
مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، يومها السابع عشر (16 مارس 2026)، لم تعد أصوات المدافع هي الوحيدة المهيمنة على المشهد؛ إذ تحول الصراع إلى «حرب اقتصادية شاملة» ضربت مفاصل سلاسل الإمداد العالمية. وترصد الصحافة العربية اليوم (الشرق الأوسط، رأي اليوم، الاهرام وغيرها) مشهداً قاتماً يضع الاقتصاد العالمي بين فكي “صدمة قصيرة الأمد” أو “ركود عالمي شامل” في حال تجاوز النزاع حاجز الشهر الواحد.
سوق النفط.. ارتفاع تاريخي وتهديد بـ«صدمة 1973 جديدة»
شهدت أسواق الطاقة قفزات جنونية، حيث حلق سعر برميل “برنت” عالياً ليصل إلى 178 دولاراً بعد أن كان في حدود 72 دولاراً قبل اندلاع الشرارة الأولى، فيما قفز خام غرب تكساس إلى 172 دولاراً.
ويعود هذا الانفجار السعري إلى التهديدات الإيرانية المستمرة بإغلاق مضيق هرمز، الشريان الذي يتدفق عبره 21% من تجارة النفط العالمية. ورغم أن الإغلاق لم يكتمل كلياً بعد، إلا أن الهجمات الصاروخية على ناقلات نفط سعودية وإماراتية تسببت في شلل مؤقت لـ 12% من الشحنات.
ويحذر خبراء عبر صحيفة «الشرق الأوسط» من أن إغلاقاً كاملاً للمضيق لمدة أسبوع واحد كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات 250 دولاراً، مما يضيف عبئاً قدره 1.8 تريليون دولار إلى فاتورة الطاقة العالمية سنوياً.
الملاحة والتجارة.. «حرب التأمين» وارتفاع التكاليف
انتقلت المعركة إلى قطاع التأمين البحري، حيث تضاعفت الأقساط على السفن العابرة للخليج بنسبة 1200%، لترتفع من 0.1% إلى 1.2% من قيمة البضائع، وهو ما انعكس طرداً على تكلفة شحن البرميل الواحد التي قفزت من 1.8 دولار إلى 9.4 دولار.
وبحسب «القدس العربي»، اضطرت 38 ناقلة لتغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف 14 يوماً للرحلة وتكاليف إضافية بلغت 4.2 مليار دولار أسبوعياً.
ولم تكن أسواق الغاز بمنأى عن ذلك؛ إذ خفضت قطر تصديرها بنسبة 18% خشية استهداف الحقول، مما رفع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 47% لتصل إلى 28 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية.
الاقتصاد الإيراني.. صمود باهظ الثمن
رغم القصف المكثف الذي طال نحو 3000 هدف حيوي، بما في ذلك المصافي والموانئ، أظهرت طهران “صموداً اقتصادياً” قسرياً، حيث حافظت على 65% من إنتاجها النفطي عبر شبكة “نفط الظلام” المصدر للصين والهند.
ومع ذلك، تبقى التكلفة الداخلية قاسية؛ فقد انهار الريال الإيراني بنسبة 41%، مع توقعات ببلوغ التضخم حاجز 68% خلال العام الجاري.
وتقدر خسائر طهران المادية المباشرة بنحو 47 مليار دولار، رغم أن القفزة الكبيرة في أسعار النفط (بزيادة إيرادات بلغت 210%) وفرت لها سيولة ضخمة لتمويل المجهود الحربي وحلفائها في المنطقة.
الاقتصادات الخليجية والعربية.. مأزق مزدوج
تواجه المنطقة العربية مفارقة اقتصادية حادة؛ فبينما استفادت الدول المصدرة من ارتفاع الأسعار، التهمت التكاليف اللوجستية وتأمين الناقلات نحو 22% من تلك المكاسب.
وخفض البنك الدولي توقعات النمو للسعودية إلى 1.8%، بينما تكبدت الإمارات خسائر في قطاعي السياحة والطيران بلغت 3.4 مليار دولار.
أما الدول المستوردة مثل مصر والأردن، فتعيش كابوساً اقتصادياً مع ارتفاع فاتورة الطاقة بنسبة 62%، مما يهدد بتضخم يصل إلى 19% ويهز استقرار أسعار الخلع والوقود، وسط تحذيرات بأن الدول العربية تدفع ضريبة حرب لم تختر الانخراط فيها.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.. تكاليف عسكرية وتضخم
على الجانب الآخر من المحيط، لم تكن واشنطن وحلفاؤها بمعزل عن الشظايا الاقتصادية؛ إذ بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية حتى الآن 11.4 مليار دولار.
وتسبب ارتفاع أسعار الطاقة في قفزة للتضخم الأمريكي ليصل إلى 4.8%، بينما لم تكن الأسواق المالية أوفر حظاً، حيث فقد مؤشر “داو جونز” 9.7% من قيمته، و”ناسداك” 11.4% منذ بدء العمليات، مما يعكس حالة القلق العميق لدى المستثمرين من تداعيات الانخراط العسكري المباشر.
الخلاصة والسيناريوهات المستقبلية
يقف العالم اليوم أمام مسارين: إما سيناريو قصير ينتهي بتوقف الحرب خلال أسبوعين، مما قد يحد من الأضرار؛ أو سيناريو طويل يمتد لشهرين فأكثر، يتخلله إغلاق كامل لمضيق هرمز وحرب استنزاف طاحنة، وهو ما قد يؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 2.8%، أو ما يوصف بـ «كارثة 1973 مضاعفة بثلاث مرات».
تتجه الأنظار الآن إلى الرياض، حيث يعقد “أوبك+” اجتماعاً طارئاً غداً؛ فهل ستنجح القوى النفطية في تهدئة الأسعار عبر زيادة الإنتاج، أم أن المعركة ستستمر لتتحول من مواجهة عسكرية إلى معركة مفتوحة على جيوب سكان الكوكب أجمع؟
البوابة نيوز


