
ازدحام الناقلات في الخليج يعيد رسم خريطة تصدير النفط عبر الفجيرة وصحار
تدفع الاضطرابات المتصاعدة في مضيق هرمز باتجاه إعادة تشكيل الخريطة اللوجستية لتصدير النفط في منطقة الشرق الأوسط، مع تزايد الضغوط على حركة الملاحة وبلوغ قدرات الشحن والخدمات المساندة في خليج عُمان مستويات مرتفعة.
ومع استمرار تكدس الناقلات وتعطل أجزاء من سلاسل الإمداد، يتجه المصدّرون إلى البحث عن مسارات وبدائل لوجستية أكثر أمناً لتقليل مخاطر الملاحة وضمان استمرار تدفقات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز الفجيرة وصحار كمركزين مرشحين للاستفادة من التحولات الجديدة، مع تنامي الطلب على خدمات التخزين والمناولة وإعادة الشحن، في وقت تسعى فيه شركات الطاقة وناقلات النفط إلى تجاوز الاختناقات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وتأمين انسيابية حركة الإمدادات.
وتتضاعف التحديات التشغيلية مع تحول مياه خليج عُمان إلى ساحة تفريغ إجبارية للناقلات، إذ أكدت منصة فورتيكسا (Vortexa)، المتخصصة في استخبارات تدفقات الطاقة وتتبع حركة الناقلات والتخزين العائم عالمياً، في تقرير نشرته بتاريخ 14 أغسطس/آب الماضي، أن واردات آسيا المنقولة عبر عمليات التفريغ من سفينة إلى أخرى بلغت ذروة قياسية عند 2.3 مليون برميل يومياً، ما شكل 53%من إجمالي الشحنات.
ازدحام خليج عُمان
تعتمد بنية النقل الحالية في منطقة الخليج العربي على مسارَين لتصريف تدفقات الخام، وفق تحليل الخبير الاقتصادي وضاح طه، مبيناً في حديث لـ “العربي الجديد” أن المسار الأول يتمثل في العبور التقليدي عبر مضيق هرمز الذي يحوي ثلاث طرق ملاحية رئيسية، يقع أحدها في المياه الإقليمية الإيرانية، والثاني في المنطقة الوسطى المشتركة، بينما يمتد الثالث والأكثر حيوية وأماناُ ضمن المياه الإقليمية لسلطنة عُمان.
ويحتفظ هذا الممر العماني بفاعلية تشغيلية متقدمة لحركة ناقلات النفط رغم المحاولات الإيرانية المتكررة لزرع الألغام البحرية وعجز طهران عن بسط سيطرتها الكاملة عليه، كما يوضح طه، مشدداً على أن خصوصية هذا المسار تمنحه أهمية استثنائية في حفظ وتيرة الإبحار، غير أن استمرار الاحتكاكات يفرض على غرف الملاحة الدولية البحث عن قنوات عبور موازية تقلل مستويات التعرض للمخاطر وتضمن سلامة تدفق الإمدادات.
ويرتكز المسار الثاني على منظومة شبكة الأنابيب البرية بديلاً استراتيجياً لتجاوز اختناقات المضيق، حسب طه، لافتاً إلى أنها تشمل خط أنابيب شرق-غرب في السعودية، وخط غرب-شرق الجاري العمل على تطويره في الإمارات، بالإضافة إلى خط حبشان-الفجيرة في أبوظبي الذي يعمل بطاقة تشغيلية تتراوح بين مليون و1.8 مليون برميل يومياً، ما يوفر شرياناً برياً حيوياً لتفريغ الخام وتجاوز المضيق بأمان.
احتواء اختناقات الملاحة في الخليج
يقود هذا المشهد المضطرب تحولاً جذرياً نحو تشغيل الطاقة القصوى في خليج عمان لاحتواء اختناقات الملاحة، وفق تقييم الخبير الاقتصادي خالد التركاوي، لافتاً في حديث لـ “العربي الجديد” إلى أن وظيفة الموانئ لم تعد تنحصر في خدمات الشحن التقليدية، بل امتدت لتشكل منظومة خدمات لوجستية متكاملة تلبي احتياجات السفن القادمة والمغادرة، ما يسهم بصورة ملموسة في تخفيض مخاطر الارتهان الكامل للمضيق وتأمين خطوط الإمداد.
وتتلاقى هذه المعطيات مع الضغوط الميدانية المتصاعدة على البنية البحرية، إذ رصدت منصة أرجوس ميديا (Argus Media)، المتخصصة في تسعير الطاقة واستخبارات أسواق النفط والسلع، في تقرير نشرته بتاريخ 30 سبتمبر، استمرار الشركات الخليجية الكبرى في تكثيف عمليات التفريغ قبالة سواحل عمان وغرب الهند للالتفاف على القيود الملاحية، ما ضاعف أعباء الازدحام البحري في خليج عمان ودفع أسعار خدمات المساندة ورسوم التخزين نحو مستويات غير مسبوقة.
وانعكست هذه التطورات الميدانية بصورة إيجابية على هوامش الربحية في ميناء الفجيرة الإماراتي بفضل الارتفاع الحاد في كلفة خدمات التخزين التجاري نتيجة تزايد الطلب، كما يشير التركاوي، مؤكداً في المقابل أن ميناء صحار العماني نجح في انتزاع حصص سوقية بارزة وإثبات ذاته منافساً قوياً ومنطقة لوجستية رئيسية، وسط توقعات بتعزيز أهميته الاستراتيجية وجذب استثمارات لإنشاء خزانات نفطية إضافية واستقطاب شركات خدمات بحرية متخصصة.
وبات التوسع في مد خطوط الأنابيب البديلة يمثل احتياجاً اقتصادياً وأمنياً ملحاً وليس مجرد خيار ثانوي، وفق تحليل التركاوي، مستشهداً بالنجاح الميداني لمسار خط حبشان-الفجيرة في الإمارات، والذي أظهر الأهمية البالغة لرفع الطاقة الاستيعابية لنقل خامات شركة أدنوك مباشرة إلى مياه بحر العرب، ما يخفف الضغط الكثيف عن حركة الناقلات داخل مياه الخليج العربي ويؤمن مسارات تصديرية أكثر تحصيناً واستقراراً وتجاوزاً للاضطرابات.
أنابيب لكسر العزلة
وإزاء ذلك، تبرز الحاجة الملحة لتعزيز التواصل اللوجستي مع الموانئ العمانية عبر إنشاء شبكة أنابيب إقليمية واسعة، بحسب رؤية طه، موضحاً أن المشروع المقترح يهدف إلى ربط حقول الإنتاج في العراق والكويت والسعودية وقطر بالمنافذ البحرية للسلطنة، بما يرفع الطاقة التشغيلية للموانئ العمانية ويمكنها من استيعاب الصادرات الخليجية وتلبية احتياجات الأسواق الدولية وتأمين خطوط الملاحة بعيداً عن أيّ تهديدات عسكرية مستقبلاً.
وتحتل البنية التحتية لميناء الدقم العماني موقع الصدارة ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة، كما يؤكد طه، مشيراً إلى أن الميناء يمتلك مرافق هندسية متطورة وقدرة تشغيلية فائقة تمكنه من استقبال ناقلات النفط العملاقة ذات الغاطس البحري العميق، ما يجعله منصة متكاملة ومهيأة لاستيعاب التدفقات النفطية وإعادة تصديرها بمرونة عالية، تلبية لاحتياجات الأسواق الآسيوية الكبرى المتعطشة للطاقة بانتظام ودون انقطاع.
وتؤكد المؤشرات المالية الدولية سلامة هذه التوجهات الهيكلية لعُمان، إذ أوضحت وكالة ستاندرد آند بورز (S&P Global) المتخصصة في أنشطة التصنيف الائتماني في تقدير نشرته بتاريخ 25 سبتمبر، أن بقاء المسارات التجارية لسلطنة عُمان سالكة بعيداً عن إغلاقات المضيق يعزز طاقتها التصديرية، ما دفع الوكالة إلى رفع توقعات نمو الناتج المحلي العماني إلى 3.5% لعام 2026 بدلاً من 1.6% سابقاً، بالتوازي مع تثبيت التصنيف الائتماني السيادي بدعم من المكاسب التجارية القوية.









