ضغوط جيوسياسية على موازنة تونس 2027.. الحرب بالشرق الأوسط تُنعش موجة تضخم جديدة  

يتأهب البرلمان التونسي لمناقشة مشروع موازنة الدولة لسنة 2027 وسط تحديات واختبارات اقتصادية بالغة القسوة؛ إذ تواصل التداعيات الجيوسياسية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط إلقاء ثقلها على المالية العمومية لتونس.

 ويأتي ذلك نتيجة التأثيرات المباشرة على أسعار الطاقة والمواد الأساسية، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، مما أذكى موجة تضخم جديدة تُلقي بظلالها على التوازنات المالية للدولة.  

وتقر الحكومة التونسية بأن استمرار تداعيات الأوضاع الجيوسياسية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، سيكون من بين العوامل التي يتعين أخذها في الحسبان عند إعداد قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2027، نتيجة انعكاساتها المحتملة على أسواق الطاقة والمواد الأولية والنمو والاستقرار الاقتصادي. وتؤكد الحكومة أن الهدف هو جعل الميزانية الجديدة أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستثمار والدور الاجتماعي للدولة.

في المقابل، أعلن رئيس لجنة المالية بالبرلمان، ماهر الكتاري، أن اللجنة دعت وزيرة المالية إلى تقديم رؤية الحكومة لمشروع قانون الموازنة للعام القادم والاطلاع على تقرير تنفيذ موازنة العام الحالي.

وأكد الكتاري، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن مناقشة مشروع قانون الموازنة للعام القادم لن تتم دون تقييم تنفيذ موازنة العام الحالي والوقوف على تداعيات ارتفاع سعر البترول في النفقات العامة، مؤكداً أن تونس من الدول القليلة التي لم تلجأ إلى آلية تعديل الأسعار عند المضخة طوال العام الحالي، رغم الفارق الكبير بين فرضيات السعر التي بُنيت عليها الموازنة والأسعار العالمية.

وكانت السلطات التونسية قد بنت موازنة 2026 على فرضية سعر للبرميل في حدود 63.3 دولاراً، مع تقديرات لدعم الطاقة بنحو 4.993 مليارات دينار (أي ما يعادل 1.7 مليار دولار). وفي تحليل نشره المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في مارس/آذار 2026، قُدّر أنه في حال ارتفاع سعر البرميل إلى 100 دولار نتيجة تصعيد إقليمي كبير، يمكن أن ترتفع كلفة الدعم الطاقي إلى نحو 10.850 مليارات دينار، فيما قد تتجاوز 12 مليار دينار (نحو 4.2 مليارات دولار) إذا أدى التصعيد إلى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل.

ويمثل النفط أحد أكبر مصادر المخاطر بالنسبة إلى المالية العمومية التونسية، بالنظر إلى ارتباط كلفة الطاقة بأسعار الخام العالمية، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.

ويقول أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، آرام بالحاج، إن حساسية تونس تجاه صدمات سعر البترول تزداد بالنظر إلى تطور عجز الميزان التجاري الطاقي الذي ارتفع إلى سبعة مليارات دينار في نهاية يونيو/حزيران 2026، مقابل 5.175 مليارات دينار في الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 35%، وفق بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم.

وأكد بالحاج، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط لا يعنيان فقط زيادة فاتورة شراء المحروقات، وإنما يمكن أن ينعكسا أيضاً على قيمة الدعم الذي تتحمله الدولة، وعلى العجز التجاري وحاجيات البلاد من العملة الأجنبية، فضلاً عن كلفة النقل والإنتاج والخدمات.

وأشار إلى أن الضغط الأكبر على ميزانية 2027 قد يظهر في قدرة الدولة على الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثمار في الوقت نفسه، معتبراً أن كل زيادة كبيرة ومستدامة في أسعار النفط تؤدي إلى الحاجة إلى موارد إضافية لتمويل الدعم أو إلى إعادة توزيع الاعتمادات داخل الميزانية.

وفي المقابل، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية أن تقليص الإنفاق الاستثماري للتعويض عن ارتفاع النفقات الطاقية قد يضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وتحسين النمو. وتضع الحكومة من بين أولويات مشروع ميزانية 2027 دفع الاستثمار العمومي والخاص، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين مناخ الأعمال، إلى جانب إصلاح المؤسسات العمومية، وذلك إلى جانب وضع الأمن الطاقي والغذائي والمائي ضمن الأولويات الاستراتيجية.

وكان البنك الدولي قد حذر، في إبريل/نيسان 2026، من أن اضطرابات الطاقة والشحن المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد العالمي على موجات متتالية، تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة ثم أسعار الغذاء، بما يرفع الضغوط التضخمية ويزيد كلفة الاقتراض. كما قدر البنك أن سعر خام برنت قد يبلغ في المتوسط 86 دولاراً للبرميل خلال 2026 في السيناريو الذي يفترض انحسار الاضطرابات تدريجياً.

ويقول بالحاج إن الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط قد تبدو أكثر حساسية بالنسبة إلى تونس، خاصة إذا تزامن ارتفاع سعر النفط مع ارتفاع أسعار الغذاء أو المواد الأولية. واعتبر أن أي زيادة في كلفة الاستيراد تضغط على ميزانية الأسر وعلى المؤسسات، وقد تدفع الدولة إلى زيادة الاعتمادات المخصصة لبعض منظومات الدعم أو التعويض.

وتابع: “في حال أدى استمرار الحرب إلى ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة العالمية أو زيادة المخاطر في الأسواق المالية، فقد تصبح تعبئة التمويل أكثر كلفة، بما يزيد الضغط على موازنة الدولة”.

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون