
خطة هيكلة الخدمة المدنية بالسودان: مقترح لتسريح 64 ألف موظف بتكلفة 600 مليون دولار
تعيش الأوساط السودانية حالة من الصدمة إثر توصيات “لجنة التصفية” المعنية بإعادة هيكلة القطاع العام، والتي أوصت بتقليص حاد في العمالة يصل إلى 60%.
يستهدف المقترح فصل أكثر من 63 ألف موظف من إجمالي البنية الوظيفية للدولة البالغة حوالي 106 آلاف موظف موزعين على المؤسسات الحكومية و17 شركة عامة، وبحسب التقديرات، فإن الفاتورة المالية لتمويل هذا الإجراء تبلغ 396.1 مليار جنيه سوداني، ستُخصص لتغطية الحزم التعويضية، ومكافآت نهاية الخدمة، ومنح رواتب كاملة لعام إضافي، بجانب تمليك سيارات لشاغلي الدرجات الإدارية العليا.
وأكد رئيس الوزراء كامل إدريس وجود لجنة وزارية تعمل بالفعل على إعداد رؤية لإصلاح الخدمة المدنية، ولكنها لم تتخذ أي قرار نهائي بشأن إعفاء موظفين، نافياً صدور قرار بفصل آلاف العاملين بالدولة، غير أن هذا النفي لم يبدد المخاوف، إذ أشارت لجنة المعلمين السودانيين إلى أن القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026 قائم بالفعل، ويتضمن تشكيل لجنة لحصر أعداد العاملين بالحكومة الاتحادية، ووضع تصور لتقليص أعدادهم.
واعتبرت اللجنة أن استخدام عبارات عامة مثل “إصلاح الخدمة المدنية” يخفي نية مبيّتة لتصفية الوظائف العامة، وفتح الباب أمام موجة جديدة من التشريد والإقصاء، اللجنة شددت على أن السودان عانى كثيراً من سياسات الفصل التي أقصت آلاف الكفاءات لصالح الولاء السياسي، مؤكدة أن أي حديث عن تقليص العاملين لا يمكن النظر إليه بمعزل عن ذلك التاريخ المؤلم، وأضافت أن الإصلاح الحقيقي لا يجري عبر لجان مغلقة وقرارات فوقية، في ظل الحرب والانقسام، وإنما يتطلب دولة مدنية قائمة على القانون، ومشاركة حقيقية للنقابات والمهنيين.
وطالبت اللجنة رئاسة مجلس الوزراء بإلغاء القرار، وسحب اللجنة فوراً، معتبرة أن بيان رئيس الوزراء محاولة للتخفيف من آثار القرار بعد الرفض الواسع الذي قوبل به، دون التراجع عنه فعلياً.
واعتبر الخبير الاقتصادي، هاشم عبد الله رحمة، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن الخطوات التي تقوم بها الحكومة بشأن “إصلاح الخدمة المدنية” لا معنى لها في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب السوداني، وخاصة شريحة العاملين في الدولة، ووصف رحمة هذه القرارات في حال تنفيذها، بأنها “جرم كبير” يرتكبه القائمون على أمر الخدمة المدنية بحق العاملين.
وأكد أن أي إجراء بتسريح الموظفين يعد غير قانوني وغير شرعي، لكون الجهة الوحيدة المختصة بتحديد هذه التفاصيل هي “المجلس التشريعي”، معتبراً أن اتخاذ هذه القرارات في ظل غياب هذا الكيان يعد “تغولاً سافراً على السلطة التشريعية”. وتوقع رحمة أن تواجه قرارات اللجنة البطلان أمام القضاء، مشيراً إلى أنها لن تصمد أمام الدعاوى التي سيتقدم بها المتضررون، مستشهداً بما حدث مع قرارات “لجنة تفكيك نظام الإنقاذ” التي قضت المحاكم ببطلانها لاحقاً، مؤكداً أن مصير قرارات اللجنة الحالية سيكون هو “البطلان المبين”.
في المقابل، قدم أستاذ الاقتصاد، محمد الناير، في حديثه مع “العربي الجديد”، قراءة مختلفة للأزمة، مرجعاً جذورها إلى وجود “ترهل إداري” في المؤسسات الحكومية على المستويين الاتحادي والولائي، نتج عن سياسات استيعاب وظيفي غير مدروسة على مر السنوات، مما أعاق الأداء الوظيفي العام.
وأشار الناير إلى أن هذه الإشكالية متجذرة وليست وليدة اللحظة، إلا أن آثارها برزت بوضوح بعد اندلاع حرب إبريل/نيسان 2023، إذ تمكنت الحكومة بعد نقل مركزها إلى بورتسودان من إدارة الدولة بنسبة لا تتجاوز 25% من إجمالي القوة العاملة.
وأضاف الناير: “هذا الواقع هو ما دفع الحكومة للتفكير بجدية في تخفيف الأعباء الإدارية، ويبدو أن هناك توجهاً رسمياً للاستمرار بهذه النسبة الضئيلة (25%) من الكوادر عند العودة المرتقبة إلى العاصمة الخرطوم”، وقدّم الناير، تصوراً لكيفية التعامل مع الكوادر التي ستشملها قرارات إنهاء الخدمة، موضحاً أن الموظفين الذين بلغوا سن المعاش القانوني يجب أن تُصرف استحقاقاتهم كاملة وبطريقة تضمن حفظ حقوقهم. أما بالنسبة للفئات الأخرى، فقد اقترح الناير ضرورة تبني الحكومة مقاربة تنموية، بدلاً من الاكتفاء بالصرف المالي فقط، وذلك عبر تحويلهم إلى “قوة منتجة” تساهم في الاقتصاد الوطني.
ودعا الناير الحكومة إلى ضرورة التدخل الفاعل لطرح مشروعات إنتاجية للمشمولين بقرارات الإعفاء، مع تقديم امتيازات كاملة، وتسهيل عمليات “التمويل الأصغر” لدعم هذه المشروعات.
وشدد الناير في ختام حديثه على أهمية أن تتخذ الحكومة خطوات استباقية صارمة لضمان عدم تكرار “الترهل الإداري” مستقبلاً، مؤكداً أن العبرة لا تكمن فقط في تقليص العدد الحالي، بل في إصلاح جذري ومعايير دقيقة وشفافة للتوظيف في الخدمة المدنية، تمنع تكدس الوظائف غير الضرورية، وتضمن كفاءة أداء مؤسسات الدولة، بعد العودة إلى العاصمة الخرطوم.
فيما قالت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد” إن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بإغلاق أبواب الرزق أمام الناس، وإنما تبدأ بإعادة تشغيل الطاقات الوطنية، وتوظيف الخبرات، وتحريك عجلة الإنتاج والخدمات.
وأضافت: “لقد كان الأجدر بالحكومة، إن كانت تبحث فعلاً عن إصلاح الخدمة المدنية، أن تتجه نحو مكافحة الترهل الإداري والفساد والازدواج الوظيفي، وأن تطور نظم الإدارة الإلكترونية، وأن تراجع الهياكل التنظيمية، وأن تعيد توزيع القوى العاملة وفق الاحتياجات الفعلية، بدلاً من اللجوء إلى وصفة سهلة عنوانها التخلّص من الموظفين”.
وأكدت المصادر أن الدول الخارجة من الحروب تحتاج إلى توسيع فرص العمل لا إلى تقليصها، وتحتاج إلى استيعاب الخبرات لا إلى طردها، وتحتاج إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي لا إلى إنتاج موجات جديدة من القلق والإحباط، ولهذا فإن أي قرار يتعلق بمصير عشرات الآلاف من العاملين يجب ألا يُتخذ خلف الأبواب المغلقة، بل ينبغي أن يُعرض بشفافية كاملة على الرأي العام، وأن يخضع لحوار وطني واسع تشارك فيه النقابات والخبراء والقانونيون والاقتصاديون ومنظمات المجتمع المدني.


