في البدء، لم تكن أمي مجرد أم، بل كانت رفيقة الدرب، وصديقة العمر، والشقيقة الكبرى التي تشاركني أدق تفاصيل حياتي.

تزوجت أمي صغيرة وأنجبتني باكرًا، فلم يتجاوز الفارق بيننا خمسة عشر ربيعًا. فكنا نتبادل الملابس، ونتقاسم الأنفاس والضحكات حتى تدمع أعيننا، ونتسارّ بأسرار لا يعرفها سوانا؛ كأننا توأمان فرّق بينهما العمر، لا أمًّا وابنتها.

استمرت هذه العلاقة الاستثنائية حتى بلغت السابعة والعشرين. وفي يوم خطبتي، نظرت إليّ أمي بعينين مختلفتين، تفيضان بحب لم أره بهذا الوضوح من قبل. ذرفت دموع الفرح وهي تضمّني إلى صدرها، فشعرت بفيض أمومتها الذي كان حاضرًا دائمًا، لكنني لم ألتفت إليه كما ينبغي.

أدركت حينها أنها تخشى فقداني، كما تخشى الأم التي تزوجت صغيرة أن تكبر ابنتها وتتركها وحيدة.

في تلك اللحظة، أيقنت أن صداقتنا كانت قناعًا لحب أعمق؛ حب أمّ تخشى الوحدة.

بعد عام، تزوجت وغادرت منزلنا. كان يوم فرحي يوم حزنها الذي آثرت إخفاءه. لم تتركني، بل كانت تأتي كل أسبوع حاملةً لي طعامها الذي علمتني كيف أصنعه، وتجلس ساعات تحدثني عن كل شيء وعن لا شيء، وكأنها تحاول تعويض الأيام التي ستفوتها معي، أو كأنها تخشى أن تمر لحظة من حياتي دون أن تكون جزءًا منها.

عودة من الموت

في يوم لم يكن في الحسبان، تعرضت لنزيف حاد أثناء عملية قيصرية، فتوقف قلبي، وفشلت كل محاولات الإنعاش. نُقلت إلى ممر المشفى البارد، وطلبوا من أحد العاملين الاتصال بأهلي ليستلموا جثتي.

كنت ملقاة على تلك العربة الباردة، وروحي تطفو في مكان مجهول، بعيدًا عن كل ما أحب.

ثم وصلت أمي.

ما إن وقفت في بداية الممر الطويل حتى صرخت بأعلى صوتها، المضرج بالدموع:

“يا فاديا!”

كان ذلك الصوت كالصاعقة التي هزّت أركان الكون. سمعته وكأنني في حلم بعيد. فتحت عيني ونظرت إلى وجهها المفجوع، الذي يحمل كل وجع الدنيا. كانت دموعها تغسل وجهي الشاحب، وأناملها المرتجفة تلمس جبيني، كأنها تحاول إيقاظ نائم.

عدت بعدها إلى غيبوبتي، لأستيقظ بعد ثلاثة أيام.

يروي لي الطبيب كيف كان صوتها كالسحر الذي أعاد الروح إلى جسدي الخامد، وكيف عاد قلبي إلى النبض بعد أن توقف، وكأن حبها لي كان قادرًا على هزيمة الموت نفسه.

حين انقلبت الأدوار

في عام 2011، أصيبت أمي بجلطة دماغية تركت لديها شللًا جزئيًا في الجانب الأيمن. لم تعد تلك المرأة القوية التي أعرفها، بل أصبحت ضعيفة، تذرف الدموع لأتفه الأسباب.

كنت أمسك يدها التي لم تعد تطيعها، وأرى فيها ضعفًا لم أعهدْه من قبل، فصرت أخاف عليها أكثر مما كانت تخاف هي على نفسها.

ظللت كذلك حتى عام 2019.

وفي تلك الليلة المشهودة، اتصل أخي في ساعة متأخرة. كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، وشعرت ببرد غريب يسري في جسدي قبل أن يخبرني، وكأن روحي استشعرت، قبل عقلي، أن شيئًا ما قد انكسر في الدنيا.

قال لي:

“أمي ماتت.”

لم أبكِ.

جلست على الأرض أكرر اسمها، وكأنني لو ناديتها بما يكفي ستعود.

كيف سأعيش دونها؟

وهي السند الذي اعتمدت عليه طوال حياتي، وهي التي كانت تأتي كل أسبوع، وتضحك معي كالصديقة، وهي التي أعادتني من الموت بصوتها.

كيف سأعيش في عالم لا صوت لأمي فيه؟

وصية الوداع

ذهبت إلى منزل أهلي، لأتفاجأ بوصيتها؛ فقد طلبت ألا يغسلها أحد سواي.

كانت تعرف أنني الوحيدة التي ستلمس جسدها بحنان يشبه حنانها، وأن يدي ستحنو عليها كما حنَت هي عليّ حين كنت طفلة، وكأنها أرادت أن تمنحني آخر فرصة لأودعها كما ينبغي.

برباطة جأش وعزم غريبين، ذهبت إلى المشفى مع أختي الصغرى ولوازم الغسل. كل ذلك دون أن تسقط من عيني دمعة واحدة، كأن جسدي كان يتحرك بقوة لا أملكها، وكأنها هي من كانت تقودني وتقول لي:

“اصبري يا ابنتي لأجلي.”

أحضروها من ثلاجة الموتى. كان وجهها أبيض ناصعًا كالثلج، ورغم قضائها ساعات في البرودة، كان جبينها ينضح بقطرات من العرق، كأن روحها كانت لا تزال تحارب لتبقى في جسدها.

لمست جبينها، فوجدته دافئًا رغم البرد. بكيت في داخلي، لكن دموعي رفضت الخروج. خنقتني العبرة، لكنها لم تفلت.

أما قدماها، فكانت هناك الصدمة التي ستظل محفورة في ذاكرتي إلى الأبد؛ فقد كان يشع من تحت جلد قدميها نور أبيض ناصع كالقمر في ليلة اكتماله.

لم أستطع تفسيره، لكنني شعرت أنه رسالة منها تقول:

“لا تخافي عليّ، أنا في مكان أفضل، أنا بخير.”

أتممت المهمة بمساعدة شقيقتي، وكل حركة كنت أقوم بها، كنت أشعر بأنها تراقبني وتبتسم.

النعش الأخير

حملت والدتي إلى سيارة دفن الموتى، ورفضت الصعود في السيارات المرافقة، بل صعدت إلى جانبها.

جلست ويدي على نعشها، أحدثها وكأنها تسمعني. أخبرتها أنني أحبها، وأنها كانت أفضل أم في العالم، وأنها ستعيش في قلبي حتى ألقاها.

وأخبرتها أنها علمتني كيف أحب، وكيف أعطي، وكيف أواجه الموت بالصبر.

عندما وصلنا إلى المنزل، ودعها إخوتي، وأنا بدوري فعلت ذلك.

كان قلبي ينزف، لكن وجهي كان ثابتًا. حملوا النعش وغادروا، وبقيت صامدة أهدئ روع إخوتي. ولأنني كنت أكبرهم، كنت أمسح دموعهم وأقول لهم إنها بخير، وإنها في الجنة.

وما إن رأيت النعش يغيب في آخر الشارع، حتى شعرت بأن الدنيا كلها قد غابت معه.

خارت قواي، وصرخت باكية بأعلى صوتي:

“أمي!”

وسقطت مغشيًا عليّ، كأن كل الصبر الذي تمسكت به طوال تلك الساعات قد انهار دفعة واحدة، وكأن روحي خرجت معها في ذلك النعش.

وكأنني عدت إلى ذلك الممر البارد، حيث كنت ميتة.

لكن هذه المرة، لم يكن هناك صوت أمي يناديني ليعيدني إلى الحياة.

أمي لم تكن مجرد أم.

كانت كل شيء.

كانت الصديقة، والمعلمة، والحضن الدافئ، والصوت الذي يعيد الحياة إلى الموتى.

رحلت، لكنها تركت في قلبي نداءً لا يخفت، يهمس لي كلما شعرت بالوحدة:

“أنا هنا يا ابنتي… أنا هنا.”

وكلما أغمضت عيني، أراها واقفة في ذلك الممر البارد، تصرخ باسمي وتعيدني من الموت.

أراها تبتسم لي من هناك، في مكان لا يعرفه إلا من أحبّ حقًا.

أمي، أنتِ نداء روحي.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون