ترشيد الإنفاق في سورية.. الموازنة أمام ضغوط متزايدة والمشاريع الاستثمارية تحت الاختبار

دخلت المالية العامة في سورية مرحلة جديدة من إعادة ضبط الإنفاق وترتيب أولويات الموازنة، مع بدء تطبيق حزمة من الإجراءات الهادفة إلى ترشيد النفقات العامة ورفع كفاءة توظيف الموارد، في وقت تواجه فيه المالية الحكومية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع كلف الطاقة والنقل وتزايد أعباء تأمين الاحتياجات الأساسية.

وجاءت الإجراءات بتعميم صادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، بناءً على مقترح من وزارة المالية، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تشديد الرقابة على الإنفاق وإعادة تقييم أوجه استخدام الموارد العامة، بما يتناسب مع الظروف المالية والاقتصادية الراهنة.

ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على النفقات التشغيلية، إذ تضع المشاريع الاستثمارية الحكومية أيضاً أمام اختبار يتعلق بجدواها وأولوياتها، في ظل الحاجة إلى توجيه الموارد المحدودة نحو المشروعات الأكثر قدرة على تحقيق عوائد اقتصادية وتنموية، ودعم القطاعات ذات الأولوية.

وتأتي عملية ترشيد الإنفاق في بيئة اقتصادية معقدة، تتداخل فيها تحديات ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل مع متطلبات تمويل الخدمات والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تأثير المتغيرات الإقليمية والجيوسياسية في حركة التجارة والأسواق وتدفقات الموارد.

ومن منظور مالي، يمثل ضبط الإنفاق محاولة لتحقيق توازن أكثر دقة بين الحفاظ على استدامة المالية العامة من جهة، وتمويل الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، فيما يبقى نجاح هذه الإجراءات مرتبطاً بقدرة الجهات الحكومية على تحديد الأولويات، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتوجيه الموارد إلى المجالات ذات الأثر الاقتصادي الأكبر.

وبذلك، لا تبدو سياسة ترشيد الإنفاق مجرد خفض للنفقات، بل اختباراً أوسع لقدرة الإدارة المالية على إعادة ترتيب الأولويات وتحسين كفاءة استخدام المال العام، خصوصاً في ما يتعلق بالمشاريع الاستثمارية التي تتطلب دراسة دقيقة لتكاليفها وعوائدها وأثرها على الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.

ويهدف التعميم إلى الحدّ من النفقات غير الضرورية، ومراجعة المشاريع الاستثمارية وإعادة ترتيبها وفق درجة الضرورة والجاهزية والأثر المالي والاقتصادي والاجتماعي، مع إمكانية تأجيل المشاريع غير العاجلة التي لا يؤثر تأخيرها بصورة جوهرية على الخدمات أو النشاط الاقتصادي.

في المقابل، أكدت وزارة المالية أن الإجراءات الجديدة لن تطاول الرواتب والأجور، ولا النفقات الضرورية لاستمرار عمل الجهات العامة، ولا سيّما تلك المرتبطة بالصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة والصيانة التشغيلية الضرورية.

وقال وزير المالية السوري محمد يسر برنية إن موافقة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية على مقترح الوزارة تأتي في إطار الحرص على تعزيز الانضباط المالي والمحافظة على توازن الموازنة العامة ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

وأوضح برنية أن الإجراءات جاءت استجابة للمتغيرات الجيوسياسية والإقليمية الراهنة، وما يرافقها من ضغوط على كلف الطاقة والنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية، وانعكاس ذلك على المالية العامة، مشيراً إلى أنها تستهدف الحد من النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والمشاريع الاستثمارية، وتوجيه الموارد المتاحة نحو المجالات الأكثر أهمية وتأثيراً.

وشدد الوزير على أن ترشيد الإنفاق لا يعني خفض الإنفاق بصورة عشوائية أو المساس بالخدمات الأساسية للمواطنين، وإنما أن تنفق الدولة بصورة أفضل وأكثر كفاءة، مؤكداً أن الإجراءات راعت استمرارية الخدمات العامة الأساسية، وعدم المساس بالرواتب والأجور والنفقات الضرورية لعمل الجهات العامة.

ضغوط تتجاوز الظرف الراهن

ويثير التوجه الحكومي الجديد تساؤلات حول طبيعة الضغوط التي تواجهها المالية العامة السورية، وما إذا كانت الإجراءات مرتبطة أساساً بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمتغيرات الإقليمية الراهنة، أم أنها تكشف عن حاجة أوسع إلى إعادة هيكلة أولويات الإنفاق والموازنة العامة. وفي هذا السياق، قال استشاري تطوير الأعمال والباحث الاقتصادي أحمد عنكير في حديث لـ”العربي الجديد”، إن القرارات الأخيرة تمثل “قراءة واقعية ومباشرة لخريطة الضغوط التي تحيط بالمالية العامة في الوقت الراهن”.

ورأى عنكير أن الإشارة الصريحة إلى ارتفاع كلفة الطاقة والنقل وتأثير المتغيّرات الإقليمية لا تعكس مجرد صدمة ظرفية طارئة أربكت الموازنة العامة، بل تكشف عن واقع أعمق يرتبط بضيق هامش المناورة المالية وضآلة المرونة التي تتمتع بها خزينة الدولة في مواجهة التقلبات الخارجية. وأضاف أن الأزمة، وإن بدت في ظاهرها ناتجة عن مستجدات إقليمية وضغوط أسعار، فإنها تسلط الضوء على “حاجة ملحة ومستدامة لإعادة هيكلة شاملة لأولويات الإنفاق، والانتقال من موازنة إدارة الأزمات النقدية قصيرة الأجل إلى نموذج إدارة الموارد القائم على الأثر الفعلي والكفاءة التشغيلية”.

المشاريع الاستثمارية أمام اختبار

وتُعد مراجعة المشاريع الاستثمارية من أبرز بنود التعميم، إذ تسعى الحكومة إلى إعادة ترتيبها استناداً إلى الضرورة والجاهزية والأثر المالي والاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه الموارد إلى المشاريع ذات الأولوية والأثر المباشر، مقابل تأجيل ما يمكن تأجيله من دون تأثير جوهري على الخدمات أو النشاط الاقتصادي. غير أن تأجيل بعض المشاريع يطرح تساؤلات بشأن انعكاساته المحتملة على القطاعات الاقتصادية التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الاستثماري الحكومي، وكذلك على فرص العمل وحركة المقاولات والتوريدات والخدمات.

وفي هذا الصدد، أشار عنكير إلى أنه في الوقت الذي يسعى فيه التعميم إلى حماية “الرصيد الاجتماعي” عبر تأكيد عدم المساس بالرواتب والأجور والخدمات الحيوية، مثل الصحة والتعليم والطاقة، فإن قرار تأجيل المشاريع الاستثمارية غير العاجلة يضع الدورة الاقتصادية أمام اختبار دقيق. وأوضح أن المشاريع الرأسمالية الحكومية تمثل عادة محركاً أساسياً لقطاعات واسعة، من بينها المقاولات والتوريدات والخدمات، ولذلك فإنّ “تجميدها أو إبطاء وتيرتها سيؤدي حكماً إلى تراجع مؤقت في مستوى النشاط الاقتصادي المباشر، وضغوط إضافية على خلق فرص العمل الجديدة”.

كيف يتحقق الوفر؟

وبحسب عنكير، لا ينبغي أن يقتصر رهان الحكومة على تجميد بعض المشاريع أو تأجيلها، بل أن يمتد إلى تحويل الإجراءات الحالية إلى فرصة لإصلاح هيكلي في إدارة الإنفاق العام. وقال إن تجنّب الانعكاسات السلبية يتطلب التركيز على “كيفية الإنفاق” بدلاً من “حجم التخفيض”، من خلال اعتماد معايير صارمة للمفاضلة بين المشاريع، وإعطاء الأولوية لتلك التي بلغت نسب إنجاز متقدمة ولها أثر اقتصادي مباشر، بالتوازي مع كبح الهدر الإداري والتشغيلي.

كما دعا إلى الاقتراب أكثر من نماذج الشراكة العملية مع القطاع الخاص لتمويل بعض المرافق والمشاريع المؤجلة وإدارتها، بما يضمن، وفق رأيه، ألا يتحول ضبط الإنفاق العام إلى تراجع في جودة البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطن والاقتصاد. من جهتها، أكدت وزارة المالية أنها ستعمل، بالتعاون مع الوزارات والهيئات والجهات العامة، على تطبيق أحكام التعميم ومتابعة تنفيذه وقياس الوفر المالي المتحقق، بهدف تعزيز قدرة الموازنة العامة على مواجهة المتغيرات والضغوط الراهنة، والمحافظة على الاستدامة المالية وحسن إدارة المال العام، مع حماية الإنفاق الأساسي والضروري.

وبذلك، تضع إجراءات ترشيد الإنفاق الجهات العامة أمام معادلة صعبة، تقوم من جهة على تحقيق وفر ملموس وإعادة ترتيب الأولويات، ومن جهة أخرى على الحفاظ على مستوى الخدمات والنشاط الاستثماري. وستتوقف آثار الحزمة أساساً على طبيعة المشاريع والنفقات التي سيجري تأجيلها أو تقليصها، وعلى حجم الوفر الذي ستتمكن الحكومة من تحقيقه من دون نقل أعباء ضبط الموازنة إلى الخدمات الأساسية أو القطاعات الاقتصادية المرتبطة بالإنفاق العام.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون