
المرتضى من بعقلين: الوحدة الوطنية تحمي لبنان من الفتنة ومشاريع التفرقة
رعى الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى احتفالًا لتكريم مجموعة من المبدعين اللبنانيين، أقيم في المكتبة الوطنية في بعقلين، بالتعاون بينها وبين متحف عزت مزهر وجمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل.
وحلّ المرتضى ضيف شرف على الاحتفال، وسلّم شهادات التكريم إلى كل من: الممثل المسرحي والمخرج فايق حميصي، الشاعر الزجلي جريس البستاني، التربوية والكاتبة ربيعة ضو، المفكر الدكتور ميشال كعدي، الفنان التشكيلي الدكتور حسن جوني، الإعلامية غادة غانم، والفنانة التشكيلية مجد رمضان. كما جرى زرع أرزة باسم كل من المكرمين في محمية أرز الباروك، تخليدًا لإنجازاتهم وتقديرًا لأدوارهم الثقافية والوطنية.
وبعد أن طلب من الحضور الوقوف دقيقة صمت عن روح الراحل الكبير، ابن بعقلين، الأديب شوقي حمادة، أثنى المرتضى على “الدور الثقافي المتميز الذي تؤديه المكتبة الوطنية في بعقلين بجهود من مديرها الأستاذ غازي صعب، وعلى جهود السيدة سمر عطايا مزهر المشرفة على متحف عزت مزهر، وجهود جمعية الإنماء الاقتصادي في الجبل”.
وتطرق إلى “أهمية إحياء روح الوحدة في نفوس اللبنانيين، بما يقيهم رياح الفتنة”، منوهًا بما يبذله وليد جنبلاط على هذا المستوى، سواء في خطابه أو في أدائه السياسي.
تكريم المبدعين
واستعرض المرتضى إنجازات المكرمين، مبتدئًا بالشاعر الكبير جريس البستاني، فقال مخاطبًا إياه:
“بتكريمك يكرّمون شاعرًا جعل من الزجل اللبناني صوتًا للناس، حافظ في كلمته على نبض الأرض ودفء الذاكرة وجمال العامية. فكان للزجل معه أكثر من شعر؛ كان تراثًا حيًا، وهوية تُصان، وفرحًا لبنانيًا يُورّث من جيل إلى جيل. فمبارك لك هذا التكريم”.
وللدكتور حسن جوني، قال:
“يكرّمون فيك فنانًا جعل من اللون والخط والضوء لغة للجمال والإنسان، وترك في الفن التشكيلي اللبناني أثرًا يختزن فرادة تجربته وعمقها. ويكرّمون فيك أيضًا الأكاديمي الذي لم يكتفِ بإبداع الفن، بل حمل رسالته إلى أجيال من المبدعين، جامعًا بين موهبة الفنان وأمانة المعلم. فمبارك لك هذا التكريم”.
وللدكتور ميشال كعدي، قال:
“أراهم يكرّمون فيك المسيحي حتى النخاع، الذي اتسع إيمانه للمحبة كما اتسع للمعرفة، ورهن عمره للكلمة التي تُظهر عظمة محمد وعلي، إيمانًا بأن الحقيقة لا تُحاصر في طائفة ولا يُختزل المجد في دين. فكان أدبه جسرًا بين القلوب، وشهادة على أن المحبة الصادقة تستطيع أن ترى في محمد وعلي عظمة تحبها وتكتب عنها، وأن تجعل من الاختلاف سبيلًا إلى التعارف والتلاقي. فمبارك لك هذا التكريم”.
وقال للأستاذ فايق حميصي:
“وأما أنتم، يا ابن طرابلس الحبيبة، المبدع الكبير فايق حميصي، فأراهم يكرّمونك رائدًا جعل من الصمت لغة، ومن الجسد كلامًا، ومن الإيماءة مسرحًا نابضًا بالحياة. فكرّست تجربتك لفن الإيماء في لبنان والعالم العربي، ممثلًا ومخرجًا ومعلمًا، وحملت هذا الفن إلى أجيال من المسرحيين، حتى غدا اسمك شاهدًا على مسيرة أسهمت في ترسيخ الإيماء فنًا قائمًا بذاته. فمبارك لك هذا التكريم”.
وتوجه إلى الأستاذة ربيعة ضو قائلًا:
“إنهم يكرّمونها مربية جعلت من التعليم رسالة، ومن الثقافة سبيلًا إلى بناء الإنسان وتعزيز انتمائه، فكان عطاؤها أبعد من حدود المدرسة. ونحيّي فيها الكاتبة التي آمنت بأن الكلمة تربي كما يربي المعلم، وأن صناعة الإنسان هي أسمى وجوه صناعة الوطن. ومبارك لها بدورها هذا التكريم”.
وقال للسوبرانو ماريا مطر:
“يكرّمون فيك صوتًا لبنانيًا اختزن جمال الغناء ورقي الموسيقى، وحمل إلى المنابر ألق السوبرانو وروح الفنانة المبدعة، فغدت الموسيقى في أدائها أكثر من نغم؛ صارت لغة للجمال، ورسالة تحفظ للبنان مكانه في فضاء الفن الرفيع. ومبارك لك هذا التكريم”.
وللسيدة غادة غانم، قال:
“هي التي أبدعت في المضمار الإعلامي، وأراهم يكرّمون فيها تلفزيون لبنان الذي تنتمي إليه، وهو المؤسسة الوطنية التي نتوق جميعًا إلى أن يستعيد دوره الجامع، وسيلة تبث فينا الوعي وروح الوحدة، على خلاف وسائل أخرى للإعلام ما برحت تبث الشقاق والفتن، وتخدم العدو من خلال تأليب أبناء هذا الوطن بعضهم على بعض. فمبارك لها هذا التكريم”.
أما الفنانة التشكيلية ورئيسة جمعية Seniors and Art of Joy مجد رمضان، فقال عنها:
“ومسك الختام مجد رمضان، التي يكرّمون فيها فنانة ومبدعة اجتماعية. فهي لم تجعل من الفن مساحة للإبداع فحسب، بل جعلته طريقًا إلى الفرح واستعادة الشغف، فأسست جمعية Seniors and Art of Joy التي واكبناها عن كثب، لتقول إن الموهبة لا عمر لها، وإن الإنسان لا يتقاعد عن الجمال.
وبين ريشة تكتشف موهبة كامنة، ولوحة تعيد إلى أصحابها فرح الحياة، جعلت مجد من الفن فعل تمكين وإنسانية، ومن كبار السن طاقة على الإبداع، لا ذاكرة للماضي فحسب.
فلها مني على الدوام كل تقدير واحترام، ومبارك لها هذا التكريم الذي أظنه يتجاوز شخصها، والتي هي تستأهله، ليشمل كل الصديقات المنضويات في تلك الجمعية، ومنهن العزيزة المرحومة روبينا رضا. فمبارك لك يا ست مجد ولزميلاتك هذا التكريم، راجيًا لجمعيتكم المزيد من النجاح والبهاء والعطاء”.
بعقلين… من السجن إلى رحاب المعرفة
وأضاف المرتضى:
“لا تكتفي بعقلين بأن يحمل اسمها تاريخها، حجارة ومواضع وناسًا ذوي عقول، بل تعرف قبل كل شيء أن تمنح الزمن معنى الحلم، والمكان ذاكرة البنيان.
ولعل المكان الذي نأوي إليه الآن أجمل ما يختصر هذه الفكرة: مكتبة بعقلين؛ الصرح الذي لم يكن في ماضيه مكانًا للكتب ولا فضاءً للمعرفة، بل سجنًا تحيط جدرانه بالإنسان وتفصله عن العالم.
ثم شاءت الإرادة الحكيمة أن تتحول هذه الجدران نفسها من رمز للقيد إلى رحاب للفكر، ومن مكان تُغلق فيه الأبواب إلى مكان تُفتح فيه نوافذ المعرفة.
وإلى حيث اقتيد السجناء مكبلين، تأتي وفود المثقفين بكامل حرية المعرفة، وتمثل في أروقة هذه المكتبة، طليقة من دون أي قيد وبلا حراسة من أحد.
ما أبلغ هذه المفارقة، وأجمل معناها! السجن يقيد الجسد، أما الكتاب فيحرر العقل. السجن يختصر العالم في جدران، أما المكتبة فتضع العالم بأسره بين يدي قارئ.
وبين الأمس واليوم، بقي الحجر في مكانه، لكن المعنى تبدل؛ وكأن بعقلين أرادت أن تقول: إن الأمم لكي تتقدم، لا تمحو ماضيها، بل تعيد قراءته وتصنع منه ما يليق بمستقبلها”.
الثقافة ذاكرة الوطن
وتابع:
“إلى المكتبة، ذاكرة الفكر، تنضم ذاكرة الريشة والإزميل عبر متحف الفنان عزت مزهر، حيث لا تحفظ الأعمال الفنية بوصفها أشياء من زمن مضى، بل بوصفها ألسنة حية ما برحت قادرة على مخاطبة أجيال لم تعاصر صاحبها.
هكذا تكتسب المحافظة على التراث معناها الحقيقي؛ لأنها ليست حنينًا إلى الماضي، وإنما مسؤولية تجاه المستقبل، تتولاها السيدة سمر، الساهرة على حفظ تراث زوجها، والحاملة أمانة إبقاء إرثه حيًا في الذاكرة الثقافية.
فأن نحفظ إرث مبدع لا يعني أن نحفظ لوحاته وأعماله فحسب، بل أن نحفظ شيئًا من روح المرحلة التي عاش فيها، ومن الأفكار والمشاعر والجمال الذي أراد أن يتركه لمن يأتي بعده”.
وقال:
“خيط الذاكرة الذي يجمع مكتبة بعقلين إلى متحف عزت مزهر إلى جمعية الإنماء لا يصلح بدونه ثوب لوطن.
فالأوطان لا تبنى بالحجر وحده، ولا تقاس قوتها بما تشيده من طرق ومبانٍ ومؤسسات فحسب، ولا تُحسب في عداد الأمم السيدة الحرة المستقلة إذا لم تكن لها ذاكرة تحفظ تراثها، وثقافة تمنح الشعب هويته.
وفي وطن كلبنان، عرف على مر تاريخه الأزمات والحروب والهجرة والانقسامات، وهو اليوم في واحدة من أصعب المراحل التاريخية التي عاشها، تصبح الثقافة ضرورة وطنية بامتياز.
فحين تضيق السياسة بالناس، توسع الثقافة مساحات اللقاء بينهم. وحين تفرقهم الانتماءات، تعيدهم المعرفة والفنون إلى ما يجمعهم. وحين تدلهم الحروب، تطلع المواهب أنوار سلام.
وحين تهتز الثقة بالمستقبل، تذكرنا عطايا المبدعين والمفكرين بأن هذا الوطن سيبقى قادرًا على أن ينتج فكرًا وفنًا وجمالًا، ويظل أهلًا لأن يُدعى بلد الإشعاع والأبجدية.
والثقافة أيضًا، يا أحبة، قيم عليا، أهمها الوفاء. ولذا أغتنم المناسبة لأشهد أن هذا الجبل موطن القيم، وهي فيه راسخة رسوخ الأرز في باروكه، وبها تنبض قلوب أبنائه، أهل الوفاء والعرفان”.
دعوة إلى الوحدة الوطنية
وأضاف:
“كيف لا، وها هي مكتبته في بعقلين، الوطنية على أرفع ما تكون عليه الوطنية، تستقبل حفل الوفاء هذا؟ وكيف لا، ووليد هذا الجبل لا يكل ولا يمل، ولا يفتر له عزم في أن ينفخ في نفوس اللبنانيين من روح الوحدة ما يقيها رياح الفتنة، وأن يذكرهم بأن لبنان لا يحيا إلا بأبنائه مجتمعين، ولا يصان إلا بقلوبهم المتآلفة على محبته؟
وهو لا يفتأ يحذر من مكائد العدو التي تتربص بهذا الوطن، فتريد أن تزرع الشقاق بين أهله، وأن تجعل من تنوعه جرحًا بدل أن يكون نعمة، ومن اختلافه سببًا للاقتتال بدل أن يكون صورة من صور غناه.
فلبنان الذي تتعانق فيه طوائفه ومناطقه وأبناؤه، ويبقى فيه الواحد سندًا للواحد، هو لبنان الذي يخشاه عدوه؛ لأنه النقيض الأخلاقي والإنساني لكيان لا يرى في الآخر إلا عدوًا، ولا يعرف منطقًا إلا الإقصاء والعدوان.
ولهذا، من الواجب علينا ونحن في مناسبة وفاء أن نذكر بالخير وليد جنبلاط، وأن نتوجه إليه بالتحايا والتقدير على مواقفه الوحدوية، وعلى جهوده المنصبة على بث الوعي بين اللبنانيين، وهو الذي ما برح يقول: كلما حفظ اللبنانيون تنوعهم في وحدة، وأمسك بعضهم بيد بعض، أفشلوا مشروعًا لا يعيش إلا على التفرقة، ولا يستقوي إلا بانقسامنا.”
وختم المرتضى:
“على أمل فرج وخلاص لوطننا الحبيب، بوركتم جميعًا، مكرّمين ومكرّمين”.









