
دعوات لإصلاح منظومة الدعم في سوريا كبحاً لاتساع رقعة الفقر
تُحذر تقارير أممية من واقع اقتصادي قاتم يواجهه الشارع السوري، إذ يعيش تسعة من كل عشرة مواطنين تحت خط الفقر. يأتي ذلك وسط مطالبات متزايدة بإعادة هيكلة الدعم الحكومي لردم الفجوة الآخذة في الاتساع بين تدني الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولم يعد الحديث عن الدعم في سورية مجرد نقاش حول أرقام في الموازنة العامة، وفق ما أوضح الأكاديمي المتخصص في التخطيط الاقتصادي وإدارة الأزمات خالد الحمدي لـ”العربي الجديد”، بل أصبح قضيةً تمسّ الأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي بصورة مباشرة، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية، بات ملايين السوريين يعتمدون على أي شكل من أشكال الدعم لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وشهدت السنوات الأخيرة تراجعاً تدريجياً في منظومة الدعم، كما أشار الحمدي، سواء من خلال تقليص عدد المستفيدين أو تخفيض حجم الدعم المقدَّم لبعض السلع والخدمات، وذلك في إطار سعي الدولة إلى تخفيف الأعباء المالية وإعادة توجيه الإنفاق العام، مضيفاً: “غير أن السؤال الأهم يبقى: هل نجح هذا التحول في تحقيق العدالة الاجتماعية، أم إنه زاد من الضغوط على الفئات الأكثر هشاشة؟”.
ولا يمكن من الناحية الاقتصادية، كما بيّن الحمدي، إنكار أن الدعم الشامل يشكّل عبئاً كبيراً على المالية العامة، وقد يؤدي إلى هدر الموارد ووصول جزء منه إلى غير المستحقّين.
وقال: “لكن في المقابل، فإن التخلي عن الدعم دون وجود بدائل فعالة يمثل مخاطرة اقتصادية واجتماعية، خاصة في اقتصاد ما زال يتعافى من سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والتضخّم”.
وأثبتت تجارب العديد من الدول أن إصلاح الدعم لا يعني إلغاءه، وإنما إعادة هيكلته. ولفت الحمدي إلى أن الهدف يجب أن يكون إيصال الدعم إلى مستحقّيه الحقيقيين، مع تقليل الهدر والفساد، وليس حرمان الفئات الفقيرة من الحد الأدنى من مقوّمات الحياة الكريمة.
وأردف بالقول: “في الحالة السورية، أي إصلاح ناجح ينبغي أن يستند إلى قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، وأن يعتمد معايير واضحة للدخل ومستوى المعيشة، مع مراجعة دورية للمستفيدين، بما يضمن العدالة والشفافية”.
وتابع: “كما أن التحوّل التدريجي نحو الدعم النقدي، إذا توفرت له الضمانات اللازمة، قد يكون أكثر كفاءة من الدعم السلعي في بعض القطاعات، شريطة أن يحافظ على القوة الشرائية للمواطن في مواجهة التضخم”.
وشدد الحمدي على أنه لا يمكن فصل سياسة الدعم عن السياسات الاقتصادية الأخرى، فزيادة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص العمل، ورفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، كلها عناصر مكملة لأي إصلاح، إذ لا يمكن مطالبة المواطن بتحمل أعباء الإصلاح، في الوقت الذي لا تزال فيه دخول الأسر أقلّ بكثير من احتياجاتها الأساسية، ولا يقاس ذلك فقط بمؤشرات النمو أو حجم الإيرادات، وفق الحمدي، بل يقاس أيضاً بقدرته على حماية الإنسان.
وأضاف: “كل ليرة تُنفق بصورة صحيحة على الفئات المحتاجة قد توفر على الدولة لاحقاً أضعافها من تكاليف الفقر والبطالة والمشكلات الاجتماعية”، وتابع:” اليوم، تبدو الحاجة ملحّةً إلى صياغة عقد اجتماعي جديد في ملف الدعم، يقوم على التوازن بين كفاءة الإنفاق العام والعدالة الاجتماعية، ويمنح المواطن الثقة بأن الإصلاح الاقتصادي لن يكون على حساب الفقراء، بل سيكون وسيلة لتحسين مستوى معيشتهم وتعزيز فرصهم في الإنتاج والعمل”.
ورأى الحمدي أن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء مجتمع متماسك، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف بدون منظومة حماية اجتماعية فعّالة تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لكل مواطن، فالدعم ليس منحة، بل أداة اقتصادية واجتماعية لحماية الاستقرار الوطني، وينبغي أن يبقى كذلك مهما تغيرت أدواته وآليات تنفيذه.
من جانبه، لفت الباحث الاقتصادي محمد عمار السعيد، خلال حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن هناك محاولات في سورية للانتقال من دعم السلع العشوائي إلى دعم الإنتاج والتصنيع، واصفاً هذه الخطوات بالجيدة، لكن في المقابل، يجب أن تكون هذه الخطوات ضمن مسارات تعتمد خططاً ودراسات.
وأدى رفع أسعار حوامل الطاقة، وفق السعيد، إلى انعكاسات سلبية، خاصة على الفقراء في سورية، كونه رفع من أجور الشحن والنقل وتكاليف الزراعة وكذلك التصنيع، وهذا كله من الأسباب التي تؤدي إلى اتساع دائرة الفقر، وتراجع القدرة الشرائية والمعيشية لدى الناس، وهذا أيضاً بدوره ينعكس على الدورة الاقتصادية في الأسواق.
وقال: “حالياً هناك برنامج الشؤون الاجتماعية والعمل، لدعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، لكن لم يأخذ دوره الحقيقي حتى اليوم”، وشدد السعيد على ضرورة البحث عن آليات دعم مرنة وفعالة للعوائل الفقيرة، بالانتقال لأنواع من الدعم المخصص لها، مشيراً إلى أن هذا الدعم يعتمد الوصول إلى الأسر الضعيفة والفقيرة وتسخير الدعم لها، بالدرجة الأولى من خلال دعم الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، وذلك كله ضمن إطار الحلول للحد من الفقر ودعم هذه الفئة.
وأشار إلى ضرورة دراسة الرواتب والمعاشات لتواكب التضخم في البلاد، وكذلك الفجوة بينها وبين الواقع، إضافة إلى ضرورة دعم العوائل التي لا رواتب لديها، مشدداً على أن أزمة الفقر لا تتوقف عند حد معين، إنما تتخطى الأزمات على مستوى التعليم، فالأطفال لدى هذه العوائل يتسرّبون من الدراسة، ويُحرمون أيضاً من الخدمات الصحية، وغير ذلك من المشكلات التراكمية التي تحتاج إلى سنوات للتعافي منها.









