“راشيا الوادي في الثورة السورية الكبرى (1925): الحدث وصراع السرديات”

د. منير مهنا

أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

تنطلق هذه الورقة من أحداث معركة راشيا بين 20 و24 تشرين الثاني 1925، لكنها لا تتوقف عند إعادة سرد وقائع حصار القلعة أو البحث عمّن انتصر ومَن هُزم. فالسؤال الذي يطرح نفسه، في الحقيقة، يتجاوز ذلك إلى مسألة أكثر تعقيدًا: كيف رُويت هذه الأحداث؟ وكيف انتقلت من واقعة عسكرية محدودة في الزمن إلى موضوع للصراع على الشرعية والمسؤولية والانتماء والذاكرة؟

تكشف مقارنة المصادر التي استعنت بها أن ثمة نواة أساسية للحدث يمكن إعادة بنائها بدرجة معقولة: حصار القلعة، واختراق بعض تحصيناتها والوصول إلى مواقع داخلية فيها، ودخول الحامية الفرنسية في مرحلة عسكرية حرجة، ثم وصول التعزيزات إليها في 24 تشرين الثاني وتغيّر ميزان المواجهة وانسحاب الثوار المهاجمين. غير أن الاتفاق على هذه الوقائع لا يعني الاتفاق على معناها.

ففي الرواية العسكرية الفرنسية تظهر المعركة تحت عنوان “الدفاع عن راشيا”، وتتحول خسائر الحامية وأزمتها ونقص ذخيرتها إلى عناصر تدخل في بناء خطاب عن الصمود والبطولة. بالمقابل، تظهر المعركة في الروايات الثورية ضمن سياق امتداد الثورة السورية الكبرى إلى وادي التيم ومقاومة سلطة الانتداب، وتبرز فيها وقائع الاقتحام والتضحية ومحاولات حسم المواجهة.

لكن ما يلفت النظر أن الاختلاف لا يقتصر على مواجهة سردية فرنسية بأخرى ثورية. فالوثائق الثورية نفسها تحتفظ بنقد داخلي واضح لبعض الممارسات التي رافقت القتال، وفي مقدمتها السلب وضعف الانضباط وأثرهما في مسار المعركة وفي العلاقة مع السكان. ومن هنا تطرح الورقة مسألة أراها أساسية في قراءة الحدث، وهي التمييز بين شرعية القضية وشرعية الممارسة؛ إذ إن مقاومة الانتداب لم تكن تعني، حتى في نظر بعض قادة الثورة أنفسهم، أن كل ما يقع من ممارسات خاطئة باسمها يكتسب شرعية تلقائية.

وعندما ننتقل من المقاتلين/ الثوار إلى أبناء راشيا والجوار، تتبدل زاوية النظر مرة أخرى. فالمعركة بالنسبة إلى السكان لم تكن مجرد مواجهة لاقتحام القلعة والسيطرة عليها، بل كانت أيضًا تجربة نزوح وخوف وفقدان للمنازل والممتلكات، ثم عودة وتعويض ومحاولات لإعادة بناء العلاقات المحلية. كما تكشف المصادر أن المجتمع الراشياني لم يكن منقسمًا إلى كتل طائفية ثابتة، وأن المسيحيين والدروز لم يعيشوا النزوح أو العودة بالشروط نفسها، ولم ينتج الانتماء الديني بالضرورة موقفًا سياسيًا واحدًا.

ويتسع المشهد أكثر عندما تنتقل أخبار ما جرى في راشيا إلى المهاجرين في الأميركيتين، حيث تتحول آثار المعركة إلى موضوع للإغاثة وجمع الأموال والضغط السياسي والسجال الصحفي حول الانتداب والحماية والوحدة الوطنية. وهكذا يخرج الحدث من حدوده المحلية ليصبح جزءًا من صراع أوسع على تفسير الثورة نفسها وعلى المعنى السياسي لما جرى.

وتقود الدراسة، في نهاية المطاف، إلى نتيجة لا تقوم على القول إن الحقيقة نسبية أو إن جميع الروايات متساوية. بل العكس؛ فهي تحاول أولًا التحقق مما تسمح المصادر بإثباته، ثم الانتقال إلى سؤال آخر: كيف اختارت كل رواية من الوقائع ما يخدم بناء معناها، وكيف سمّت الفاعلين وحدّدت مواقعهم الأخلاقية والسياسية؟

ومن هنا يظهر أيضًا تفاوت مهم بين السرديات؛ فالسلطة الفرنسية امتلكت أدوات التوثيق والأرشفة والأوامر العسكرية والتكريم الرسمي، في حين وصلت الروايات الثورية والمحلية عبر مسارات أكثر تشتتًا وتنوعًا. ولذلك تميّز الورقة بين قوة الحضور في الأرشيف وقوة الإثبات التاريخي؛ فالرواية الأكثر حضورًا وحفظًا ليست بالضرورة الأكثر قدرة على احتكار الحقيقة.

وباختصار، تحاول مقاربتي البحثية لهذا الأمر أن تعيد وضع معركة راشيا بين مستويين متلازمين: ما جرى فعلًا، وكيف أُعيد تفسير ما جرى.

ومن هنا يبقى السؤال الذي أود طرحه للنقاش: هل تكفي معرفة ما حدث لفهم معركة راشيا، أم إن فهمها يقتضي أيضًا البحث في مَن سمّى الحدث، ومَن حدّد معنى النصر والهزيمة، ومَن امتلك القدرة على تثبيت روايته في الذاكرة؟

*الورقة البحثية ستصدر لاحقًا ضمن إصدار جامع لأعمال المؤتمر الدولي الأول “البقاع في التاريخ: الإنسان، المكان والذاكرة” 26-27/9/2026

#أبحاث_ودراسات

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون