب الفرع بتوجيه سياسيّ، وهذا لم يحدث من قبل في التاريخ الدولي المعاصر، عموماً فالمشهد في السنوات السابقة كان شحيحاً مع بعض الإشراقات هنا وهناك إلا أن غياب فضاءات النشر وحريّة التعبير جعل الكاتب معزولاً معدوم التأثير، أما ما يحتاجه الكاتب فهذا وحده بحاجة إلى حوار آخر.

 

21- في أعمالكِ حضور للمفارقة والدهشة؛ من أين تبدأ الكتابة لديكِ، وهل هناك عمل أو شخصيّة من أعمالكِ تشعرين أنها الأقرب إليكِ أو لم يأخذ حقه نقديًا؟

– تبدأ الكتابة من هاجس ما ثم تنبثق منه القوة الانفجاريّة للقصة، حيث تتخلق في ذلك الاضطرام والتوهّج ملامح الشخصيات وثنائيات التحفيز والتهديد، أما عن أقرب الشخصيّات فقد تكون ماوية الواثق في “فهرست الأحمر” لكونها عاشت معي أطول مدة زمنيّة، وأقرب الأعمال دائماً هو الذي لم ينجز بعد لأنه ما زال هفافاً طياشاً يحتلّ الروح حتى إذا ما ظهر للنور احتل العمل التالي مكانه وهو الآن كتاب قصصيّ جديد، وأما عن الظلم النقديّ فمعظم ما نشر في سوريا قد طاله الغبن بسبب ضعف الانتشار والتسويق؛ فأذكر مثلاً أن مجموعتيّ نحت والحالم الأخير قد صدرتا في وقت متقارب؛ ومع ذلك فلم تلق الحالم الأخير الصادرة عن وزارة الثقافة شيئاً من الاهتمام الذي قوبلت به نحت الصادرة في الأردن عن الجمعيّة العمانيّة.

 

22- ما الكتاب أو الكاتب الذي ترك أثرًا عميقًا في تجربتكِ، حتى لو لم يكن ذلك الأثر واضحًا للقارئ؟

– لا أحسب أن هنالك كاتباً أو كتاباً بعينه؛ فالأثر الأدبيّ ممتدّ بتأثير نهريّ تتضافر فيه كل مكوّنات المجرى، فالقراءات المتنوّعة شبيهة بحقول الزهور الواسعة التي تؤهب لإنتاج العسل الجيد، تأسرني اللغة والالتقاطات الذكيّة وأدين لكل أولئك الذين دفعوني لإغلاق الصفحة على عبارة أو صورة مذهلة دوّنوها لألتذ بطعمها وأنا أهتف في دخيلتي: “الله!”، ومع ذلك لا أستطيع أن أتجاهل إدغار آلان بو وكافكا وسيلفيا بلاث مثلاً.

 

23 – كيف تتعاملين مع النقد الأدبي، وهل يمكن لملاحظة نقديّة أن تدفعكِ إلى إعادة النظر في نصكِ؟ وهل تكتبين لنفسكِ أولًا أم للقارئ؟

– على ندرة النقد الجادّ؛ فإنني أتلقاه برحابة صدر إذ إن الناقد الحقيقي هو قارئ نبيه ينبغي له أن يلتقط ما فاتني؛ غير أنني أؤكد بأن الفن يسبق النقد بخطوة على مرّ العصور؛ فأعمال كثيرة حطت المدارس النقديّة من قدرها غير أن التاريخ الأدبيّ قد بجّلها لاحقاً، وأؤكد في هذا السياق على أنني أقسى ناقدة لأعمالي؛ لدرجة أنني أتحاشى قراءة العمل بعد الطباعة، وفي المحصّلة فإن الكاتبة وجدان تكتب للقارئة وجدان وأشباهها.

 

24- ما أكثر ما تخشينه في الكتابة: تكرار نفسكِ، فقدان القارئ، أم ألا تصلين إلى ما تريدين قوله؟ وبعد هذه الرحلة، هل تشعرين أنكِ وصلتِ إلى صوتكِ الأدبي الخاص؟

– مؤكد حقّقت صوتي الخاص؛ لكنه ليس صوتاً جامداً على أية حال بل مرن متغيّر قابل للتطوّر والتحليق والتخفّف، وبالنسبة إلى مخاوف الكتابة فهي كثيرة أهمها المسؤولية أمام ارتقاء المشروع الكتابيّ وتقدّمه، كما أني أخشى الاكتفاء والرضا، أما عن فقدان القارئ فأنا أؤمن بأرستقراطيّة الأدب، فما ينال إعجاب القارئ العابر قد لا ينطبق على ما يخطف قلب القارئ الذكيّ عالي الوعي والثقافة؛ لهذا أثق بأن النص يجد القارئ الذي كتب لأجله.

 

 

رؤية في السياسة والمستقبل:

«الأدب ليس “بروباغندا” أو خطاباً سياسياً.. ومهمة المبدع المرابطة في المستقبل»

 

25- ماذا تكتب وجدان يوسف أبو محمود اليوم، وهل يمكن أن تكشفي عن مشروعكِ الأدبي المقبل أو الحلم الذي ما زال مؤجلًا؟

– قبل الأحداث الصادمة التي حلّت بالسويداء كنت قد بدأت بمشروع روائيّ جديد، ولارتباطه بالبيئة المحليّة فقد كان لا بدّ من إيقافه، حالياً أعمل على مشروع قصصيّ جديد أحسب أنّه يحمل إضافة تتجاوز ما سبقه على أصعدة عدة، ما أكشفه لكم هو أن الثيمة الأساسيّة في العمل هي أن البشر مجرد أطفال وأن كل ما يحدث لهم هو محض ألعاب، يتضمّن العمل تجديفاً في نظريّات فلسفيّة مع المزيد من التجريب الذي قد يصيب وقد يخيب، والمزيد من الميتافيكشن أو القصّ الماورائيّ، ومن كسر الجدار الرابع، ومن هندسة الرؤيا ومن التلاعب بزاوية الرؤية.

 

26- ماذا تقولين للكاتب الشاب الذي يواصل الكتابة في ظروف صعبة، ويشعر أحيانًا أن صوته لا يصل إلى أحد؟

– أقول له اقرأ ثم اقرأ ثم اكتب، إذ لا قيمة للموهبة من دون اجتهاد وإصرار وفاتورة الإبداع لا تدفع إلا من روحك؛ فالكتابة الحقيقيّة نزف ونحت في الصخر، إن كنت مستعداً للكفاح والأثمان فامضِ، وإن كان صوتك صافياً فسيخترق الزمن لا محالة.

 

27- مع حلول العام 2025 حلّت مئويّة الثورة السوريّة الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علميّة حول المئويّة، ماذا ترين في مناسبة المئويّة وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟

– بوركتم؛ ونحن في اتحاد الكتاب منذ استأنفنا أنشطتنا خصصنا مجموعة من المحاضرات كشكل من أشكال الوفاء لهذه الذكرى؛ هذا في الوقت الذي كان ينبغي لسوريا كلها أن تحتفي بهذه المناسبة ولكن…، وفي العموم فإن هذه الذكرى فرصة لإعادة قراءة التاريخ واستنباط رؤى جديدة للواقع في ضوئه، وقد يكون من المهم توثيق المرويّات الشفويّة بأقلام خبيرة كخدمة جليلة لتضحيات الأجداد.

 

28- ينشط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياء لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقكم؟

– هذا جهد يستحقّ التقدير؛ فإحياء الذاكرة الجماعيّة هو عمل ثقافيّ ووطنيّ بالغ الأهمية، أتمنّى للمركز التطوّر والازدهار وأشدّ على كل يد تقدّم وتدعم أبناء المحافظة بأي شكل من الأشكال في هذه الظروف القاسية.

 

29- أي كلمة ترغبون بنشرها عبر منصة حرمون؟

– لمن يسأل أين الأديب من وحل السياسة اليوم: مَن قال إن الأديب دبلوماسيٌّ أو محقق أو خطيب يلهب مشاعر الجماهير ببياناته السياسية!!، ومن قال إن الأدب يكافح لتقديم إجابات أيديولوجية تتزيا بخطاب مباشر أو توظيف سياسي مبتذل!!؛ الأدب ليس بديلاً عن الأحزاب ولا عن معجزات الأنبياء وإن كان أقرب لاشتغالات السحرة العارفين؛ وذاك الصنف الذي يبشر ويحكم ويريح ويجيب ويصنف ويهلل ويتهم ويمنح شعوراً زائفاً بالانتصار الأخلاقي من دون مكابدة فكرية وعاطفية ليس أدباً على الإطلاق وإنما “بروباغندا” مكتملة الأركان.

من المؤسف أن الحاضر ليس مكان الأديب؛ إذ عليه أن يرابط في المستقبل دائماً؛ قاطعاً مسافة شاقة من “عناء السؤال”، وعلى أدبه ألا يكون توثيقاً فجّاً يتستر على عقلية إعلامية أو أمنية، إذ ليس بوسعه أن يحرّر أرضاً أو أن يستعيد حقاً أو أن يرجع الموتى ويحقق العدالة، لكن في مكنته بناء إنسان لا يطيق الظلم وخلق التغيير ببطء وقوة… كما قطرات الماء التي تشق الصخر بصبر وثبات.

 

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون