البروفسور تيسير عبَّاس حميَّة
في لحظاتٍ مفصلية من تاريخ هذا الوطن، اختارت المقاومة ما لم يكن مألوفًا في منطق الصراعات: اختارت العفو عن العملاء وعن كل لبناني وقف ضدها حين كان الانتقام سهلًا،
واختارت ستر الجراح بدل تعميقها.
منذ وجودها وحتى اليوم مروراً بالأعوام 2000 و 2006 و 2014 و 2019، وفي محطات أخرى، كان في مقدورها أن تحاكم، أن تُقصي، أن تُدين، لكنها آثرت أن تقول:
اذهبوا فأنتم الطلقاء….
لا ضعفًا، بل إيمانًا بأن الإنسان قد يعود إلى إنسانيته، وبأن الوطن يتّسع حتى لمن أساء إليه.
سُلِّم بعض المتورطين إلى الدولة، فطُويت الملفات، وأُغلقت السجون، وغابت المحاكمات.
قيل يومها إن الصفحة طُويت، وإن الزمن كفيل بإصلاح ما أفسدته الخيانة.
لكن الزمن، للأسف، كشف شيئًا آخر….
فإذا بمن عُفي عنهم، يتآمرون.
وإذا بمن غُفرت أخطاؤهم، يطعنون من عفا عنهم.
وإذا بمن فُتحت لهم أبواب الحياة من جديد، يفتحون الأبواب ذاتها لرياحٍ سوداء تهبّ على بيوت الأبرياء، وعلى بيئةٍ صبرت، وعلى شعبٍ دفع من دمه وأطفاله وأحلامه.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟؟؟؟!!!
أن تُقابل الأخلاق بالغدر، وأن يُجابَه العفو بالتحريض، وأن يتحول التسامح إلى فرصةٍ لشرعنة القتل والحصار والتجويع والتدمير…
أيُّ منطقٍ يجعل بعض أهل السلطة يقفون في موقعٍ يعادي شعبهم، فيمنعون إعادة الإعمار ويمنعون مساعدة الدول الصديقة ويفرضون نزع السلاح ويحاربون بيئة المقاومة بقوانين جائرة ويبرّرون للعدو قتل الأبناء والنساء والشيوخ، فقط إرضاءً لقوى خارجية لا ترى في لبنان إلا ورقة ضغط أو ساحة تصفية حسابات؟
المقاومة لم تكن يومًا مشروع كراهية، بل مشروع حماية في وقت عجزت الدولة فيه عن حماية الشعب والدفاع عنه.
لم تبنِ المقاومة شرعيتها على الدم، بل على الدفاع عن الإنسان والأرض والكرامة…
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة:
ماذا نفعل حين يصبح العفو وقودًا للغدر؟!!!…
وحين يتحوّل التسامح إلى سكينٍ في خاصرة من سامح؟!!!
ليس في هذا العالم ما هو أقسى من إنسانٍ خان من حماه، وتآمر على من عفا عنه، واصطفّ مع من يقتل أبناء وطنه ويدمر بيوتهم وممتلكاتهم….
فالقسوة الحقيقية ليست في الرصاص، بل في انعدام الضمير.
وليست في الحرب، بل في خيانة الإنسانية نفسها…
16 كانون الثاني 2026


















