“إسرائيل”: الاستنزاف والتحرير 2000 – 2026

ناصر قنديل

رئيس تحرير جريدة البناء – نائب لبناني سابق

  • لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار عام 2000 نتيجة هزيمة عسكرية تقليدية أو معركة فاصلة فرضت على إسرائيل الاستسلام، بل جاء نتيجة تراكم استنزاف طويل امتد سنوات، نجحت المقاومة خلاله في تحويل الوجود الإسرائيلي في الشريط الحدودي من مكسب أمني إلى عبء سياسي وعسكري وأخلاقي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. وما يجعل المقارنة مع ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني جديرة بالاهتمام، حيث أن الأسئلة التي بدأت تُطرح داخل إسرائيل عام 1998 و1999 عادت للظهور مجدداً في عام 2026، لكن بعد أشهر قليلة فقط من الحرب.
  • بين عامي 1997 و2000 شهد الشريط المحتل تصاعداً مستمراً في وتيرة عمليات المقاومة. ففي حين بلغ متوسط العمليات اليومية نحو عمليتين في عام 1997، ارتفع إلى أكثر من أربع عمليات يومياً عشية الانسحاب. ومع كل عملية كانت الخسائر البشرية والعسكرية تتراكم، بينما كانت صورة “الجيش الذي لا يُقهر” تتعرض للتآكل المتواصل. وفي المقابل كانت إسرائيل عاجزة عن تقديم إجابة مقنعة لسؤال بسيط: ما الذي يبرر استمرار سقوط الجنود في جنوب لبنان؟

جدول (1)

مؤشرات الاستنزاف قبل الانسحاب عام 2000

السنة

القتلى

الجرحى

العمليات السنوية

المعدل اليومي

الآليات المستهدفة

1997

39

140-180

840

2.3

20-30

1998

21

70-100

1200

3.3

30-40

1999

11

40-60

1500

4.1

40-60

2000 (حتى الانسحاب)

6-8

20-40

700

4.7

20-30

  • هذه الأرقام وحدها لا تفسر الانسحاب. العامل الحاسم كان التحول السياسي والإعلامي. ففي البداية كان الحديث يدور حول ضرورة البقاء في الشريط الأمني لحماية مستوطنات الشمال. ثم بدأت الصحافة تتحدث عن “المستنقع اللبناني”، وظهرت حركة “الأمهات الأربع”، وتحوّل السؤال من كيفية إدارة الاحتلال إلى كيفية إنهائه. وعندما خاض إيهود باراك انتخابات 1999 تحت شعار الانسحاب من لبنان خلال سنة واحدة، كان يعبر عن مزاج إسرائيلي آخذ في الاتساع، لا عن موقف شخصي فقط.
  • اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن، يبدو أن بعض عناصر المشهد تعود بصورة مختلفة. فالحرب التي بدأت في آذار 2026 أنتجت خلال أشهر قليلة مستوى من العمليات و الاستهدافات يفوق بكثير ما عرفته سنوات الاستنزاف الأخيرة قبل الانسحاب. وحسب البيانات المعلنة من المقاومة، تراوح عدد العمليات بين 700 و1000 عملية خلال بضعة أشهر فقط، فيما بلغ عدد الآليات العسكرية المستهدفة بين 150 و250 آلية، بينها عشرات دبابات الميركافا و المدرعات والجرافات الهندسية. أما على المستوى البشري، فقد أظهرت بيانات المستشفيات ووزارة الصحة الإسرائيلية أرقاماً أعلى بكثير من تلك التي تنشرها المؤسسة العسكرية، مع تسجيل أكثر من ألف إصابة مرتبطة بالجبهة الشمالية خلال فترة قصيرة، فيما تراوحت التقديرات المتداولة بين 700 و1000 إصابة شهرياً في بعض مراحل الحرب.

جدول (2)

مؤشرات الحرب الحالية 2026

الشهر

الإصابات

العمليات

المعدل اليومي

الآليات المستهدفة

آذار 2026

700-1000

250-320

8-10

50-70

نيسان 2026

500-800

180-250

6-8

35-55

أيار 2026

700-1000

250-350

8-11

50-80

حزيران 2026

500-700

200-300

7-10

30-50

  • لكن الأهم من الأرقام هو التحول الذي بدأ يظهر في الخطاب الإسرائيلي. ففي آذار كان الحديث يدور حول إقامة منطقة أمنية دائمة جنوب الليطاني ومنع عودة السكان وفرض واقع جديد بالقوة العسكرية. أما بعد أشهر قليلة، فقد بدأت المؤسسة الأمنية نفسها تطرح أسئلة مختلفة. حيث ركز رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تمير هايمان على ما سماه غياب الهدف السياسي للحرب، متسائلاً عن طبيعة الواقع الذي تريد إسرائيل الوصول إليه، وكيف يمكن إعادة سكان الشمال من دون تسوية سياسية. أما عاموس يدلين، الرئيس الأسبق للشعبة نفسها، فحذر من أن الطائرات المسيّرة و الترسانة الصاروخية للمقاومة فرضت قيوداً غير مسبوقة على سلاح الجو، وأن الجبهة الشمالية تتحول إلى مأزق عملياتي متزايد التعقيد.
  • هنا تكمن المقارنة الأكثر أهمية. ففي أواخر التسعينيات لم يبدأ الجدل الإسرائيلي حول جدوى البقاء إلا بعد سنوات من الاستنزاف. أما في عام 2026 فقد ظهرت أسئلة مشابهة بعد أشهر فقط. صحيح أن إسرائيل لا تزال بعيدة عن لحظة اتخاذ قرار يشبه قرار الانسحاب عام 2000، وصحيح أيضاً أن القيادة الإسرائيلية تعتبر أن المعركة الحالية مرتبطة بمستقبل الجليل كله لا بمجرد شريط حدودي ضيق، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن لغة النقاش بدأت تتغير.
  • الصحافة الإسرائيلية عادت تتحدث عن “الاستنزاف” و”الشريط الأمني” و”المستنقع”، بينما عاد السؤال القديم ليظهر بصيغة جديدة: ما الهدف السياسي النهائي من البقاء؟ وإلى متى يمكن مواصلة هذا البقاء؟ وما الكلفة التي يستطيع المجتمع الإسرائيلي تحملها؟
  • لقد احتاجت إسرائيل بين 1997 و2000 إلى أربع سنوات كي تنتقل من جدل البقاء إلى جدل الانسحاب. أما حرب 2026 فقد أعادت خلال أشهر قليلة فقط إنتاج الأسئلة نفسها. وربما يكون هذا هو المؤشر الأهم: ليس حجم الخسائر وحده، بل سرعة انتقال النقاش الإسرائيلي من الحديث عن النصر إلى البحث عن معنى هذا النصر وحدوده وأثمانه.وفي نهاية المطاف، لم تكن مشكلة إسرائيل عام 2000 أنها عجزت عن القتال، بل أنها لم تعد تعرف لماذا تقاتل. وهذا هو السؤال الذي بدأ يطل برأسه مجدداً في نقاشات عام 2026.

(البناء)

للانضمام إلى خدمة حرمون 1 واتس:

https://chat.whatsapp.com/BAH6v2du3s3BgXoZoV8ViH