
المسعف تميم غسان عربي لـ “حرمون” : التمريض مهنة تجمع العلم والإنسانية.. وهكذا يصنع التمريض الفارق
العلم أساس العمل والإنسانية روحه والمسؤولية عنوانه
حين يتحوّل الشغف الأكاديمي إلى رسالة إنسانية نابضة بالحياة، يصبح القطاع الصحيّ مساحة أوسع بكثير من مجرد جدران المستشفيات وأروقة العلاج.
ضيفنا في هذا الحوار الشاب تميم غسان عربي، المتخرّج من كلية التمريض بجامعة اللاذقية لعام 2024، والذي اختار أن يخوض غمار الإسعاف والطوارئ والعمل التطوعي بروح واعية وعزيمة صلبة.
في هذه المساحة، من منصة حرمون، يفتح لنا قلبه ليشاركنا قصة البدايات الصعبة، وتجربته الثرية بين مقاعد الدراسة وميدان العمل الميداني، ورؤيته العميقة لأهمية نشر ثقافة الإسعافات الأولية في المجتمع.
حوار يغوص في تفاصيل المهنة، ويضيء على تطلعات جيل يرى في العلم أداة لبناء أثر مستدام.
من الطموح إلى التخصص: التمريض كبوصلة إنسانية
-
ممكن تعريف زوار منصة حرمون إليكم؟
بدايةً، أتوجه بالشكر الجزيل لمنصة حرمون على هذه الاستضافة، وعلى هذه المساحة التي تتيح للإنسان أن يتحدث عن تجربته وطموحه، بعيدًا عن الألقاب والمسميات.
أنا تميم غسان عربي، متخرّج من كلية التمريض في جامعة اللاذقية، تخرّجت عام 2024، واخترت أن أكون قريبًا من المجال الطبي والإنساني، وتحديدًا من التمريض والإسعاف والطوارئ. خلال مسيرتي، سعيت إلى تطوير نفسي من خلال الدراسة والتدريب والممارسة العملية، وحصلت على تدريبات وشهادات دولية؛ مثل شهادة البورد الألماني في الإسعاف الأولي والتمريض، وعدد من شهادات الخبرة في مجالات مرتبطة بالإسعافات الأوليّة والإنعاش القلبي الرئوي وغيرها من المهارات الطبية.
إلى جانب عملي في المجال الصحي، لديّ اهتمام بالتدريب ونقل المعرفة، وأؤمن أن المعلومة الطبية لا ينبغي أن تبقى داخل الكتب أو المستشفيات، بل يجب أن تصل إلى المجتمع؛ لأن معرفة بسيطة في الإسعافات الأولية قد تكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان.
وأختصر نفسي بجملة واحدة: أنا شاب اختار أن يجعل من العلم مهنة، ومن المهنة رسالة، ومن الرسالة أثرًا.
-
ممكن العودة إلى البدايات والنشأة؟ كيف بدأت؟ وما أبرز العوائق خلالها وكيف تخطيتها؟ وما أبرز ما تتذكّره من مواقف جعلتك تكتشف نفسك وحفرت في وجدانك؟
إذا عدنا إلى البدايات، فأنا أعتقد أن كل إنسان يحمل في داخله قصة بدأت قبل أن يعرف إلى أين ستوصله. قصتي بدأت من طموح بسيط، لكنه كان يكبر مع كل تجربة أمرُّ بها؛ كنت دائمًا أبحث عن المجال الذي أستطيع من خلاله أن أكون نافعًا للآخرين، ومع الوقت وجدت نفسي أكثر قربًا من المجال الطبي والتمريض تحديدًا.
لم تكن الطريق خالية من الصعوبات؛ فقد واجهت تحديات مرتبطة بالدراسة والعمل والظروف المحيطة، وكانت هناك مراحل شعرت فيها أن الطريق أصبح أثقل مما توقعت. لكنني تعلمت مبكرًا ألا أتعامل مع الصعوبة باعتبارها سببًا للتراجع، بل باعتبارها اختبارًا لقدرتي على الاستمرار.
كنت أقول لنفسي دائمًا: ربما لا أستطيع تغيير كل الظروف من حولي، لكنني أستطيع أن أغيّر طريقة تعاملي معها. لذلك حاولت أن أتعلم أكثر، وأطوّر نفسي أكثر، وأستفيد من كل فرصة تدريب أو تجربة عملية، حتى أصبحت كل عقبة بالنسبة لي درسًا جديدًا.
أما المواقف التي حفرت في ذاكرتي فهي كثيرة، لكن أكثر ما أثّر فيَّ هو تلك اللحظات التي وجدت فيها نفسي أمام إنسان يحتاج إلى مساعدة حقيقية، وأدركت أن ما تعلمته من كتب ومحاضرات وتدريبات أصبح مسؤولية على أرض الواقع.
في تلك اللحظات تحديدًا، اكتشفت أنني لم أختر مهنة التمريض لمجرد الحصول على شهادة أو وظيفة، وإنما اخترت مهنة تحمل معنًى ومسؤولية. وأعتقد أن الإنسان يكتشف نفسه في المواقف الصعبة أكثر مما يكتشفها في الظروف السهلة؛ بعض المواقف جعلتني أعرف أن لديّ قدرة على الصبر، وبعضها علَّمني الهدوء تحت الضغط، وبعضها جعلني أكثر إيمانًا بأن العلم الحقيقيّ تظهر قيمته عندما يتحول إلى فائدة للناس.
واليوم، عندما أنظر إلى البدايات، لا أندم على أي صعوبة مررت بها؛ لأنني أؤمن بأن الطريق الذي لم يكن سهلًا صنع شخصيتي.
-
ما الذي دفعك إلى اختيار دراسة التمريض؟ وهل كان هذا التخصص حلمًا منذ البداية أم جاء اختيارك له خلال المرحلة الجامعية؟
اختياري للتمريض لم يكن لمجرد قرار مرتبط بالدراسة أو الحصول على شهادة جامعية، بل كان مرتبطًا بفكرة أن أكون في مهنة يكون فيها الإنسان حاضرًا في أكثر لحظات احتياجه.
ربما لم تكن الصورة كاملة في البداية، لكن مع اقترابي من المجال الطبي، اكتشفت أن التمريض يجمع بين العلم والمهارة والجانب الإنساني في الوقت نفسه. الممرض لا يتعامل فقط مع مرض أو أعراض، وإنما يتعامل مع إنسان لديه خوف وألم وأسرة ومشاعر، وهذا الجانب تحديدًا جذبني كثيرًا. ومع مرور السنوات، أصبح التمريض بالنسبة لي أكثر من تخصص جامعي؛ أصبح هوية ومسؤولية، وكلما تعمّقت فيه شعرت بأن اختياري كان في المكان الصحيح.
-
حصلت على إجازة جامعيّة في كلية التمريض عام 2024، كيف تصف تجربتك الجامعية؟ وما أهم شيء خرجت به من سنوات الدراسة؟
كانت سنوات الدراسة الجامعية مرحلة تأسيس حقيقية بالنسبة لي. تعلمت خلالها أن المعرفة الطبية لا تتوقف عند حفظ المعلومات، وإنما تبدأ عندما تستطيع أن تفهمها وتطبقها بالشكل الصحيح.
الجامعة أعطتني الأساس العلمي، لكنها أيضًا علمتني الانضباط وتحمل المسؤولية والعمل ضمن فريق والتعامل مع الحالات المختلفة. وأهم شيء خرجت به من تلك السنوات هو أن شهادة التخرج ليست نهاية الطريق، وإنما بداية المسؤولية الحقيقية.
بعد التخرج، أصبحت أكثر قناعة بأن الممرض الناجح يجب أن يبقى طالب علم طوال حياته؛ لأن الطب يتطور، والمعلومات تتغير، والمهارات تحتاج إلى تدريب مستمر.
-
من كان له الدور الأبرز في دعمك وتشجيعك للوصول إلى ما بلغته، ومن الأشخاص الذين تركوا بصمة في مسيرتك؟ وماذا تودّ أن تقول لهم اليوم تقديرًا وامتنانًا لوقوفهم إلى جانبك؟
لا يمكن للإنسان أن يصل وحده مهما كان طموحًا؛ فخلف كل نجاح أشخاص ربما لا تظهر أسماؤهم في الصورة، لكن وجودهم كان أساسيًا.
أولًا، أتوجه بالشكر لعائلتي التي كانت السند والداعم في مختلف المراحل، ولكل شخص آمن بي في وقت كنت أنا بحاجة فيه إلى من يقول لي: “استمر”. وأشكر أيضًا كل أستاذ ومدرب وزميل علَّمني معلومة، أو صحح لي خطأ، أو منحني فرصة لأتعلم وأتطور.
أقول لهم اليوم: شكرًا لأنكم لم تدعموا فقط خطوة في مسيرتي، بل ساهمتم في بناء الإنسان الذي يقف أمامكم اليوم. وأؤمن أن أجمل طريقة لرد الجميل ليست بالكلمات فقط، وإنما بأن أحافظ على ما تعلمته منكم، وأن أنقله بدوري إلى أشخاص آخرين.
في الميدان الطبي: تحديات المواجهة بين “نظريات الكتب” و”واقع المسؤولية
- بعد تخرّجك، خضت تجربة العمل كممرّض في مشفى الرازي، كيف كانت بدايتك في الحياة المهنيّة بعد الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الميدان؟
الانتقال من الجامعة إلى المستشفى كان انتقالًا من المعرفة النظرية إلى المسؤولية الحقيقية. في الجامعة لديك وقت للتعلم والتدريب، أما في الميدان فهناك مريض ينتظر منك أن تطبق ما تعلمته بدقة، وهناك فريق طبي يعتمد على تعاونك، وهناك حالات تحتاج إلى سرعة وتركيز.
كانت البداية مليئة بالتحديات، لكنها كانت من أكثر المراحل التي تعلمت منها. اكتشفت أن الخبرة لا تأتي من الكتب وحدها، وإنما من الاحتكاك اليومي بالحالات، ومن مراقبة أصحاب الخبرة، ومن السؤال والتعلّم من الأخطاء. وأعتقد أن تلك المرحلة جعلتني أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على تحمّل المسؤولية، وأكثر فهمًا لمعنى أن تكون ممرضًا.
-
ما طبيعة المسؤوليات والمهام التي كنت تتولاها خلال عملك في المستشفى؟ وهل هناك مهمة شعرت أنها طوّرت مهاراتك؟
العمل التمريضي يحمل مسؤوليات متعددة، تبدأ من متابعة حالة المريض والعلامات الحيوية، وتنفيذ الإجراءات التمريضية والطبية وفق الخطة العلاجيّة، ومراقبة التغيرات في حالة المريض، والتواصل مع الفريق الطبي، وصولًا إلى تقديم الدعم النفسي والإنساني للمريض.
لكن أكثر ما طوّرني كان التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى سرعة في الملاحظة والتصرف المنظم. تعلمت أن التفاصيل الصغيرة في التمريض قد تكون مهمة جدًا، وأن الممرض يجب أن يكون حاضر الذهن دائمًا؛ لأن تغيرًا بسيطًا في حالة المريض قد يكون مؤشرًا يحتاج إلى الانتباه والتصرف السريع.
-
العمل في المجال الطبي يضع الممرض أحيانًا أمام حالات طارئة وحساسة، هل مررت بمواقف اضطررت فيها إلى اتخاذ قرار سريع؟ وكيف تعاملت معها؟
بالتأكيد، وهذا جزء أساسي من العمل الطبي. في الحالات الطارئة لا يوجد وقت للتوتر أو العشوائية، وإنما يجب أن يكون التصرف مبنيًا على المعرفة والتدريب وترتيب الأولويات.
تعلمت أن أول خطوة هي الحفاظ على الهدوء، ثم تقييم الحالة بسرعة، وتحديد أخطر ما يهدّد حياة المريض، والتواصل بوضوح مع الفريق الطبي، والبدء بالإجراءات المناسبة ضمن حدود دوري ومسؤوليتي. وهنا تظهر أهمية التدريب؛ لأن الإنسان في المواقف الحرجة لا يستطيع أن يعتمد فقط على ما قرأه، بل يحتاج إلى مهارة أصبحت جزءًا من طريقة تفكيره.
خارج حدود المستشفى: الإسعاف الأولي كمهارة مجتمعية لإنقاذ الحياة
- لديك تدريب وشهادات في الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي، برأيك، ما أهمية امتلاك الممرض هذه المهارات خارج مكان العمل؟
أعتقد أن مهارات الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي يجب ألا تكون حكرًا على العاملين في المجال الطبي. الممرض بشكل خاص يمتلك فرصة كبيرة لنقل هذه المعرفة إلى المجتمع؛ لأن الطوارئ لا تحدث فقط داخل المستشفى، بل قد تحدث في المنزل، أو المدرسة، أو الجامعة، أو مكان العمل، أو الشارع، وأحيانًا تكون الدقائق الأولى قبل وصول الإسعاف هي الدقائق الأكثر أهمية.
لذلك أنا أؤمن بأهمية نشر ثقافة الإسعاف الأولي، وأن ننتقل من فكرة أن الإسعافات الأولية مهارة خاصة بالطبيب أو الممرض، إلى فكرة أنها مهارة مجتمعية قد تنقذ حياة شخص قريب منا.
-
كيف تتعامل مع المريض الذي يكون خائفًا أو متوترًا أو يرفض التعاون مع الفريق الطبي؟
أول شيء أحاول فهمه هو سبب الخوف أو الرفض؛ فالمريض قد لا يرفض التعاون لأنه عنيد، وإنما لأنه خائف، أو لا يفهم ما يحدث، أو يشعر بالألم.
لذلك أبدأ بالتواصل الهادئ، وأشرح له الإجراء بطريقة بسيطة ومفهومة، وأحاول أن أمنحه شعورًا بالأمان والاحترام. الممرض الناجح برأيي لا يحتاج فقط إلى مهارة يده، وإنما يحتاج أيضًا إلى مهارة التواصل، وأحيانًا تكون كلمة هادئة في الوقت المناسب جزءًا من العلاج.
-
الجانب الإنساني جزء أساسي من مهنة التمريض، كيف تحافظ على هدوئك وتعاطفك مع المرضى في ظل ضغط العمل؟
أحاول دائمًا أن أتذكر أن الشخص الموجود أمامي ليس مجرد “حالة” أو “رقم سرير”، وإنما إنسان قد يكون يعيش واحدة من أصعب لحظات حياته. هذا التفكير يساعدني على الحفاظ على الجانب الإنساني حتى عندما يكون ضغط العمل كبيرًا.
وفي الوقت نفسه، التعاطف لا يعني أن أفقد هدوئي، بل العكس؛ المريض يحتاج إلى شخص متعاطف لكنه ثابت وقادر على التصرف. لذلك أحاول أن أوازن بين القلب والعقل: أتعاطف مع المريض، لكن أتعامل مع الحالة بمهنية.
-
ذكرت في سيرتك القدرة على العمل ضمن فريق، كيف تصف علاقتك بفريق التمريض والأطباء؟ وما أهمية روح الفريق في نجاح العمل الطبي؟
العمل الطبي لا يمكن أن ينجح بشكل فردي؛ فالطبيب والممرض وبقية أعضاء الفريق الصحي يكمل بعضهم بعضًا، وكل شخص لديه دور ومسؤولية.
أحرص دائمًا على الاحترام المتبادل والتواصل الواضح؛ لأن المعلومة إذا لم تصل في الوقت المناسب أو بالشكل الصحيح قد تؤثر على المريض. وأرى أن قوة الفريق ليست في أن يكون الجميع متشابهين، وإنما في أن يعرف كل شخص دوره، ويحترم دور الآخرين، ويضع مصلحة المريض أولًا.
- عندما تكون أمام مرضى عديدين ومهام كثيرة في الوقت نفسه، كيف تحدد أولوياتك وتنظم وقتك؟
في التمريض، الأولوية لا تكون دائمًا لمن وصل أولًا، وإنما لمن يحتاج إلى التدخل بشكل أسرع وأهم. أبدأ بتقييم الحالات وتحديد الأخطار، ثم أرتب المهام حسب درجة الاستعجال، مع الحفاظ على متابعة بقية المرضى وعدم إهمال التفاصيل.
أحاول أن أكون منظمًا في عملي؛ لأن التنظيم يقلل الأخطاء ويوفر الوقت. والأهم هو ألا يسمح الممرض لضغط عدد المهام بأن يجعله يتصرف بعشوائية؛ فكلما زاد الضغط، زادت أهمية الهدوء والترتيب.
طموح بلا سقف: آفاق التطور المهني وأثر المستقبل
-
حصلت على تدريبات في مجالات متعددة، منها المهارات الطبية المتقدمة والتحاليل المخبرية والتصوير الشعاعي، كيف ساهم تنوع هذه التدريبات في توسيع خبرتك؟
التنوع في التدريب جعلني أنظر إلى المريض بصورة أكثر شمولًا. كل مجال تعلمته أضاف جزءًا جديدًا إلى الصورة؛ فالتمريض لا يعمل بمعزل عن المختبر أو التصوير أو بقية التخصصات الطبية.
هذه التدريبات ساعدتني على فهم الإجراءات والنتائج الطبية بشكل أفضل، وعلى التواصل بصورة أكثر فعالية مع الفريق الصحي. وأنا مؤمن جدًا بفكرة أن الممرض كلما وسّع معرفته، أصبح أكثر قدرة على فهم دوره ضمن المنظومة الطبية كاملة.
-
ما أبرز الأساليب والطرائق التي اعتمدت عليها لنقل خبراتك ومهاراتك إلى المتدربين في الدورات التدريبية؟ وهل يمكن أن ينجح التدريب عن بُعد؟
عندما أقوم بالتدريب، أحاول ألا يكون المتدرب مجرد شخص يستمع إلى محاضرة، بل أن يكون مشاركًا في العملية التعليمية. أستخدم الشرح المبسط، والأمثلة الواقعية، والمناقشة، والتطبيق العملي عندما يكون ذلك ممكنًا؛ لأن الإسعافات الأولية تحديدًا تحتاج إلى ممارسة وليست معلومات نظرية فقط.
أما التدريب عن بُعد، فأعتقد أنه يمكن أن يكون فعالًا جدًا في الجانب النظري وفي نشر المعرفة والوصول إلى عدد أكبر من الناس، لكن بعض المهارات العملية تحتاج إلى تدريب تطبيقي مباشر وتقييم من المدرب. لذلك أرى أن أفضل نموذج هو الاستفادة من التكنولوجيا دون أن نستغني عن التطبيق العملي عندما تكون المهارة بحاجة إلى ذلك.
-
من خلال تجربتك العملية، ما الفرق الأكبر الذي وجدته بين المعلومات التي يتعلّمها الطالب في الجامعة وبين ما يواجهه الممرض في الواقع العملي؟
الجامعة تعطيك الأساس، لكن الميدان يعلمك كيف تستخدم هذا الأساس في ظروف حقيقية. في الدراسة قد تكون الحالة مرتبة وواضحة، أما في الواقع فقد تجد أكثر من مشكلة في الوقت نفسه، ومريضًا خائفًا، وأسرة قلقة، وضغطًا في العمل، ووقتًا محدودًا.
لذلك أقول دائمًا إن التخرج لا يعني أنك أصبحت تعرف كل شيء، وإنما يعني أنك أصبحت تمتلك الأساس الذي يسمح لك بأن تبدأ التعلم الحقيقي؛ فالجامعة تعلمك ماذا تفعل، والميدان يعلمك كيف تفكر وأنت تفعله.
-
شاركت كعضو فعال ضمن فريق تطوّعي في محافظة السويداء، ماذا أضافت لك تجربة العمل التطوعي على المستوى المهني والإنساني؟
العمل التطوّعي من التجارب التي أعتز بها كثيرًا، لأنه يضع الإنسان أمام المجتمع بشكل مباشر، ويجعله يقدم دون انتظار مقابل.
على المستوى المهني، علمني العمل ضمن فريق، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع أشخاص من خلفيات وظروف مختلفة. أما على المستوى الإنساني، فقد جعلني أكثر إدراكًا لقيمة أن يكون الإنسان نافعًا في محيطه. وأعتقد أن أجمل ما في التطوّع هو أنه يذكرك بأن مهنتك ليست فقط مصدر رزق، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الناس.
-
هل هناك حالة أو موقف مع أحد المرضى بقي عالقًا في ذاكرتك، وشعرت بعده أن اختيارك لمهنة التمريض كان قرارًا صحيحًا؟
هناك مواقف كثيرة يصعب أن ينساها الممرض، ليس بالضرورة لأنها كانت الأصعب، وإنما لأنها تركت أثرًا إنسانيًا داخله. أكثر ما يبقى في الذاكرة بالنسبة لي هو لحظة ترى فيها أثر ما قدّمته على المريض أو عائلته؛ ربما كلمة شكر، أو نظرة امتنان، أو تحسن في حالة شخص كنت تتابعه.
هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تبدو إنجازًا كبيرًا بالنسبة للآخرين، لكنها بالنسبة للممرض تعني الكثير. وفي مثل هذه اللحظات أشعر بأنني اخترت المهنة الصحيحة؛ لأنني أرى أمامي المعنى الحقيقي لما أفعله.
-
ما أصعب جانب في مهنة التمريض من وجهة نظرِك: الضغط النفسي، ساعات العمل، التعامل مع الحالات الحرجة، أم المسؤولية الكبيرة؟ ولماذا؟
أعتقد أن أصعب ما في المهنة هو اجتماع هذه الأمور معًا، لكن المسؤولية تبقى الجانب الأكبر بالنسبة لي؛ لأن الممرض يتعامل مع إنسان وحياة وصحة، وهذا يتطلب تركيزًا دائمًا.
الضغط النفسي وساعات العمل يمكن للإنسان أن يتعلم التعامل معهما، لكن الشعور بالمسؤولية تجاه المريض هو الذي يجعلك دائمًا تحاول أن تكون أفضل. ولهذا أرى أن هذه المسؤولية، رغم ثقلها، هي أيضًا أحد أسباب قيمة المهنة وجمالها.
-
أنت في بداية مسيرتك المهنية، ما المهارات التي تشعر أنك بحاجة إلى تطويرها أكثر في المرحلة المقبلة؟
أنا في بداية الطريق، ولذلك أرى أن أمامي مساحة كبيرة للتعلم والتطور. أطمح إلى تطوير مهاراتي السريرية بشكل أكبر، والتعمق أكثر في مجال الإسعاف والطوارئ، إضافة إلى تطوير مهارات القيادة والعمل ضمن الفرق الطبية.
كما أريد أن أستمر في مجال التدريب والتعليم، وأن أطور أسلوبي في إيصال المعلومة الطبية بشكل بسيط ودقيق. وبصراحة، أنا لا أبحث عن الوصول إلى مرحلة أقول فيها “لقد تعلمت كل شيء”؛ لأن هذه المرحلة لا توجد في الطب، وهدفي أن أبقى دائمًا في حالة تعلم.
-
إلى أي مدى تهتم بالقراءة والاطلاع، خصوصًا أنك تذكر في سيرتك اهتمامك بقراءة الكتب والمجلات؟ وهل ترى أن الثقافة العامة مهمة للعامل في المجال الطبي؟
القراءة بالنسبة لي ليست فقط وسيلة للحصول على المعلومات، وإنما وسيلة لتوسيع طريقة التفكير. العامل في المجال الطبي يحتاج إلى المعرفة التخصصية، لكنني أعتقد أيضًا أن الثقافة العامة مهمة؛ لأننا نتعامل مع الإنسان بكل ما يحمله من أفكار ومخاوف وثقافة ومجتمع.
القراءة تجعل الإنسان أكثر قدرة على الحوار والفهم، وتساعده على النظر إلى الأمور من أكثر من زاوية. وأحاول أن أحيط نفسي دائماً بعادة القراءة والاطلاع، خصوصًا في المجالات التي تطور معرفتي الطبية والشخصية.
-
ما المجال الذي تطمح إلى التخصص فيه مستقبلاً؟ وهل لديك طموح لمتابعة الدراسات العليا أو الحصول على اختصاص تمريضي معين؟
طموحي المستقبلي يرتبط بشكل كبير بمجال الإسعاف والطوارئ، لأنه المجال الذي أشعر أنني أجد فيه نفسي، خصوصًا أن سرعة القرار والتعامل مع الحالات الحرجة والعمل ضمن الفريق كلها جوانب تستهوي اهتمامي.
وبالتأكيد لدي طموح لمتابعة الدراسات والتخصص بشكل أعمق؛ لأنني أؤمن أن التطور الأكاديمي والمهني يجب أن يسيرا معًا. وأتمنى أن أصل في المستقبل إلى مرحلة أكون فيها صاحب خبرة حقيقية يمكن الاستفادة منها، سواء في العمل السريري أو التدريب والتعليم.
-
في ختام اللقاء، أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟ وما الحلم المهني أو الإنساني الذي تتمنى أن تحققه في مسيرتك في مجال التمريض؟
بعد خمس سنوات، أتمنى أن أكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في التخصص والخبرة، وأن أكون أكثر حضورًا في مجال الإسعاف والطوارئ والتدريب. أتمنى أن أكون قد طورت نفسي أكاديميًا ومهنيًا، وأن أمتلك خبرة تجعلني قادرًا على تحمل مسؤوليات أكبر.
أما الحلم الأهم بالنسبة لي، فهو ألا تكون مسيرتي مجرد مجموعة شهادات أو مسميات وظيفية، وإنما أن يكون لها أثر حقيقي. أتمنى أن أساهم في نشر ثقافة الإسعافات الأولية، وأن أدرب أشخاصًا يستطيعون التصرف الصحيح في اللحظات الحرجة، وربما يكون أحد الأشخاص الذين تدرّبوا على يدي سببًا في إنقاذ حياة إنسان. إذا استطعت الوصول إلى هذه المرحلة، فسأعتبر أنني حققت جزءًا كبيرًا من الحلم.
-
ماذا تقول لكل شاب يفكر في دراسة التمريض؟ وهل تشجعه على دخول هذا المجال؟ وما النصيحة التي تقدمها له قبل أن يتخذ هذا القرار؟
أقول له أولًا: إذا كنت تبحث عن تخصص سهل، فالتمريض ليس الطريق السهل. أما إذا كنت تبحث عن مهنة لها قيمة ومعنى وأثر، فالتمريض يستحق أن تفكر فيه بجدية. هذه المهنة تحتاج إلى علم وصبر وتحمل ومسؤولية ورحمة، ولا يكفي أن تدخلها لأنك حصلت على مجموع يؤهلك إليها.
اسأل نفسك قبل اتخاذ القرار: هل أستطيع أن أكون حاضرًا عندما يكون الآخر خائفًا؟ هل أستطيع أن أعمل تحت الضغط؟ هل أستطيع أن أتعلم باستمرار وأتحمل المسؤولية؟ إذا كانت إجابتك نعم، فأنا أشجعه على دخول هذا المجال.
ونصيحتي الأهم: لا تدخل التمريض بحثًا عن وظيفة فقط، ادخله إذا كنت مستعدًا لأن تتعلم مهنة تحمل رسالة.
-
مع حلول العام 2025 حلت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية حول المئوية، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟
مئوية الثورة السورية الكبرى مناسبة تحمل قيمة تاريخية ووطنية كبيرة؛ لأنها تستحضر مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، وتفتح أمام الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف على تاريخها من مصادر موثوقة وبطريقة علمية ومتوازنة.
وأعتقد أن الاحتفاء بالمئوية لا ينبغي أن يكون مجرد مناسبة عابرة أو احتفالًا رمزيًا، وإنما يمكن تحويلها إلى مشروع معرفي مستمر. وهنا أرى أن المبادرات التي تجمع بين البحث العلمي، والشهادات التاريخية، والندوات، وتوثيق الروايات، وإشراك الشباب، يمكن أن تجعل المئوية مناسبة للتعلم وليس فقط للتذكر. ومن الجميل أن تقوم المؤسسات والمنصات الإعلامية والثقافية بدور في تقديم التاريخ للأجيال الجديدة بلغة قريبة منهم، مع الحفاظ على الدقة والموضوعية واحترام قيمة الحدث. وأرى أن أفضل احتفاء بالتاريخ هو أن نفهمه، ونحفظه، ونستخلص منه ما يساعدنا على بناء مستقبل أفضل.
-
كلمة أخيرة ترغب بتوجيهها عبر منصة حرمون؟
أود أولًا أن أشكر منصة حرمون على هذه المساحة، وعلى الاهتمام بتجارب الشباب وتسليط الضوء على المهن الإنسانية والمجالات التي تخدم المجتمع.
وأقول لكل شاب وشابة لديهما حلم: لا تستهينوا بالبدايات الصغيرة؛ فقد تبدأ بخطوة بسيطة، أو دورة، أو كتاب، أو فرصة تدريب، لكن الاستمرار هو الذي يصنع الفرق. لا تنتظر أن تصبح الظروف مثالية حتى تبدأ، ولا تجعل الصعوبات تقنعك بأنك غير قادر. طوّر نفسك، تعلّم، أخطئ وتعلّم من أخطائك، وابقَ قريبًا من الناس.
وفي المجال الطبي تحديدًا، أقول لزملائي: نحن لا نتعامل مع ملفات وأرقام فقط، نحن نتعامل مع أرواح وأشخاص وعائلات، لذلك ليكن العلم أساس عملنا، والإنسانية روحَهُ، والمسؤولية عنوانَهُ. وأتمنى أن أستمر في هذه المسيرة، وأن أتعلم أكثر، وأقدم أكثر، وأن يكون لي أثر طيب أينما كنت.
وفي النهاية، أؤمن أن أجمل نجاح يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يصبح وجوده سببًا في أن تصبح حياة شخص آخر أفضل. وشكرًا لمنصة حرمون وللقائمين عليها، ولكل من منحني فرصة لأروي جزءًا من حكايتي.












