لبنان على مفترق: المقاومة أم الاستسلام؟

 

يعاني لبنان في الوقت الحاضر تداعيات مفترق خطير يضجّ بصراعات متصاعدة بين قوى مقاوِمة، بقيادة حزب الله، مدعومةً بفريق شعبي واسع من لبنانيين عابرين للطوائف كما بدول إقليمية أبرزها ايران من جهة، وبين اسرائيل وحاضنتها الولايات المتحدة وحلفائهما من جهة اخرى. 

 

إسرائيل، بكيانها العنصري المشحون بأيديولوجيا توراتية وتلمودية، تعتدي وتتوسع وتقتلع وتمحو كلّ مَن يشكّل في نظرها عدواً، وتجد في الولايات المتحدة، لاسيما إدارة الرئيس دونالد ترامب، حليفاً سياسياً وأيديولوجياً وعسكرياً ملتزماً وفاعلاً.

 

لبنان ليس وحده مَن يجد نفسه الآن على مفترقٍ خطير بل إن منطقة غرب آسيا الممتدة من شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر جنوباً إلى بحر قزوين شمالاً، ومن شواطئ البحر الأسود غرباً إلى جبال باكستان شرقاً، تجد نفسها على المفترق ذاته حيث تدور صراعات بين الغرب الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة علناً وإسرائيل ضمناً، وبين قوى شعبية صاعدة ومعادية للعدوانية والهيمنة الصهيوأميركية تنشط من خلال تنظيماتِ مقاوِمةٍ في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وإيران.

 

يحتدم الصراع في هذه الآونة بين المعسكرين المتنازعين، لاسيما في لبنان. ذلك أن بنيامين نتنياهو وجد في لبنان الساحة المناسبة لتحقيق أغراضه السياسية في الانتخابات المقرر إجراؤها في كيان الاحتلال أواخرَ تشرين الأول/أكتوبر المقبل. ثمة دوافع عدّة لاختياره لبنان ساحةً للمنازلة الحاسمة: سقوطُ نظام بشار الأسد في سوريا، وتوقف توريد السلاح والعتاد إلى قوى المقاومة عبرها، ونزوع إدارة ترامب إلى إغراء الشبكة الحاكمة في لبنان بدعمها سياسياً ومالياً شرطَ قيامها بتجريد قوى المقاومة من السلاح ما يمكّن واشنطن من توظيف عدوان إسرائيل وتوسعها على لبنان في مفاوضاتٍ ترعاها بغية حمل حكومة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام على توقيع اتفاق سياسي لتكريس جنوب لبنان منطقةً عازلة.

 

رغم إذعان الشبكة الحاكمة في لبنان لإملاءات أميركا بمفاوضة إسرائيل مباشرةً وتوقيع اتفاق إطار معها، فإن إسرائيل راوغت وماطلت ولم تنفّذ أحكام الاتفاقات المعقودة ولا أوقفت إطلاق النار بل ضاعفت اعتداءاتها وباتت تسيطر بالاحتلال أو بالنار على ما يعادل نصف مساحة جنوب لبنان.

 

ما سرّ هذه العدوانية الصهيونية التوسعية المتغطرسة؟

 

صحيح أن دعم أميركا الكثيف والمتواصل سياسياً ومالياً وعسكرياً عامل أساس في تعاظم قوة إسرائيل وتوسعها، لكن ثمة سبباً آخر سهّل على كيان الاحتلال سبيل اعتداءاته وتوسّعه. إنه ضعف لبنان سياسياً واقتصاديًا وعسكرياً. فشبكات لبنان الحاكمة المتعاقبة رفعت دائماً والتزمت مقولة “قوة لبنان في ضعفه”. ضعفُ لبنان مردّه، بالدرجة الأولى، نظامُه الطوائفي الفاسد. فلكي تستمر الشبكات الحاكمة في توارث السلطة تحرصُ على تدويم وتدعيم نظامه الطوائفي الفاسد. ولكي يبقى لبنان “قوياً بضعفه” يقتضي أن يبقى النظام الطوائفي الفاسد قوياً وسائداً. من هنا فإن عدو لبنان الأول في نظر الشبكة الحاكمة ليس إسرائيل بل أولئك الوطنيون واليساريون الذين يقاومون كيان الاحتلال والنظام الطوائفي معاً.

 

حتى بوجود النظام الطوائفي ورسوخه، تمكّن مقاومو الشبكة الحاكمة من التغلّب على إسرائيل والولايات المتحدة مرتين في تاريخنا المعاصر. ففي سنة 1958، بعد انقلاب أحرار العراق على النظام الملكي، نشرت كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا قوتين عسكريتين كبيرتين بجوار مطار بيروت الدولي لاحتواء تداعيات الحدث العراقي في لبنان. لكن المقاومين الوطنيين لم يتأخروا في شنّ هجمات فدائية عليهما أدت إلى إلحاق مئات القتلى والجرحى في صفوفها وإكراه حكومتي واشنطن وباريس على التعجيل في سحب قواتهما من لبنان.

 

الأمــر نفسه، أي التغلّب على إسرائيل ومن ورائها أميركا، تكرّر سنة 2000. فقد تمكّنت قوى المقاومة، بقيادة حزب الله، من إكراه إسرائيل على الإسراع في سحب قواتها من الشريط الحدودي المحتل مخلفةً وراءها أسلحةً وأعتدةً ومرتزقة خائبين.

 

اليوم تسعى الشبكة الحاكمة في لبنان، بضغط سافرٍ من الولايات المتحدة، إلى سحبِ سلاح المقاومة وتسليمه إلى السلطة في وقتٍ يبدو الجيش اللبناني غير راغب وغير قادر على الزام المقاومة بتسليم سلاحها. فقيادته ترى أن استخدام القوة مع المقاومة فيما هي منخرطة في مقاومة إسرائيل يؤدي إلى إنقسام الجيش وربما التسبّب بتفجير حربٍ أهلية.

 

الشبكةُ الحاكمة تعوّل على قيام الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل للكفّ عن العدوان والتوسع بغية إقناع المقاومة بتسليم سلاحها للسلطة. المقاومة ترفض تسليم سلاحها إلاّ بعد ثبوت انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي والمواقع اللبنانية التي تحتلها إلى ما وراء حدود لبنان مع فلسطين المحتلة المكرّسة باتفاق الهدنة لسنة 1949. ذلك أن تسليم السلاح مع بقاء الاحتلال هو استسلام ضمني وارتهان مخزٍ للعدو الصهيوني.

 

ما العمل؟

 

آن الأوان لتدرك القوى الوطنية الحيّة في البلاد أن تقصيرها المزمن في عدم التوصل إلى صيغة جبهوية أو أقلّه إلى تحالف فاعل بين القوى الوطنية من شأنه أن يقدّم تبريراً للشبكة الحاكمة لتواصل تحكّمها بالشعب وعدائها لقوى المقاومة وتلكؤها في اعتماد خطة متكاملة للدفاع الوطني وتسليح الجيش اللبناني مـن شتى المصادر المتاحة.

 

الجبهة الوطنية أو التحالف الوطني باتا شرطاً وجودياً لبقاء لبنان. عدم وفاء القوى الوطنية النهضوية بهذا الموجب المصيري ترخيص صريح للشبكة الحاكمة وللقوى الخارجية الطامعة بترسيخ النظام الطوائفي الفاسد وبتكريس مقولة قوة لبنان في ضعفه، بل هو إمعان في التغاضي عن خطيئة تاريخية مدوّية هي عدم تطبيق لبنان لدستوره المعدّل سنة 1990 الذي استوعب إصلاحاتٍ تضمنتها وثيقة الوفاق الوطني في الطائف سنة 1989، أي منذ أكثر من 35 سنة، وهي إصلاحات تكفل تدريجاً تكوين أجيال من مواطنين عابرين للطوائف ومهيئين للتوافق على المصالح العليا للبلاد والدفاع عن أرضها وسيادتها.

 

كل هذه المخاطر والتحديات التي تواجه لبنان حاليّاً يجب أن تدفع القوى الوطنية النهضوية إلى الإسراع في عقد مؤتمرٍ وطني جامع يوصي بالمبادرة بلا إبطاء إلى تنفيذ أحكام الدستور اللبناني المعدّل سنة 1990، والتأكيد تالياً على أن اتفاق الإطار الذي أقرّته حكومة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام هو غير دستوري لعدم موافقة مجلس النواب عليه ما يقتضي تالياً اعتبار حكومتهما مخالفةً لأحكام الدستور ومستوجبة الإقالة أو اعتبارها بحكم المستقيلة، ومبادرة المشاركين في المؤتمر الوطني الجامع ـــ وفي عدادهم النواب وقائد الجيش اللبناني ـــ إلى الإعلان عن قيام حكومة وطنية جامعة تلتزم تحقيق أَبَجَدِيّة الأهداف والمصالح الحيوية الآتية:

أ- وضع الدستور المعدل سنة 1990 موضع التنفيذ.

ب- تحرير أراضي لبنان المحتلة بكل الوسائل المشروعة والمتاحة.

ج – دعم قوى المقاومة وعدم مطالبتها بتسليم أسلحتها للجيش اللبناني إلاّ بعد التثبّت من انسحاب قوات العدو الصهيوني إلى ما وراء حدود لبنان المكرّسة باتفاق الهدنة سنة 1949.

د- إنشاء المجلس الأعلى للإعمار والإنماء، والمباشرة بأعمال الإعمار بالأموال المتوافرة حالياً لدى لبنان.

 

صحيح أن مسار تحقيق هذه الأهداف شائك ومرهق وطويل، لكنه يبقى أشرف وأجدى من الاستسلام والارتهان للعدو.

[email protected]

نشرت في جريدة “القدس العربي” (لندن) بتاريخ 2026/9/14

 

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون