الدكتور سليم إبراهيم الحَسَنيّة
(أستاذ خبير في علوم الإدارة والإبداع، متقاعد من جامعة دمشق)
تمهيد
تُعدّ رواية «عزازيل» (2008)، للباحث والمفكّر المصري يوسف زيدان، من أبرز الروايات الفكرية العربية في العقود الأخيرة، لما أثارته من جدل واسع لم يكن أدبيًا فحسب، بل دينيًا وفلسفيًا وسياسيًا وتاريخيًا. فالرواية لا تُقرأ بوصفها عملًا سرديًا تقليديًا، بل باعتبارها نصًا كاشفًا يُعيد مساءلة العلاقة المعقّدة بين الدين والسلطة، والعقيدة والسياسة، والإيمان والهيمنة.
عزازيل: صوت العقل في مواجهة الصمت المفروض
يظهر «عزازيل» منذ بداية الرواية كقوة تدفع نحو البوح بالكلام والفكر المكتوم، لا باعتباره شيطانًا ميتافيزيقيًا، بل بوصفه صوت العقل الذي يرفض الصمت المفروض سلطويًا. فالصمت، في هذا السياق، يتحول إلى خطيئة حين يكون خوفًا لا تقوى، وخضوعًا لا إيمانًا.
أما الراهب «هيبا»، الراوي والشخصية المحورية، فيمثّل نموذجًا أدبيًا كثيف الدلالة لاستكشاف كيفية استعمار السلطة للدين من أجل تنفيذ سياساتها وتوجيه السرد الديني بعيدًا عن جوهره الروحي نحو وظيفة سياسية أيديولوجية. ومن خلال مواقفه وتجاربه الفكرية والروحية؛ يظهر في الرواية كيف يمكن للسلطة الدينية أن تحوّل الإيمان إلى أداة لتحقيق النفوذ والسيطرة، بعيدًا عن جوهر الدين الروحي، ويمثل مرآة للصراع بين الإيمان النقي واستبداد السلطة. يعترف هيبا بأن صمته الطويل كان مشاركة غير مباشرة في العنف. هنا تبلغ الرواية ذروة أخلاقية: الحياد أمام الظلم ليس براءة، بل شكل من أشكال التواطؤ.
الإطار التخيّلي: رقوق، ترجمة، ومحاكمة تاريخية
تقوم الرواية، في بنيتها التخيّلية، على سرد حكاية رقوقٍ مكتوبة باللغة السريانية، يُزعم أنها تُرجمت إلى العربية في العصر الحديث، وتتضمن اعترافات راهب مصريّ من القرن الخامس الميلادي يُدعى «هيبا». وقد شكّلت قصة الترجمة المزعومة عنصرًا فنيًا محوريًا؛ إذ منحت النص طابعًا وثائقيًا، أتاح للكاتب أن يتكلم من داخل التاريخ لا من خارجه، وأن يُجري محاكمة فكرية لمرحلة تأسيسيّة في تاريخ المسيحية، دون ادّعاء كتابة تاريخ رسمي أو لاهوت عقائدي.
السؤال الجوهري: من الرسالة إلى أداة للإكراه
غير أن أهميّة «عزازيل» لا تكمن في تفاصيلها التاريخية بقدر ما تكمن في سؤالها الجوهري:
كيف تحوّل الدين، في لحظات معينة من التاريخ، من رسالة روحية أخلاقية إلى أداة صراع سياسي، ومن دعوة إلى الإيمان الحر إلى منظومة إكراه وقمع باسم الله؟
تكشف الرواية، عبر مسار الراوي وتحوّلاته النفسيّة والفكرية، كيف أن السياسة حين تستعمر الدين لا تُلغيه، بل تُفرغه من جوهره، وتحتفظ بقوته الرمزية لتوظيفه في الفعل السياسيّ. فالدين، حين يُستَعمل ويُستَعمَر من قِبل السلطة، يصبح وسيلة لإنتاج الطاعة، وإضفاء الشرعية على ممارساتها، ولا سيما العنيفة منها، وتقديس قرارات بشرية تُقدَّم بوصفها «حقائق إلهية» لا تقبل النقاش. وهكذا تُختزل العقيدة في شعارات، وتُحوَّل الخلافات الفكرية إلى جرائم، ويُشيطَن العقل تحت مسمّى الهرطقة أو الفتنة، كما توضح الشواهد الآتية.
شواهد تاريخيّة: حين يُقتل العقل باسم المقدّس
زكريا بن يهويا داع: قُتل العدل في الهيكل
كما يرد في التراث اليهودي مثال مقتل زكريا بن يهويا داع، المذكور في سفر أخبار الأيام الثاني (24:20–21)، الذي قُتل داخل الهيكل، رجماً بالحجارة، في القرن الثامن قبل الميلاد، لا لأنه لا يؤمن؛ بل لأنه واجه الملك والكهنة وذكّرهم بالعدل. تمثل هذه الحادثة مثالًا مبكرًا على تصفية صوت الحق حين يُختزل الدين في خدمة السلطة.
هيباتيا: اغتيال الفلسفة باسم الإيمان
تتجسّد هذه الآلية بوضوح في اغتيال فيلسوفة زمانها هيباتيا الاسكندرية، عالمة الرياضيات والفلسفة (قُتلت سحلاً عام 415 م.). حين يُقتل العقل الفلسفي في الإسكندرية باسم الغيرة على الإيمان. لم تُستهدف هيباتيا لأنها أفسدت الناس، بل لأنها فكّرت وعلّمت وفتحت باب السؤال في زمن تحالف فيه اللاهوت مع السلطة.
إبن المقفّع: تصفية العقل النقدي في التاريخ الإسلامي
لا يقتصر هذا المسار القمعي على السياق المسيحي؛ فالتاريخ الإسلامي عرف بدوره نماذج مشابهة، من أبرزها مقتل عبد الله بن المقفّع (حوالي 757م)، أحد أعلام الفكر والترجمة والنقد العقلي. لم يُستهدف لعدائه للدين، بل لمُساءلته السلطة ونقده للاستبداد السياسي. وتشير الروايات التاريخيّة، مع اختلافها في التفاصيل، إلى أنه لقي عقوبة قاسية (تقطيع أوصاله وشويها في الفرن) ذات طابع سياسي أُلبست غطاءً دينيًا.
من جاليلو إلى آلان تورنج: أشكال حديثة للقمع الفكري
في العصر الحديث، اُستدعي العالم الكوني جاليلو جاليلي (عام 1633 م) أمام محاكم التفتيش، وهو في السبعين من عمره. فأُجبر، تحت التعذيب، على التراجع العلني عن الحقيقة العلميّة لنظريته بمركزية الشمس، والاعتراف بأنها هرطقة. ظهر بطش السلطة الدينيّة حين رأت في إثباته لمركزية الشمس تهديدًا لاحتكارها للمعرفة وتفسير الكون. وقضى بقية حياته في سجن الإقامة الجبرية.
وفي منتصف القرن العشرين، تعرّض المهندس البريطاني آلان تورنج، أحد مؤسسي علم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، لما يمكن وصفه بـ«اغتيال مدني» باسم القوانين الأخلاقية السائدة. فبدلاً من تكريمه، خضع لمحاكمة مهينة وخُيّر بين السجن أو الإخصاء الكيميائي، ما أدى إلى تحطيمه نفسيًا وانتهى بانتحاره عام 1954. تُظهر هذه القصة كيف يمكن للدولة الحديثة أن تستخدم قناع الأخلاق والقانون لتصفية العقول التي تخرج عن النمط المفروض. هذه الحالة كانت “تصفية للهوية الإنسانية” قبل أن تكون تصفية للجسد، وهذا يتشابه مع محاولة السلطة في الرواية تصفية هوية “هيبا” الروحية.
إن السلطة عبر التاريخ، سواء كانت ملكيّة كما في حالة زكريا بن يهويا داع، أو ثيوقراطية كما في حالتي هيباتيا وجاليلو، أو سلطانية كما في حالة ابن المقفع، أو مدنية كما في حالة تورنج، قد استخدمت الدين أو الأخلاق أو الفوضى كأداة تصفية فعالة. ليس دفاعاً عن الإله، بل دفاعاً عن شرعيتها السلطوية والسياسية التي تخشى من أي “رأي تنويري” قد يحرر عقول الجماهير من التبعية المطلقة.
الدين حين يتحرر من السلطة: نماذج تنويريّة
هذا التغوّل للسلطة على العقول يقابله في التاريخ نماذج مضيئة حاولت فصل المسارين، كما نجد في مدرسة أنطاكية. فقد أظهرت رواية «عزازيل» – ولا سيما من خلال نماذج مثل مدرسة أنطاكية – أن الدين حين يكون مستقلاً عن السلطة السياسيّة، يصبح أكثر رحابة وانفتاحًا على السؤال والتفكير والمحاكمة العقلية. فالإيمان، في هذه الحالة، لا يقوم على القهر، بل على الاقتناع، ولا يحتاج إلى سيفٍ يحميه، لأنه يستند إلى الضمير الإنسانيّ الحر.
وقد عرف التاريخ الإسلاميّ لحظات تنويرية مماثلة في مدرسة المعتزلة التي أعْلَت من شأن العقل، وفي قرطبة إبن رشد التي حاولت التوفيق بين الفلسفة والإيمان. لكن هذه الواحات كانت دائماً تُحاصَر من تحالف السلطة السياسية مع الانغلاق الفكري، ليبقى السؤال قائماً: لماذا يخشى المستبد من العقل المستقل؟”.
الدلالة الإنسانية والرسالية
تنطوي هذه الرؤية على دلالة إنسانية ودينية عميقة، تتجاوز السياق المسيحي للرواية، لتلامس جوهر الرسالات السماوية جميعًا. فالله – كما تفهمه الرواية ضمنيًا، وكما تقرّره النصوص الدينية الكبرى – لم يُفوّض أحدًا لإكراه الناس على الإيمان، ولا لفرض الطقوس بالقوة، ولا لتحويل العلاقة بين الإنسان وربّه إلى علاقة مراقبة وعقاب دنيوي. بل كان دور الرسل، في جوهره، بلاغًا مبيناً، ودعوة حسنة.
الدعوة إلى توحيد الله وعبادته طواعيّة، والسير في طريق أخلاقي يحقق كرامة الإنسان في الدنيا، ويمنحه أفق الرجاء في الآخرة الحسنة. وهو ما ينسجم بوضوح مع المعنى القرآني الحاسم: ﴿لا إكراه في الدين﴾.
خلاصة: بين الإيمان والطاعة
من هذا المنظور، لا تقف «عزازيل» ضد الدين، بل ضدّ تسييسه، ولا تنتصر للشك بوصفه نفيًا للإيمان، بل بوصفه أداة مقاومة ضد احتكار الحقيقة. إنها رواية عن الإنسان حين يُطالَب بأن يختار بين الطاعة العمياء وصدق الضمير، وعن الدين حين يُستعاد من قبضة السلطة ليعود رسالةً للحرية والمعنى.
في نهاية الرواية، يصل الراهب «هيبا» إلى قناعة فاصلة: المشكلة ليست في الدين بحدّ ذاته، بل في من احتكره وصادر حق الآخرين في فهمه. فالدين، حين يتحرر من السياسة، يصبح مجالًا للرحمة والعقل؛ وحين تستعمره السلطة، يتحول إلى أداة قمع باسم المقدّس.
إن تصفية الجسد الذي يحمل العقل والفكر، لا تجدي نفعاً، يفضل قوة “الكلمة” التي لا تموت بموت صاحبها.
المراجع المختارة
- يوسف زيدان، عزازيل، دار الشروق، القاهرة، 2008.
- أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 24: 20–21.
- Encyclopaedia Britannica، مدخل: Hypatia of Alexandria.
- Encyclopaedia Britannica،: Ibn al-Muqaffaʿ.
- Stillman Drake, Galileo at Work, University of Chicago Press.
- Andrew Hodges, Alan Turing: The Enigma, Princeton University Press.
- Talal Asad, Formations of the Secular, Stanford University Press.
















