قرار الفيدرالي يُعقّد معادلة التمويل في دول مجلس التعاون

يضع رفع الفائدة الأمريكية الأخير إلى 3.75%-4.00% السياسات النقدية لدول مجلس التعاون أمام اختبار حرج، للتوفيق بين خيارين أحلاهما مر: الموازنة بين مكافحة التضخم المستورد وتجنب عرقلة نمو القطاع غير النفطي وتمويل المشاريع الحيوية.

ويعزز من اختبار كهذا ما أعقب قرار “الفيدرالي” من تحركات فورية للبنوك المركزية الخليجية، يوم الخميس، لتعديل أسعار الفائدة في وقت تتشابك فيه تداعيات صعود الذهب إلى مستويات تاريخية، مع اشتعال اضطرابات الملاحة البحرية، وضغوط السيولة داخل أسواق المال الإقليمية.

ويعود الجذر الأساسي لهذه الضغوط التضخمية المتلاحقة إلى اختلالات أسواق الطاقة الدولية، حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز عتبة 107 دولارات للبرميل، وسط تفاقم المخاوف من تعطل الإمدادات العالمية، على الرغم من تراجع توقعات نمو الاستهلاك العالمي من الوقود بفعل تراكم الأعباء التمويلية، وانحسار آفاق التعافي الصناعي في الاقتصادات المستوردة، بحسب تقرير نشرته وكالة الطاقة الدولية.

ويتزامن هذا الارتفاع في تكاليف الطاقة، مع تسعير متصاعد للمخاطر الجيوسياسية في عقود التسليم الآجلة للمحروقات؛ إذ يعكس استقرار أسعار النفط فوق 100 دولار، يوم الخميس، حالة قلق عميقة حيال سلامة الممرات البحرية الحيوية، وخطوط الأنابيب الرئيسية في الشرق الأوسط، ما يفرض علاوة مخاطر تزيد من أعباء سلاسل التوريد الدولية، وترفع فواتير الشحن والتأمين، بحسب تقرير نشرته منصة بارتشارت، المتخصصة في تداول وتحليلات عقود السلع والطاقة الآجلة.

وتكشف هذه الصدمات السعرية المركبة عن معضلة نظرية لطالما حكمت اقتصادات المنطقة، وفق ما يوضحه أستاذ الإدارة المالية بجامعة باشاك شهير التركية، فراس شعبو، في حديث لـ”العربي الجديد”، إذ تسعى السياسات العامة عادة إلى الجمع بين استقرار سعر الصرف، وحرية حركة رؤوس الأموال دون قيود، واستقلالية القرار النقدي، غير أن الوقوع الحتمي في أسر الثالوث المستحيل ألزم العواصم الخليجية بالتخلي التام عن استقلالية سياستها النقدية لصالح تثبيت العملة، وضمان حرية التحويلات، وربط أسعار الفائدة بقرارات واشنطن، باستثناء الكويت التي تعتمد نظام سلة العملات.

ويؤدي هذا الارتهان الإجباري لقرارات الفيدرالي الأميركي في بيئة تسودها التوترات الجيوسياسية إلى اندفاع كبار المستثمرين والمؤسسات المالية نحو بناء مراكز تحوطية دفاعية، ما دفع أسعار الذهب الفورية لتسجيل أرقام قياسية تاريخية ملامسة 4312 دولاراً للأونصة، مع تفضيل حيازة المعدن النفيس كأصل خالٍ من المخاطر في مواجهة تقلبات أسواق الصرف، بحسب تقدير نشرته منصة تريدنج إيكونوميكس، يوم الخميس.

ويلقي هذا النزوح الاستثماري الواسع نحو الملاذات الآمنة بظلال ثقيلة على قدرة القطاع المصرفي في دول مجلس التعاون، على الحفاظ على صيغة استقرار نقدي تكفل استمرار تدفقات التمويل الميسرة للشركات غير النفطية، التي تواجه صعوبات متزايدة في الاقتراض، رغم المكاسب الاسمية لأسعار النفط التي تعطلت عوائدها الفعلية، جراء الأزمات الأمنية في ممرات التصدير، وفق ما يوضحه الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، في حديث لـ”العربي الجديد”.

وتتسع دائرة التأثير الاقتصادي بفعل قنوات انتقال التضخم المستورد التي يكرسها ربط العملات بالدولار؛ إذ إن تسعير أغلب السلع الأساسية والمواد الغذائية وواردات التجهيز بالعملة الأميركية يجعل أي انخفاض في القوة الشرائية للدولار ينعكس فوراً وبشكل تلقائي في صورة ارتفاع بالأسعار المحلية للريال والدينار والدرهم، مما يثقل كاهل المستهلكين، ويقلص القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين، كما يشير شعبو.

ويتعمق المأزق المالي الإقليمي، بحسب درويش، حين يصطدم التفاؤل بعوائد النفط المرتفعة بالواقع الميداني الضاغط؛ فالأزمات والاشتباكات العسكرية المتواصلة في محيط مضيق هرمز ومضيق باب المندب والسواحل اليمنية، واستهداف خطوط النقل الاستراتيجية كأنبوب شرق-غرب، تخلق معوقات لوجستية حقيقية تحد من القدرة التصديرية الفعلية، وتمنع الدول المنتجة من تحويل الأسعار العالمية إلى سيولة نقدية وفيرة تدعم الأسواق.

وينعكس هذا الاضطراب اللوجستي بدوره على كلفة التمويل الداخلي، حيث تفرض آلية التتبع الإلزامية لقرارات “الفيدرالي” زيادات متتالية في أسعار الإقراض، استجابة لصدمة العرض التضخمية، مما يرفع فاتورة خدمة الدين على شركات التمويل والمصارف، ويلقي بأعباء ثقيلة على الشركات العملاقة المنفذة لمشاريع رؤية 2030 التنموية التي ترتبط شروط اقتراضها بمؤشرات الفائدة الأميركية، كما يوضح شعبو.

وأمام التراجع في عوائد النفط الحقيقية وتصاعد كلفة الأموال، يلفت درويش إلى أن معظم البنوك المركزية الخليجية تجد هوامش حركتها مقيدة بالكامل لملاحقة “الفيدرالي” لحماية احتياطياتها واستقرار عملاتها، باستثناء الكويت التي يمنحها ربط عملتها بسلة من العملات متنفساً محدوداً للتحكم في وتيرة التعديل، ما اضطر بقية دول المنطقة إلى اللجوء لاستخدام الاحتياطيات النقدية لضخ السيولة، والحفاظ على توازن الائتمان.

ويثبت هذا الاعتماد المتكرر على الاحتياطيات أن السياسة النقدية الخليجية تظل سياسة تابعة بطبيعتها البنيوية وليست مستقلة؛ فالربط الاسمي الوثيق بالدولار يحول دون أي انفكاك استراتيجي، لتقتصر المبادرات المحلية على تدخلات تكتيكية مؤقتة لإدارة السيولة المصرفية، دون امتلاك القدرة على صياغة مسار فائدة مستقل يخالف التوجهات الأميركية الصارمة، وفق تحليل شعبو.

وتبرز خطورة هذا الجمود النقدي في تقييمات الجدارة الائتمانية للمؤسسات المصرفية؛ حيث يؤدي استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترات ممتدة إلى زيادة مخاطر التعثر الائتماني، ورفع مخصصات خسائر القروض، خاصة في ظل متطلبات تغطية السيولة، والالتزام بالهوامش الاحترازية الصارمة المفروضة على المصارف التجارية في مواجهة صدمات التمويل، بحسب تقرير نشرته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني الأربعاء.

وتترجم هذه التحديات الائتمانية والضغوط الإقليمية بصورة فورية على منصات التداول، إذ تعاني أسواق الأسهم الخليجية من هجرة جزئية للسيولة الاستثمارية، وتراجع ملحوظ في أحجام التعاملات، نتيجة توجه شريحة كبرى من المتعاملين نحو شراء الذهب والأصول الآمنة، تفادياً للمخاطر الناجمة عن الصراعات الميدانية، وتأثيراتها السلبية في ربحية الشركات المدرجة، كما يؤكد درويش.

وتضع هذه التراجعات في السيولة الحكومات أمام معادلة متناقضة النتائج؛ فالاستفادة المالية من ارتفاع أسعار النفط تقابلها صدمات عرض مستمرة وتضخم مستورد يمتص الجزء الأكبر من الفوائض، ليدفع القطاع الخاص والشركات في القطاعات الحساسة للفائدة التكلفةَ الأكبر لهذا التشديد، مما يُحتم تبني حزم دعم نوعية وحوافز تمويلية موجهة بدلاً من الاعتماد الحصري على أداة سعر الفائدة، بحسب شعبو.

ويفرض هذا المناخ على المستثمرين الاستمرار في تفضيل الذهب للتحوط من المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسعار الصرف، ما يؤدي، بحسب شعبو، إلى ركود حركة الأسهم المحلية، لتجد السياسة النقدية نفسها محاصرة في مساحة مناورة ضيقة للغاية؛ فالمطلوب منها الحفاظ على استقرار العملة ومحاصرة التضخم المستورد، دون أن تخنق نشاط القطاع الخاص واستثماراته.

إزاء ذلك، فإن المدى المتوسط سيشهد، وفق ترجيح درويش، تشكّل صيغة تضخمية تعتمد في وتيرتها واستمرارها على محددات الأمن الإقليمي، وسلامة خطوط الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وهي التطورات الميدانية التي ستحسم مسار السياسات النقدية والمالية الخليجية، وترسم الحدود الفاصلة بين ركود الاستثمار وفرص الانتعاش الاقتصادي.

 

الاقتصاد العربي

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون