أزمة معبر رأس جدير: شريان التجارة بين تونس وليبيا يختنق

تتفاقم يوماً بعد يوم المعاناة التي يكابدها العمال والتجار التونسيون على الحدود الليبية، في ظل طوابير الانتظار الممتدة لساعات طويلة بمعبر “رأس جدير”.

هذا الوضع المتردي بات يعرقل انسيابية السلع وحركة الأفراد، مما أثار مخاوف جدية من تعميق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الثقيلة على أهالي المناطق الحدودية.

ومؤخراً، أعلن رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، مصطفى عبد الكبير، أن العمال والتجار التونسيين يواجهون صعوبات وصفها بـ”المذلة”، بسبب احتجازهم لأيام على المعابر الحدودية الليبية، مطالباً السلطات التونسية بالتدخل لإنهاء أزمة المعابر بشكل دائم وحماية حقوق المواطنين من الانتهاكات.

ولا يمثل معبر رأس جدير الحدودي بالنسبة لسكان الجنوب التونسي مجرد بوابة حدودية، بل يشكل جزءاً من منظومة اقتصادية كاملة تقوم على التجارة، والخدمات، والنقل، والإقامة، والمطاعم، وتبادل السلع؛ حيث يعتمد صغار التجار على الحركة اليومية بين الجانبين، فيما ترتبط مؤسسات تونسية، لا سيما في قطاعات الصناعات الغذائية والمواد الصناعية ومواد البناء، بالسوق الليبية التي تعد إحدى أهم الوجهات العربية للصادرات التونسية.

اكتظاظ المعبر

عن تلك الأزمة، يقول رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، والخبير المختص في الشأن الليبي، مصطفى عبد الكبير، إن الإشكالات لم تعد تقتصر على فترات إغلاق المعبر أو الاضطرابات الأمنية، بل باتت تشمل طول إجراءات العبور، والخلافات بشأن البضائع والوثائق الجمركية، وتغير الإجراءات من الجانب الليبي، فضلاً عن الاكتظاظ الناتج عن كثافة حركة المسافرين والتجار.

وأكد عبد الكبير، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن المنظمة تتدخل بشكل يومي لفض إشكالات تتعلق باحتجاز التجار والعمال التونسيين الذين يبقون عالقين على المعابر الحدودية لفترات تصل إلى 4 أيام.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، شدّد الرئيس التونسي قيس سعيّد، خلال اتصال مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، على ضرورة تكثيف المشاورات من أجل رفع العراقيل أمام حرية حركة الأشخاص والبضائع في المعابر الحدودية، ما يعكس استمرار ملف المعابر ضمن القضايا المركزية في العلاقات التونسية الليبية.

وتفيد تقديرات محلية غير رسمية بأن أكثر من 20 ألف عائلة في الجنوب التونسي ترتبط على نحو مباشر أو غير مباشر بالتجارة الحدودية، سواء عبر نقل البضائع أو بيعها أو الخدمات المرتبطة بها. كما تؤكد التقديرات ذاتها أن مدينة بنقردان وحدها تعتمد بنسبة كبيرة على النشاط التجاري مع ليبيا، إذ يوفر هذا القطاع مورد رزق لآلاف الشباب في ظل محدودية النسيج الصناعي وارتفاع معدلات البطالة.

وتصل نسبة البطالة في بعض ولايات الجنوب إلى أكثر من 20% مقابل معدل وطني يدور حول 15%، وفق تقارير رسمية، ما يجعل أي تعطيل للحركة التجارية ينعكس بسرعة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. ويشبه العاملون في التجارة الحدودية عمال المياومة، إذ يعتمدون على الرحلات اليومية لجلب السلع، سواء عبر العربات أو سيراً على الأقدام من المناطق الليبية المتاخمة للحدود.

اختناق اقتصادي واجتماعي

الناشط المدني بمدينة بنقردان الحدودية، عاطف شواط، ينقلنا إلى نقطة أخرى حيث يشير إلى إن المنطقة التي عاشت لعقود على وقع التجارة البينية المزدهرة بين تونس وجارتها الجنوبية ليبيا، تعاني منذ أكثر من سنتين من اختناق اقتصادي واجتماعي، تسبّب في شلل تام للمنطقة، وفقدان مئات الأسر مصدر دخلها الوحيد.

وأكد شواط، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن إشكاليات المعابر الحدودية وصعوبات تنقّل الأشخاص والسلع تهدّد بموجات هجرة غير نظامية من المنطقة، نظراً لغياب أي أفق تشغيلي آخر لأبناء بنقردان والمدن الحدودية.

وفي مارس/آذار 2026، عادت حركة المرور في رأس جدير إلى نسقها الطبيعي بعد اضطراب استمر ساعات على خلفية احتجاجات نفذها عدد من أبناء بنقردان، إثر احتجاز تجار تونسيين لدى الجانب الليبي، وما اعتبره المحتجون سوء معاملة للتجار. وكشفت الحادثة حينها أن أي توتر في الجانب الليبي يمكن أن ينتقل سريعاً إلى المنطقة الحدودية التونسية، ويؤثر في حركة الأشخاص والتجارة.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن العلاقة التجارية الرسمية بين تونس وليبيا لا تزال ذات وزن مهم، حتى إن كانت الحركة على المعابر تتأثر بعوامل تتجاوز التجارة الرسمية. وتظهر بيانات مركز النهوض بالصادرات أن المبادلات التجارية بين تونس وليبيا بلغت في عام 2025 نحو 2.892 مليار دينار تونسي، بزيادة 11% مقارنة بعام 2024، منها 2.469 مليار دينار صادرات تونسية إلى ليبيا (الدولار = 2.95 دينار تونسي). وتصدرت الصناعات الميكانيكية والكهربائية الصادرات بنسبة 37.2%، تلتها الصناعات المختلفة بـ35.5%، ثم الفلاحة والصناعات الغذائية بـ27.3%.

وفي إبريل/نيسان 2025، بحثت اللجنة الفنية الجمركية التونسية الليبية المشتركة معالجة الإشكالات المتعلقة بمادة المنشأ، ومراجعة قائمة بعض البضائع الأجنبية المستثناة من العبور من تونس إلى ليبيا، إضافة إلى تفعيل آلية المنفذ الجمركي المشترك في رأس جدير. كما اتفق الجانبان على اعتماد آلية تواصل آنية لمكافحة التهريب والجرائم الديوانية، واعتماد وثيقة التسليم والاستلام في عمليات التوريد والتصدير والعبور. وفي محاولة لإعادة فتح المجال أمام اليد العاملة التونسية بطريقة أكثر تنظيماً، وقّعت تونس وليبيا في إبريل 2026 مذكرة تفاهم في مجال التكوين المهني والتشغيل وتبادل اليد العاملة.

وتنص المذكرة على إنشاء ربط إلكتروني بين البلدين لتسريع الاستجابة لاحتياجات المؤسسات الليبية من العمالة، على أن تحدد ليبيا حاجاتها من الاختصاصات، وتوفر تونس قاعدة بيانات لطالبي العمل، مع استقدام العمال من دون تأشيرات عمل، وفق الآلية التي أعلنها الجانبان. كما تشمل الاتفاقية ضمان حقوق العمال، والتغطية الاجتماعية، وتمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد.

ولا توجد، وفق المعطيات الرسمية المنشورة حديثاً، إحصائية موحدة يمكن اعتمادها لتحديد العدد الحالي الفعلي للتونسيين العاملين في ليبيا، خصوصاً مع وجود عمال غير مسجلين أو يعملون بصورة دورية. وكان البنك الدولي قد أشار في تقييم سابق إلى أن عدد التونسيين العاملين في ليبيا كان يناهز 100 ألف عامل قبل تصاعد الأزمة الليبية.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون