*الناقد الحقيقيّ هو مَن يوجّه نقده للنص المكتوب دون أن يتأثر بمن كتبه سلباً أو إيجاباً، وعليه أن يكون بحالة نفسية هادئة دون تشنّج عند متابعته لنص نقديّ، فالحالة النفسية للناقد تنعكس سلباً أو إيجاباً على موضوع النقد فيخرج مشوّها.
*قامت السلطة الحاكمة بإتلاف آلاف الكتب والروايات والدواوين في مخازن وزارة الثقافة السورية، وتلك مصيبة أعادتنا لحرق إبن الخطاب لمكتبة الإسكندرية.
*الذكرى المئوية الأولى للثورة السورية مناسبة تستحق الاهتمام، فكان منها إصدار مجموعة كتب منها كتابي (الشعر الفصيح في كتاب ذاكرة الثورة).
تقديم هاني سليمان الحلبي
مطلع العام الماضي (2025) أعلنت إدارة منصة حرمون عن برنامج “مقابلات 2025-2026” في مواكبة لمئوية الثورة السورية الكبرى، وزاد البرنامج غنًى بالتوأمة التي انعقدت مع مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، في السويداء، منذ سنتين، لمواكبة هذه المئوية التي تأبى إلا أن تعمّدها الدماء والنار، لتأكيد طابعها وهويتها القوميّة والوطنيّة، وجسامة ضريبتها وقيمة مكانتها، وأجريت عشرات المقابلات في سياق هذه الخطة التي سيكون لها إنْ شاء الله حظٌّ بالنشرٍ في كتاب مستقل.
هذه المقابلة مع قاص وروائي وشاعر وناقد مخضرم في التعليم والبحث واللغة والميدان، تكوّنت سيرته المعطاء من حياة واحدة بين شعب واحد في بلدين تصرّ حكوماتهما أن تتعاملا معهما كعلبتين مقفلتين تقنن هواء الحياة للشعب فيهما، وفق ما تريان فيه مصلحتهما أو ما يفرض عليهما من قوى كاسرة.
بين لبنان وسورية عمل الضيف الكريم في تعليم الأدب العربي ومنه انطلق إلى الكتابة والبحث والتأليف والنشر، فنافت منشوراته على ألف وقارب عدد كتبه أصابع اليدين تموسق فيها جموح الشعر مع حبكة الرواية ودهشة القصة وسبر العمق في البحث بين تلافيف ذاكرة الثورة تدقيقاً، وحلكة ليل المعري بصيرة رائية. وفي جلجلة الكلمة ومعراجها المكتوب لن يكون جديده “الشعر الفصيح في ذاكرة الثورة” مسك الختام.
الشاعر الروائي القاص الباحث عادل نايف البعيني صيف منصة حرمون، في هذه المساحة اللطيفة من الحوار والتواصل من القلب للقلب، من قلب الكاتب عبر قلب حرمون إلى قلوب المتابعين الأوفياء..
لقاء قيّم وثمين جدير ببذل الوقت الثمين والقراءة وقطف ما فيه من قيمة ومعنًى..
إعداد وتنسيق ميساء عبدالله أبو عاصي
استضاف موقع حرمون الكاتب الباحث عادل البعيني، فاستهلّ التعريف عن نفسه وعن سيرته الغنية، فقال: بداية أتقدّم بالشكر الجزيل لموقع حرمون الأصيل، والكادر الفني القائم على تسيير أموره بهذه الأناقة والروعة، وأشكرهم على تلك على المبادرة الفريدة في إشهار أعمال الكتّاب وإنتاجهم الأدبي، وهذه غيرة أدبية يُشكرون عليها.
وعن سيرته الأدبية عرّف عن نفسه بأنه “شاعر قاص ناقد، سوري لبناني يحمل الجنسيتين السورية واللبنانية. حزتُ على إجازة في الأدب العربي من جامعة دمشق 1977 م. ودبلوم تأهيل تربويّ عام 1987 م.، عملتُ مدرّسا أوّل في مادة اللغة العربية وآدابها في إعداديات وثانويات سورية منذ عام 1970م. ولغاية عام 1992 م.، حيث انتقل بعدها للتدريس في لبنان واستمر بالتدريس لغاية عام 2006 م.، نشرتُ أكثر من ألفٍ من المنشورات الأدبية والشعرية والاجتماعية في صحف ومحلات لبنانية وسورية وعربية. وتم تكريمي عن إنجازات في كافة المجالات الأدبية والاجتماعية ووقفتُ على المنابر اللبنانية والسورية خطيباً وشاعراً وقاصّاً”.
وتابع: “صدر لي:
1- ديوان شعر “همسٌ فوقَ ضفاف النور ” 2003 صادر عن مطابع اتحاد الكتاب العرب.
2- كتاب لغوي “المعين في إعراب الأدوات” صادر عن دار المناهل بيروت 2004، وطبعة ثانية دار البلد سورية 2018.
3- كتاب لغويّ “المعين في الإنشاء والتعبير” صادر عن دار المناهل بيروت 2005.
4 – ديوان شعر بعنوان “أحلام وأشواك” صادر عن دار الجبل 2007.
5- ديوان شعر بعنوان “أوعية الذاكرة” صادر عن دار سَمرقند عام 2009.
6- كتاب في النقد الأدبي بعنوان “ليل المعرّي” صادر عن دار البلد عام 2015.
٧- ديوان شعر “النهر يقطر من فمي” صادر عن دار ليندا للطباعة والنشر عام 2011 م.
٨ – مجموعة قصصيّة بعنوان “القرنفلة البيضاء” صادرة عن دار البلد عام 2020 م.
٩ – كتاب نقدي بعنوان “المعرّي طاغور الخيام.. توافق واختلاف””.
وحول “العوائق التي اعترضت بناء هويّة الضيف العمليّة والعلميّة وكيف تعامل معها”، قال: لا أرى أنّ هناك عوائق تعترض بناء الهويّة الأدبيّة لكاتب ما، سواء من الناحية العلميّة أو العمليّة، وأعتقد بأنّ الجانب المادي قد يكون عائقاً أمام قدرة الكاتب على نشر وطباعة ما تجود به قريحته، وربما تنعكس سلباً على متابعته العطاء.
وعن “كيف يرى تأثير الثقافة السورية واللبنانية على أعماله الأدبية؟ وهل هناك فرق بينهما في نظره؟”، رأى أن “الثقافة في الدول العربية واحدة لا فرق بينها، ولا توجد ثقافة لبنانية أو سورية أو حتى فرنسية، الثقافة تنشأ مع الفرد تأثراً بالمحيط والبيئة، ومن ثم تنتشر عبر التواصل الفكريّ من خلال الكتب أو القصص أو الدواوين الشعرية، وكلّ كاتب إبن بيئته ومحيطه. أنا شخصيّاً تأثّرت بالمحيطين اللبنانيّ والسوريّ، حيث أمضيتُ في لبنان مدرّساً للأدب العربي ستة عشر عاماً، وهناك أصدرت كتابين عن دار المناهل، وديوانين من الشعر. ولا شكّ في أنه حدث تلاقح ثقافيّ بين الثقافتين السورية واللبنانية”.
وحول تنوّع المواضيع في دواوينه الشعرية مثل “همسٌ فوقَ ضفاف النور” و”أوعية الذاكرة”، وهل تكتب الشعر حسب المزاج، أم تشغله موضوعات
أساسية؟”، أجاب بأن “الشاعر مرآةُ واقعِهِ وبيئته، وينعكس عليه ما يجري أمامه من وقائع، فيترجمها شعراً، والشاعر الحقيقيّ هو مَن يعكس وقائع حياة مجتمعه بدقة وموضوعيّة، والتنوّع صفة أصيلة لكلّ شاعر، وهي صورة تعبّر عن أسلوبه، مع ذلك هناك من الشعراء مَنْ يلتزمون قضايا معينة في حياتهم الاجتماعيّة والوطنية، فيركزون عليها، فيندرج عملهم في نوع الأدب الملتزم كشعراء الأرض المحتلة، وهناك مَن يلتزم شعر الغزل، أو الرثاء، أما أنا فلم ألتزم بجانب واحد من الحياة، أنما حاولت التعبير بشعري عن غالبية جوانب الحياة.
وعن واقع الشعر اليوم في العالم العربي هل فقد مكانته التقليديّة أمام الأشكال الأدبية الرديفة؟”، قال: الأدب يمرّ بمراحل عدة، فالشعر احتلّ لفترة طويلة صدارة الأنواع الأدبية، حتى جاءت مرحلة ضجر الشعراء فيها من القيود العروضيّة للشعر، فاتجهوا لتحديثه عبر قصيدة التفعيلة، فقصيدة النثر، فقصائد الومضة، وكلّها أنواع حاولت أن تعيد للشعر صدارته، إلا أنها لم تنجح مع احتلال الرواية صدارة الأنواع الأدبيّة، فتبوّأت عرش الأدب ليتنحّى الشعر جانباً، لكنّه ظل له وهجه، وأنصاره ومتابعوه.
وبخصوص الدور التغييري للأدب والكتابة وهل هو مرآة أو منارة؟، شدد البعيني على أن الأدب هو أداة للتغيير الاجتماعي، وهو مرآة للواقع والمحيط، وبما أنه كذلك فلا شك في أنه سيكون له تأثيره الواضح والمغيّر في المجتمعات، وعلى ذلك سيبقى الأدب أداة من أدوات التغيير الاجتماعي للأبد، لهذا نجد أنّ الكثيرين من الحكام المستبدّين يخافون من تأثير الأدب الثوريّ عليهم فيبادرون لتحجيم الأدب بتكميم الأفواه، وملاحقة الكتّاب، كما يحدث في سورية اليوم. حيث قامت السلطة الحاكمة بإتلاف آلاف الكتب والروايات والدواوين في مخازن وزارة الثقافة السورية، وتلك مصيبة أعادتنا لحرق إبن الخطاب لمكتبة الإسكندرية.
وجواباً على سؤال عن معايير النقد المعتمدة هل هي معايير علمية وموضوعية او انطباع ذاتي وجداني؟ وكيف يرى واقع النقد الأدبي المعاصر؟”، أكد أن النقد الأدبي علم قائم بحد ذاته، وهناك مدارس نقديّة متنوّعة، والناقد الناجح هو الذي يتجرّد عن أناه، ويتوجّه للنص مباشرة دون أن يلتفت لكاتبه بنظرة شخصيّة، والناقد الحقيقيّ هو مَن يوجّه نقده للنص المكتوب دون أن يتأثر بمن كتبه سلباً أو إيجاباً، وعلى الناقد أن يكون بحالة نفسية هادئة دون تشنّج عند متابعته لنص نقديّ، لأن الحالة النفسية للناقد تنعكس سلباً أو إيجاباً على موضوع النقد فيخرج مشوّها.
ووصف أسلوبه في السرد القصصي في مجموعتين قصصيّتين: “القرنفلة البيضاء” و”غربان ما قبل الفجر”. وما اختلاف الرواية عن الشعر عندك؟”، قال إن السرد هو أسلوب الكاتب في تقديم الأحداث سواء في قصة أو رواية، وهو فن نقل الحكاية عبر الزمن والشخصيّات، وأنواعه تختلف حسب البنية الزمنية (متتابع، متقطع، تناوبي)، أو حسب زاوية الرؤية للسارد، وعليه فإن السرد ليس واحداً سواء في القصة أو الرواية، والقارئ من يمكنه تقييم السرد، ومدى سلاسته وتوصيله للأحداث بصورة مشوّقة. وهناك كثيرون من الأدباء جمعوا بين الشعر والقصة أو الرواية، ولا وجه للمقارنة بين النوعين، فلكل نوع وظيفته الأدبيّة.
وعن دوافع تركيزه في كتابه “ليل المعري”، على شخصيّة المعري السجالية تحديداً من زاوية نقدية وعن قيمته الفكرية والفلسفية”، عرض أنه
بخصوص كتاب ليل المعري، لم يكن مقرّراً أن أدرسه، فقد كنتُ بصدد كتابة كتاب نقديّ كبير بعنوان (الليل في الشعر العربي). فبدأت بجمع أشعار الشعراء العرب عن الليل بدءاً من العصر الجاهلي، وعندما وصلت للعصر العباسي، وبدأت بقراءة شعر المعري ذلك الفيلسوف الكفيف فوجدت في شعر هذا الرجل الأعمى عن الليل ما يُغنيني عن كتابة الليل في الشعر العربي. فأجّلت الكتابة فيه وتوجّهت للمعري فكان أن ولد كتاب ليل المعري وشق طريقه في عالم الأدب النقديّ. وقد اقتصر الكتاب على توظيف الليل في شعر المعرّي، فوظّفَهُ وهو الأعمى بأفضلَ مما وظّفَه الشعراء المبصرون.
وعن كتابه “المعري، طاغور، الخيام: توافق واختلاف”، وما هي رسالة هذا الكتاب، شرح لـ حرمون أن كتابي الأخير (المعري طاغور الخيام) الذي صدر منذ أيام، ليس سوى مقارنة لمواقف الشعراء الفلاسفة الثلاثة من الحياة، وكيف عبّر كل واحد منهم عنها، فاخترتُ كلَّ شاعر من بيئة زمانية وجغرافية مختلفة، أبو العلاء المعري عربي عباسي، عمر الخيام فارسي، طاغور هندي، وتابعت أشعارهم وموقف كلٍّ منهم من أمور الحياة، فجاء الكتاب عبر فصول وكلّ فصل يحمل عنوان موقفٍ من المواقف، فالفصل الأول كان حول (الموقف من الحياة والموت) ثم الموقف من خلود الروح أو التقمّص أو الموقف من الأديان…الخ واستخرجت شواهد شعريّة لكل شاعر تبين موقفه فكان كتاباً مميزاً ولافتاً للانتباه.
وفي ما يعني مشاريعه الأدبية أكد البعيني أنه لا شكّ في أن لديّ الكثير لأنشره بخاصة في مجال الشعر، إنّما الأحداث الدامية التي واكبت حياتنا مؤخّرا، جعلتني أفرمل عجلة المتابعة إلى أن تستقر الأمور، ويتضح توجه المحافظة إلى أين، فما يجري هنا لا يمكن التكهّن بنتائجه أمام الانقسام السياسي الطارئ بين محافظٍ على وحدة سورية، ورفضٍ للتقسيم لها، وبين مَن يطلب الاستقلال ويتوجّه نحو عدوتنا “إسرائيل”.
وحول ما الذي يرغب في بقائه في ذاكرة قرائه عندما يقرؤونه، وما هي رسالته للجيل الجديد من الأدباء، أجاب: رسالتي للجيل الجديد من الأدباء والكتّاب أن يحافظوا على قداسة الأدب، ويعتمدوا على أنفسهم بعيداً عن الذكاء الاصطناعي الذي كما يبدو أخذ يقزّم الأدب الحقيقيّ بتوجّه بعض الكتّاب من ذوي النفوس المريضة، لهذا الحدث التقني وسرقة أفكاره وانتحالها لأنفسهم.
وعن رؤيته لمكانته الأدبية في مشتقبل الأدب، قال ضيفنا: أرى نفسي في مستقبل الأدب أديباً ترك بصمة، ولو ضئيلة، قياساً بغيري، ولكنني راضٍ بما قدّمته، وأرجو للأدب أن يُتابع طريقه، وسيتابع رغم كلّ المعوقات التي قد تعرقل طريقه، بخاصة من أصحاب الأفكار الظلاميّة.
وعن جوابه على سؤال “مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن تطويرها؟”، قال: لقد كان لدينا برنامج غنيّ في الذكرى المئوية سواء من المحاضرات أو العروض المتنوعة، إنما الأحداث الأخيرة في جبل العرب أعاقت العمل. فالذكرى المئوية الأولى للثورة السورية مناسبة تستحق الاهتمام، فكان منها إصدار مجموعة كتب منها كتابي (الشعر الفصيح في كتاب ذاكرة الثورة).
وعلّق في جوابه على سؤال “نشط منذ سنتين معهد سميح للتنمية في إصدار موسوعة ذاكرة الثورة ومن ثم انطلق في رعاية ندوات وإصدارات تغني مكتبة سميح للثقافة في السويداء، وليس آخرها كان كتاب “صفحات من تاريخ جبل حوران” بأقلام 5 باحثين أعلام”، بأنّ للباحث المهندس سميح الجباعي الفضل الأكبر في إطلاق موسوعة ذاكرة الثورة والتي بدأناها معاً من خلال تدقيقي اللغويّ للكتاب، والذي أردفه في ما بعد بسلسلة إصدارات مركز سميح والتي بلغت بحدود عشرة كتب. ولا شك في أني أثمّن عاليًا هذا النشاط وأراه خطوة متقدمة لترسيخ تاريخ الثورة السورية الكبرى.
وحول مضمون أي كلمة أخيرة يختم حواره مع موقع حرمون ويوجّهها عبره، قال: في ختام هذه المقابلة لا يسعني إلا أن أتقدّم بالشكر الجزيل لإدارة موقع ومجلة حرمون، على ما تقوم به من نشاطات أدبية وثقافية، وما تنشره من مقابلات تصبّ في إغناء الأدب ودفعه نحو العلاء ليعود مشرقاً وضاءً كما كان. والشكر أيضاً للأستاذة ميساء أبو عاصي على مجهودها في متابعة نشاطات الأدباء في السويداء.






















