المربّي معذّى حسن الجباعي بشهادة عمر لـ “حرمون”: ذاكرة الجبل وفلسفة التربية وسيرة عطاء بين الوطن والاغتراب

سيرة لا تُختزل وحصاد ثمانية عقود: ومضات الذاكرة ووهج رسالة التعليم وجذوة العمل الخيري‏

 

أطلقت منصة حرمون، منذ مطلع العام 1925، في سياق الاحتفاء بالمئوية الأولى للثورة السورية الكبرى، خطة الحوارات مع الأعلام والمفكرين ورجال الثقافة والأدب والعطاء الوطني والاجتماعي والقيادة، الذين لهم معرفة بواقع الثورة وحوافزها وتطوراتها ونتائجها، وبذوي قادتها وأبطالها وشهدائها وأسرهم، لإلقاء الضوء عليها من تلك الجوانب المنوّه عنها، ولإنصاف أهل العطاء والبذل، دما وجهداً وفكراً، بما تستطيعه المنصة في ظروف شديدة القسوة على شعبنا في سورية ولبنان وجوارهما لتشويه تاريخه وتفتيت هويته وكيانه وتقسيم وجوده القومي – الاجتماعي ونظرته إلى ذاته وتاريخه القديم المستمرّ إلى ما بعد المعاصر. 

وكمن يعابثُ بأنامله أوتارَ الذاكرة السحريّةِ فيتسللُ إلى ثناياها برشاقةِ غزالٍ وبخفّةِ فراشةٍ ولا يلبثُ سوى برهةليغوصَ في قيعانِ اللغةِ والتجاربِ مستطلعاً من أغوارِها الدررَ الجمان..

وحِين تَتحوّل الذّاكِرَةُ إِلى وَثيقَةٍ إِنسانيّة، وَيَغدو العَطاءُ لُغَةَ عُمرٍ بأَكْمَلِه، لا يَعُودُ الحِوارُ مُجرّدَ أسئِلَةٍ وإِجاباتٍ عابِرَة، بَلْ يُصْبِحُ رِحلَةً استِكشافِيّة في عُمْقِ التَّجارِبِ والْمَحَطّاتِ المِفصَلِيّة.

في هَذا الحِوارِ المَوْسوعِيّ الخاصّ بِـ منصة حرمون، نَستَضيفُ المُرَبّي والأَديبَ الأُستاذ معذّى حسن الجباعي، في وَقْفَةٍ استِثنائيّة تَستَعِيدُ حَصادَ زُهاء ثَمانِيَةٍ وَسَبعينَ عاماً مِن العَيْشِ والْمُكابَدَةِ والْمَعْرِفَة. حِوارٌ يَتَجاوَزُ الحُدودَ التَّقْليدِيّة لِيَغوصَ في أَغْوارِ الهُوِيّة واللُّغَة، وَيَبْرُزَ دَورَ التَّرْبِيَةِ في صِياغَةِ الوَجْدان، مُتَنقّلاً بَيْنَ ثَنايا الذّاكِرَةِ الشَّعْبِيّةِ والوَطَنِيّةِ لِجَبَلِ العَرَب، وَمَحَطّاتِ التَّدْريسِ والاغْتِراب، وصولاً إِلى النَّشاطِ الثَّقافِيّ والاجْتِماعِيّ والمُؤَلَّفاتِ الحاضِرَة.

عَبْرَ هَذِهِ المَكاشَفَةِ المُمَتَّدَة (في نَحْوِ سِتَّةِ آلافِ كَلِمَة)، يُقَدِّمُ الضَّيْفُ قِراءَةً نَقْدِيّةً وَتَوْثيقِيّةً جامِعَة، تَشْتَبِكُ فيها حِكاياتُ الأَصالَةِ والدَّخيلِ ورِجالاتِ الثَّوْرَةِ السُّورِيّةِ الكُبْرى، بِفَلْسَفَةِ التَّعْليمِ الحديث، وَهُمُومِ المَشْهَدِ الثَّقافِيّ والرّاهِنِ الاِجْتِماعِيّ. إنّها شَهادَةٌ عَبَرَتِ العُقودَ لِتَبْقى دَرْساً في الكَرامَةِ، والأَدَبِ، والإيمانِ بالإِنسان.

 

تنسيق وإعداد الإعلاميّة ميساء عبدالله أبو عاصي

 

المحور الأول: الذاكرة، الاسم، والجذور

*دلالات الاسم والجذور: في رحاب الكرامة وحماية الدخيل

*نساء الجبل والتضحية: حكايات الجدة والنخوة في دار المجيمر

*ومضات من الطفولة: رحلات المقرن الشمالي وشغف البدايات

*ذاكرة الحصاد: أهازيج الثورة وقصائد البطولة في الحقول

 

س1- نتشرف باستضافتكم في منصة حرمون، وحبذا لو تُعرّفون قرّاءنا وزوّارَ موقعنا بحضرتكم؟

جـ1- جاءت تحيتُكم معطرةً بكل أنواع الزهور والرياحين، شرفتم المنصة التي أشرقت بإضاءاتكم المتميزة، واستضافتكم الوقورة لي، والتي أعتبرها وساماً على صدري أعتز به وأفخر. لكم تحية التقدير والاحترام، ولكم أمنياتنا بالخير والسعادة، ودوام التألق. موقع حرمون أعتبره على رأس المواقع الإعلامية الناجحة لما يتضمنه من الصدق والصراحة والإيمان بجدّيّة العمل، والإخلاص فيه. لذلك يمتنُّ المتابعون له – وأنا أحدهم – ويشعرون بالأريحيّة التامة في مواصلة الأخذ منه، لأنهم ما يقرؤونه على صفحته فيه الثقة الكاملة بصدق النشر، والبحث، والتنقيب عن المعلومات المرغوب بنشرها. شكراً لكم على هذه الاستضافة التي باسترجاع ذكرياتي، تضيء لي ومضاتٍ من أيامي الخوالي في محطات حياتي التي أَعِدُّها قليلة إذا ما قارنتها بسنوات عمُري التي قاربت الثمانيةَ والسبعين عاماً. الاسمُ: مُعَذّى حسن الجباعي. وهذا الاسم ينتهي بالألف المقصورة حصراً لأنه اسمٌ خماسي. وهناك كثيرون ما يحطّون من قيمته، لأنهم لا يدركون عمقَ معناه، ولا يستوعبون مدى أبعاده المعنويّة المملوءة كرامةً وكبرياء. الجذرُ: (ع ـ ذ ـ و) و (ع ـ ذ ـ ي) عذا المكانُ وعذيَ المكانُ: طاب هواؤه. والعذيّةُ: الأرض الطيّبة، وزرعها لا يسقيه إلا ماءُ المطر. المُعذِّي: اسم فاعل، القادر على إكرام الضيف الدّخيل المطلوب، والرفعِ من شأنه، وتعذيته، وحمايته من كل أذى. المُعذَّى: الخالص الصافي، والطيّب المحترم، ذو المقام الرفيع في المجتمع، وبين الناس. هذا الاسم لا نجده في كلّ العالم الأجنبيّ والعربيّ إلا في منطقتنا ـ منطقة السويداء ـ والسبب يعود إلى عدم معرفة المعنى الدقيق لمضمونه خارجَها. الأمثلة كثيرة في تاريخ منطقتنا على تعذية الدخيل، وإكرامه، وحمايته، وبذل الدماء من أجل ذلك، ومنها: قصّة المجاهد واكد زهر الدين، وتعذية، وحماية ضيفه ودخيله الأمير سلطان بن حمود الرشيد الذي كان مطلوباً من قِبل الجيش العصملّي. وثَّقَ المؤرخون، وعدّوا السبب المباشر لقيام الثورة السورية الكبرى؛ هو الاعتداء على كرامة الثائر المستجير أدهم خنجر، بعد أن بذل قائدُها كلّ جهوده لإنقاذ ضيفه الداخل في حماهُ، والذي تمّ إعدامه من قِبل القوات الغازية. جباعي: مادّة (ج ـ ب ـ ع) ليس لها جذر في قاموس اللغة العربيّة، هناك في لبنان قريتان بهذا الاسم: جباع الحلاوة، وتقع في الجنوب. وجباع الشوف ـ ونحن انحدرنا منها ـ وتقع على السفح الغربيّ من جبال لبنان الغربيّة. وتسمّى السطح لأنها أعلى مكان مسكون في تلك المنطقة، ومنها ترى السواحل اللبنانيّة على البحر الأبيض. حيث جاءت تسمية عائلتنا من اسم هذه القرية التي تتميّز بصفاتها الخاصة. لها جذورها العميقة هناك، ولهذه العائلة ـ بعد أن استقرّت في الجبل ـ كان لها قصبُ السّبق في مشاركاتها في الثورة السورية الكبرى، فقد حملَ البيارقَ في معاركها ضدّ الاستعمار الفرنسي أربعُ قرى على مستوى جبلنا: نجران والمجيمر والشبكي وتعارة.

معذّى: مواليد 1949. الثالث بين إخوتي الستة، وكلّهم ذكور، ولم نُرزق بأخوات، فأعددنا ـ حسْبَ تربيتنا ـ كلَّ بنات قريتنا بأنّهنّ أخواتٌ لنا، ونعاملُهُنّ على هذه الصفة وهذه الصِّبْغة الأصيلة الطّيّبة التي تربينا عليها؛ بشهادة نساء وبنات جيراننا في مشروع بيت الجنازة في قريتنا أثناء تأبين المرحوم أخي (أبي وائل محمود) وكانت شهادتُهُنّ على الملأ صريحةً وواضحةً ـ والحمد لله. إذ وقفت جارتُنا الشهمةُ الأصيلةُ “سكرية فضل الله شرف” تُدلي بشهادتها، قائلةً: (بحياتنا يا أولاد عمي حسن ما شفنا منكم تطليعة غلط). شهادةٌ نعتزُّ بها ونفخر. ومن بين أخوتي الستة أخي مفيد الخامس بيننا، لقد نبغ منذ الرابعة من عمره يعزف على الشّبّابة “وهي الآلة الموسيقيّة المشهورة الوحيدة في منطقتنا في الخمسينيّات”، كان يعزف بمهارة، وله الأولويّة في حضوره المتألق في حلقات الدّبكة بين الرجال في المضافات العامرة، وبين الصبايا في كل احتفالات الأعراس. كان وقتها طفلاً وله شأنه الكبير في كل مناسبات الأفراح. يرقصون ويدبكون على صوت موسيقى شبّابته ذات الأنغام الشدية العذبة المتناسقة. وبقي مثابراً على سلوك طريق الموسيقى، وتخرّج في المعهد الموسيقي في دمشق بدرجة عالية. وحتى الآن له حضوره المميز في كل المناسبات.

حَبَوْتُ ودرجْتُ في دارنا الحجريّة المتواضعة المسقوفة بالقناطر والرّبَد ضمْنَ أسرة تتعامل مع الأرض ككل سكان قريتنا والقرى في هذا الجبل.

* منذ صِغري أستمعُ إلى أحاديث جدّتي أم والدي الوحيد (حسن) تتحدّث عن معركة المزرعة، وعن استشهاد زوجها محمود، وأخيها علي، وزوج أختها شحاذة. ترمّلت نساؤهم اللواتي رَبَّينَ أولادَهُنّ الصغار، وكان كبيرَهم والدي لا يتجاوز العشْرَ سنوات. وقد استطاعت جدّتي أن تبيع دورَهم وأرضَهم في قرية الدويري وبلدة نجران، وتأتي بهم إلى قرية المجيمر. اشترت لهم دوراً وأراضيَ ضماناً لمستقبل حياتهم، وأشرفت عليهم حتى شقّوا طريقهم في معترك الحياة، وكان ذلك بفضل تَحكُّمِ عقلها الكبير، وتدبيرها، وحنانها، وثبات رأيها، وقدرتها على مواجهة صعوبات الحياة. سأذكر نادرتين من نوادرها: ـ الأولى: من شدّة عطفها وحنانها، أرضعت أخي محمود عِدّةَ مرّاتٍ بعد رُملتها خمسَ عشْرةَ سنةً، وذلك أثناء غياب والدتي التي كانت ترافق والدي إلى الحقول أيام الفلاحة والزراعة. ـ الثانية: أمضت حياتها أرملةً، تشرف على تربية أولاد ابنها، وتحنُّ عليهم، تُظِلُّهم بظلِّها، وتغمرهم بحنانها، مستعيرةً قوّتَها من الرجال الأشدّاء. فقد ضحّت بصباها كرمى لأن ترى مَن حولها يعيش حياةً كريمةً، فكانت مثالاً للتضحية والعطاء. في يومٍ صيفيٍّ قائضٍ شديد الحرارة، حدثَ أن خرجت جدّتي من باب البيت بعد الزوال، فتفاجأت بأفعى سوداء مرقّطة. جَفَلَت الأفعى من زول جدّتي، فما كان من الأفعى إلا بنشبة سريعة تقترب من جدار المنزل المبني بالحجارة ذات المدماكين، ودخلت بجحره. لحقت بها بعد أن لفّت على يدها قماشَ مملوكها، ومسكت بمؤخّرة ذيلها، وبدأت بجذبها.. تشدّها للخارج مرّةً، وترخيها مرّةً. وفي كلّ مرةٍ تسحبها نحوها بِجَذَباتٍ قويّةٍ متتالية، حتى سحبتها خارج الحائط. وبكلِّ قوّتها وعزمها، أخذت تلوِّحُ فيها في الفضاء فوق رأسها بشكلٍ دورانيّ، وتصرخ بصوتها المستذئب: “فيَّ ولا بالأولاد… فيّ ولا بالأولاد”. ضربتها بالأرض بعد أن دوّختها، وشلّت حركتها، وقامت بهذه الحركة ثلاث مرّاتٍ متعاقبة حتى قضت عليها. رفعتها بيدها اليمنى إلى الأعلى فوق رأسها، وكاد رأسُ الأفعى يلمس الأرض. أرادت بكل فخر أن تضحّي بحياتها دون أن يُؤذى حفيدٌ من أحفادها، فهم دائماً يظلّون تحت ناظريها، تراقبهم كأنثى الصقر، تخشى عليهم من عثرات الحياة، وغوائل الدهر.

رحلتي إلى الشمال بصحبة جدّتي التي كانت تعشق المقرن الشمالي “تعارة والدويرة” كان عمري وقتها خمسةَ أعوامٍ. شدّت على ظهر الدّابة ما نحتاجه من مستلزماتٍ في غيابنا، عند الصباح الباكر وانطلقنا من دارنا في المجيمر نقطع الأراضي نمشي على دروب ترابيّة ضيّقة في السهول، من غرب قرية عرى، إلى الغرب من قرية كناكر، والثّعلة باتجاه سميع إلى الدور وتعارة. حللنا ضيوفاً عند أقاربنا، واحتفلوا بنا كثيراً. مكثنا أسبوعاً خلاله تعرّفت على الجميع، وكنت المدلّل بينهم، لأنني ضيفٌ من جهةٍ، ولأنني الأصغر سناً بين أبنائهم. شعرت وقتها بقيمتي الطفوليّة من خلال عاطفتهم وودّهم وحبّهم لي، حيث يذهب نزيه وغازي إلى البرّيّة ويصطادان العصافير، ويخصّاني بالحصة الأكبر. لم يتركا لعبةً في النهار إلا ويعتنيا بي، وجميع أهل البيت لم يتركوا حكاية أثناءَ السهرة إلا ويحدّثونني بتفاصيلها مصحوبةً بالمزاح الذي يتخلّله الضحك المملوء بالمرح والسرور. استأذنت جدّتي من مضيفينا، وانطلقنا إلى أقاربنا في “الدويرة” أمضينا ليلتين وكنا على الرحب والسَّعَةِ عندهم، وعدنا إلى تعارة، قضينا أسبوعاً آخر؛ وكأننا حللنا ضيوفاً عليهم من جديد. أحسست بعد أن كبرت قليلاً بأنّ مداركي أثناءَ وجودي بينهم قد اتّسعت، وكأنني اطلعتُ على دولة جديدة، أو على قارّةٍ لم أعهدها من قبل.

عندما كنتُ في الصف الثالث الابتدائي، كانت غرفة صفّنا مستأجرةً ضمن دار حجرية قديمة في وسط تلِّ القرية، وكان طريقي إليها يُجبرني أن أمرَّ على بعض سطوح جيراننا. كنا نأخذ “طبّوع الجلّة” المفروض علينا للتدفئة تحت إبطنا؛ أمُرُّ من أمام دار “أبي علي خير”، وفي أكثر الأحيان تكون “أم علي” خارج البوّابة الرئيسة، فألقي عليها السلام عن مسافة أثناء الذهاب، وأثناء الإياب، وبعد فترة سمعت من أهل حارتنا عن لسانها تقول: أتمنّى أن أسبقَ ابن حسن الجباعي بصباحٍ أو مساء. هذا الخبر المنتشر بين الناس أوعز لي أن أزيد من أدبي، وحفّزني على أن أستمرَّ في أسلوبي هذا في الحياة، وأحسستُ بأنني نلتُ فيه ثقةَ مَن حولي ـ وخاصة الكبارـ بمحبّتهم واحترامهم الذي عشش في داخلي حتى اليوم.

في بداية العطلة الصيفيّة بعد استلامي لجلاء الصف الخامس الابتدائي، بدأ موسم الحصاد بأرضنا الواقعة إلى الجنوب من تل غسان ـ نسبةً لمملكة الغساسنة ـ كانت سروتنا بعد طلوع الثُّريّا والميازين في السماء الليليّة المظلمة ذات النجوم المتلألئة. وصلنا قبل الفجر، شددنا الرُّكنتين بشباك المرس، وأنخنا الجمل بينهما، ورددنا الرُّكنةَ الأولى من جهة اليمين، والثانية من جهة اليسار، وحزّمناهما بأمراس المدار القويّ بواسطة الخطّافَينِ على الناحيتين. انتهينا من التحميل قبل بزوغ الشمس، قام الجمل، واعتدلت وقفتُه، لاحظنا بأن الحملَ ناكِسٌ للأمام باتجاه رأس البعير. أمعن والدي النظر فيه، وقال: الدربُ طلوعُهُ شديدٌ؛ ونكوسُ الحِمل إلى الأمام أفضلُ من أن يكون إلى الخلف. ركبتُ الدّابّةَ، ومشى الجمل أمامي، صعِد الطريق بهمّته القوية، وتجاوزنا منطقة “الدّيدبة” وطريقَها المستوي، وبدأ بالنزول باتجاه القرية، وأخذ خطرُ الحِملِ يتفاقمُ تزامناً مع مشية الجمل المعهودة. وصل إلى ساحة القرية، اختلَّ توازنُ الحمل، انقطع حبلُ الظفرِ المشدود تحت ذيله، ركع على ركبتيه، وبحركة سريعة كالبرق، انَّكسَ الحملُ إلى الأمام، سقط أرضاً، وحبلُ اللّببِ فَلَتَ من رقبته وانتفض واقفاً عارياً من “الشاغر” الذي بقي مشدوداً بحملِ القمح. انتابتني حالةُ الخوف والفزع على الجمل وحمله، ووقفت مذهولاً ليس باستطاعتي أن أفعل شيئاً. الجملُ بقي واقفاً وكأنه ينتظر ما سيجري. تفازع كلُّ من رأى المشهد، فكّكوا الحمل ـ دون أن أتدخّل ـ وأناخوا الجمل، وأعادوه على ظهره، وأوصلته إلى البيدر. كم ارتحت لهذه النخوة السريعة المستجابة من أهالي قريتي الكرام.

* كانت طفولتي مستودعَ ذاتي، وصندوقَ ذاكرتي؛ عندما أَسْري إلى الحقول أيامَ الحصيدة مع أهلي ككل أهالي قريتي – كانت ساحة القرية قبل بزوغ الفجر تعجُّ حركةً وضجيجاً، يشكّلون مجموعاتٍ متآلفة، متوجّهين إلى حقولهم في أنحاء البرّيّة الواسعة، يجمعون أرزاقهم وغلالهم. كان والدي ـ أثناءَ حصيدتنا ـ يحدّثنا حيناً، ويُطربنا، ويشدو لنا أحياناً حتى لا نَمَلَّ ولا نضجر، وحتى تبقى النخوةُ حاضرةً في دواخلنا. فيتناول بأحاديثه حكايا الموحّدين والصالحين، وأهالي الخير، وسوالف تغريبة بني هلال، والحكايا التاريخية، والمواعظ، فيعطينا ما عنده بكل هدوء، ونحن نغوص في أحاديثه تأمّلاً ودهشةً، نكتسبُ القيمَ الأخلاقية الرفيعة، وقد تربّينا عليها والحمد لله. كان بصوته الجَهْوَريّ العذب، وبذاكرته الحافظة، يغنّي لنا من قصائده الشعبية، أو قصائد المجاهدين، وشعراء الثورة السورية الكبرى التي تمجّد الثوار، وتوثّق بطولاتهم بقيادة قائدها (سلطان) ويعدّد المعارك والأبطال، ويتغنّى بالأمجاد. فمن مطالع هذه القصائد:

      يا   سلطان     السوريين               يا حْماة العرض والدين

     وحولك من بني معروف               مثل   صقور  الشياهين

هذا المطلع ينطبق على ما قاله الشاعر القروي:

 

خففتَ  لنجدة  العاني   سريعا               غضوباً  لو رآك  الليث  ريعا

وحولك من بني معروف جمعٌ         بهم ـ وبدونهم ـ تفني الجموعا

 

ومطلع آخر يوثّق الفترة التي غادر فيها سلطان إلى “النبك ووادي السرحان”:

ممنوع   الخبر    ممنوع                ممنوع عن كل البلدان

مش ممكن يثبت مشروع                ألزم  ما يعاود سلطان

سلطان  عليهن  سلطان

وكنتُ كثيراً ما أُسِرُّ لنفسي عن هذا الكم الهائل والغزير من القصائد الشعبيّة، وأتساءل: ألا يوجد في اللغة الفُصحى من تحدّث عن هذه البطولات؟ وعندما كَبِرْتُ، واطلعتُ، وبدأتُ البحثَ، وجدتُ الشعراءَ على مستوى سوريا، والوطن العربي، والمهجر، قد تناولوا الثورة والثوار، والمخططين لمعاركها، وشخصيّة قائدها، يَذْكُرونهم بالتفاصيل التي حققت النصر والجلاء. فكتبتُ، وقدّمت محاضراتٍ بذلك تحت عناوين كثيرة، منها: “شذراتٌ من مآثر الثورة السورية الكبرى بالأدب شعراً ونثراً”، و”لقاء العظماء: سلطان الأطرش والشاعر القروي”، و”عِقبان المعارك”، و”حاملو بيارق النصر” تتحدّث عن مجموعة من المغيّبين من مجاهدِي ومجاهدات الثورة، لا يتسع المجال لإحصاء أسمائهم وتضحياتهم التي قدّموها في تلك الفترة.

 

س2- كيف أثّرت دراستكم للغة العربية ودبلوم التأهيل التربوي في رؤيتكم للعمل التعليمي؟

ج2ـ دخلت الجامعة، وحصلت على الإجازة في اللغة العربية، وعندما كنت في السنة الرابعة، كتبت حلْقةَ بحثٍ دراسةً عن رواية الثلج الحار للسوفياتي “يوري باندرانوف” في مادة الأدب الأوروبي، وقدمتها للدكتور المشرف. أعجبته، وأثنى عليها، وقال: لو عاش الأدباء السوفيات مئةَ عام، وكتبوا كل يوم، لم يستطيعوا أن يغطوا الأحداث التي جرت في الحرب العالمية الثانية. وكنت أردّد في كثير من المناسبات: لو عاش أدبُاءُ العربِ عامة، وأدباء الجبل خاصة مئة عام، وكتبوا عن الثورة السورية الكبرى لم يستطيعوا أن يغطوا ما جرى من أحداث فيها. هذا ما أثرى فكرنا وخيالنا، في الاتساع بمعلومات عن كيفيّة الحروب التي تدمر، والمنتصر فيها خاسر بشرياً ومادياً ومنهك اقتصادياً. وكذلك أثناء ذلك العام كنا ندرس مادة الأدب المقارن، واطلعنا على اهتمام الألماني غوته بكتاب ألف ليلة وليلة وتأثيراتِها في العالم من خلال أثره الأدبي (فاوست) الذي وضّح عالميّة هذا الكتاب، وخاصة أثناء رحلته الطويلة عبر قرون: من الهند، إلى فارس، إلى العرب، إلى أوروبا. وله رأيه المشهور في ذلك، إذ قال: لا تدخلُ في ألمانيا وفيه مكتبة إلا وتجدُ أجزاء من ألف ليلة وليلة. في هذه الرحلة الطويلة كنا نعيش أحداثها باتساع المدى التاريخي والجغرافي والتأثير الأدبي الذي اكتسبته من ثقافة الشعوب التي عبرتها، وأخذتْ من هذه الشعوب واصطبغت بصبغتها. وكنا نلمّح لطلابنا حول رحلتها العالمية، فيسبح خيالهم في هذا العالم الواسع اتساعاً إثرائياً هاماً. ولولاها لما عرف عالمُنا اليوم تجزيء المسلسلات المتلفزة إلى حلقات، تنتهي كلٌّ منها عند حدث محفّزٍ ومشوّق للمتابعة في اليوم التالي. وكنت أُسقط ذلك على رحلة كليلة ودمنة في درس القصة للصف السابع وصولاً إلى تأثيراتها في أفلام الرسوم المتحرّكة للأطفال.

 

س3- ما أبرز التحوّلات التي لاحظتموها في التعليم بين مرحلة التدريس في الإعداديّات والثانويّات داخل ليبيا وخارجها؟

ج3- أثناء دراستي لدبلوم التأهيل التربوي، زادت معلوماتي عندما كنا نغوص في الاتجاه التربوي. في مرحلتَيّ الجامعة والدبلوم، أخذت عن أساتذتي الكثير من أساليبهم، وطرقهم التدريسية، وبالأخص الدكتور محمود السيد في محاضراته عن طرائق تدريس اللغة العربية، ابتداءً من الطفل. فكان يقول: لا تستهِن بالطفل، فهو إنسان له مداركه، وتعبيراته، وقاموسه اللغوي الخاص به. والدكتور فخر الدين القلّا في صبره وأناته بتجاربه التي يعتني بها في غرفة تقنيات التعليم، وتربيته للدجاجة التي يقيم عليها تجاربه، ليستخلص استجاباتها السلوكية التي أخذها عن العالم اسكنر، والعالم بافلوف. ودراسة مواد التربية المقارنة، وعلم النفس التربوي، والطفولة والمراهقة، وفلسفة التربية، وعلم المناهج المقارن، وهذا ما حفزني للهدوء والتروّي في طرق تعاملي مع الطلاب أثناء اغترابي ستَّ سنوات في القطر الليبي. أظهرت قدرتي على التعامل معهم لأنهم يتميزون بميلهم للعنف في حياتهم التعليمية في مدارسهم، وفي فهمهم للانضباط والأنظمة التربوية. استفدت في سنوات الاغتراب بالتعرّف على شرائح المدرسين المصريين الغارقين في التّديُّن الظاهري، والمدرسين السودانيين هؤلاء المثقفين الطيبين في تعاملهم وأخلاقهم، والمدرسين العراقيين وهم المبعدون قسراً أثناء حكم صدّام حسين، فكانوا شعلةً في التفكير الإنساني الإيجابي. كثيراً ما كانوا يطرحون عليهم الأسئلة الدينية، ومنها عن كيفية توقيت الصيام بين الدول على خط الاستواء، ودول اسكندنافيا التي يكون فيها النهار أربع ساعات، والليل عشرين ساعة. أو عندما تحِلُّ الليالي البيضاء التي تدوم أربعين يوماً في الشتاء لا يُعرف الليل من النهار. يحتدم النقاش ويخرجون بنتائج عقيمة. في لقائي مع أحد زملائي العراقيين، دار الحديث في تحليلٍ للعقليات البشرية في تنوّعاتها واختلافات طبائعها على مستوى المجتمعات في كلّ بقاع الأرض. قال: “كم من بشرٍ رُكِّبت لها رؤوس حيوانات، وكم من حيواناتٍ رُكبت لها رؤوس بشر، فليتحسّس كلٌّ منّا رأسه”. كم هي بليغة وواقعية هذه العبارة، وتغوص في تحليل الفوارق الأخلاقية والنفسية لأنواع البشر. تأثّرت بما أتحفني به المدرس السوداني عبد العزيز حسب الله، عندما عرف بأنني من جبل الدروز في سوريا. قال: عندما كنا في المرحلة الثانوية ـ في الصف الحادي عشرـ درسنا دراسة مقارنة قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي: “سلام من صبا بردى أرقّ”، والتي قالها عندما قصفت فرنسا دمشق عام 1926. وقصيدة الشاعر السوداني أحمد محمد صالح التي قالها عندما قصفت فرنسا البرلمان في 29 أيار 1945. ونقّلني تسعة أبيات مما كان يحفظه منها، وهذه بعضها:

صبراً  دمشقُ  فكلُّ  طرفٍ  باكِ               لما استبيح معَ الظلام حماكِ

جرحُ  العروبةِ  فيكِ  جرحٌ غائرٌ               بكتِ  العروبةُ  كلُّها  لبكاكِ

جُزعتْ  عُمانُ، ورُوِّعت بغدادُ واهـ ـ ـ ـ ـتزتْ  ربا  صنعاءَ   يومَ  أساكِ

وقرأتُ في الخرطوم آياتِ الأسى              وسمعتُ في بيروتَ أنّةَ شاكِ

كان لهذا اللقاء وقعٌ كبير في نفسي، عندما أدركتُ كم كان عظيماً موقف العالم في تعاطفهم مع ثورتنا ضدّ المستعمر الفرنسي. وكذلك ما أظهره مدرّس مادة المسرح الأستاذ “عبد الباقي عبد اللطيف محمد” وصرّح به مما تكِنُّهُ لواعج قلبه في عشقه لبلده السودان وذرّات ترابه النقية الصافية، مبهور فيها، مفتون بعشقها. فهي جنّته التي ابتعد عنها طلباً للعيش، قال:

حباتُ ترابك يا وطني مهرتني بالعشق المجنون

بهرتني بسؤال الدنيا عنك

عن كيف الحال وكيف تكون

حبات ترابك يا وطني ترقد جنبي كالحلوى

وأنا مشغوف حباً كالمجنون

لو خُيِّرتُ لسألت الله أن يعطي الجنّةَ للسودان

الوطن غالٍ، ويصبح ثميناً أكثر عندما يغادر الإنسان جذوره التي تعيش في أعماقه إلى ديار الاغتراب الذي يمزّقه خارج وطنه. ولكنّ الكارثةَ الصعبة عندما يكون غريباً داخله، فيعيش غريباً مع نفسه، وبين ناسه، وفوق ترابه.

 

س4- خلال سنوات التدريس، ما الموقف التربوي الذي بقي راسخاً في ذاكرتكم حتى اليوم؟

ج4- المواقف متعدّدة التي بقيت راسخةً في ذاكرتي على امتداد ستة وثلاثين عاماً من ممارسة مهنة التدريس، متنقّلاً بين صفوف مراحل التعليم من الصف الأول الابتدائي حتى السنة الخامسة في معهد المعلّمات في القطر الليبي ـ حسْب نظام التعليم عندهم. في بداياتي في التعليم، خُيّرتُ بين زملائي:  إما أن أستلم الصف السادس، وإما أن أستلم الصف الأول. كانت لي رغبةٌ في تعليم الصف الأول، وهذا ما أراده المدير بإشارة منه. دخلنا الصفوف، جاء تلميذ تقوده أمه من يده، وتدفعه كي يدخل المدرسة. وصلت به إلى باب الغرفة؛ تفاجأ بجوٍ جديدٍ لم يعهده من قبل، وقف، وانكمش على نفسه، ومدَّ قدمه اليسرى إلى الأمام، واليمنى إلى الخلف، وعَنّدَ بين يدي أمه، ورفض أن يدخل الصف. وقفتُ أتأمّل المشهد، وأخذت الأفكار التربوية تجول في رأسي. أوعزتُ لها أن تبتعِد عنه ـ التلاميذ داخل الغرفة بين هرج ومرج ـ اقتربتُ منه، جلستُ أمامه القرفصاء.

ما اسمُك يا شاطر؟ ـ صافي.

ـ انظر إلى ضوء الشمس، أأنت أصفى أم هذا النور؟

ـ رفع كتفيه بحركة عفوية بريئة تنمُّ عن الاستغراب، والتعجُّب.

ـ ما الذي يزعجك الآن؟ ـ قام بالحركةِ نفسها وقال: لا أدري. هنا هان الأمر عليّ، لأنّ المفتاح أصبح بين ييديّ. طلبت من أمه أن تبتعد، وأخذت رأيه، قائلاً له: ـ ما رأيُك؟ أن أهديَك ممحاةً جديدة وقلماً مميّزاً، وتدخلَ، فتحضرَ الدرس، وإذا ارتحتَ وأعجبك الدرسُ اليوم، غداً صباحاً سأعطيك دفتراً جميلاً. صفنَ قليلاً، وفكّر، قبِلَ ورضيَ، أعطاني يده، وهممنا ندخل الصفَّ. قلت له: ـ قلْ لأمك مع السلامة. ـ (أومأ لها بيده) مع السلامة ماما. استمرّت مراقبتي له، واستمرّت العلاقةُ أبويّةً صادقة بيننا. أحبّ المدرسة، وأحبّ زملاءه، وكانت نتيجتُهُ في آخر العام نتيجةً حسنَةً ولائقةً.

ـ حضر لي موجّه اللغة العربية الأستاذ المرحوم صياح جُهَيّم درسَ نصوص للصف التاسع، وبعد الانتهاء من شرح القصيدة، استلم الدرس، وسأل الطلاب عن العصر الذي ينتمي إليه الشاعر، وعن موضوع القصيدة، وكلّف بعضهم في إعادة شرح بيتين منها. فكانت الإجابات واضحةً بليغة قريبةً إلى الفصحى، عبروا عن موضوع القصيدة التي تحدّثت عن البطولة في ردّ الغزاة في العصر الجاهلي. أثنى على طريقة وقوفي أمامهم بكل ثقة، وبالتفاعل الإيجابي معهم. وفي غرفة المدير علّق على التوسّع في شرح البيت الشعري؛ حتى لا يضيع المتعلم بين طيات الجمل المعبرة، والأفضل ألا يتعدّى شرحُ البيت أكثر من جملتين أو ثلاثِ جمل. أضاءت لي هذه التوجيهات سلوكَ الطرق السليمة في الأساليب الناجحة لأدائها في كل فروع مادة اللغة العربية. في القطر الليبي في مدرسة خالد بن الوليد للتعليم الأساسي، حضر لي درساً في الصف السادس موجّه اللغة العربية (الهادي الغواري) وكان نفسه على رأس مجموعة اللجنة الفاحصة في المقابلة التي مَثَلْتُ أمامها يوم وصولي إلى مدينة سرت. أعجبه سير درس القراءة، وتوجيهي للتلاميذ بتحفيزهم للحديث باللغة الفصحى بدلاً من لهجتهم العامية. وبعد الانتهاء من الدرس قال لي: مكانك ليس هنا، سننقلك إلى المرحلة الأعلى في المدينة. وعندما حضر لي درساً في مدرسة سلمان الفارسي، أكّد لي بأن مكاني ليس هنا، ونقلني إلى ثانوية عقبة بن نافع، وبعدها إلى معهد المعلمات. لقد أعجب بنطقي السليم لمخارج الحروف، وقواعد النحو في لفظي للكلمات المسبوكة داخل الجمل المعبرة. وقد استفاد مني في أسلوب التعليم، وعندما أطلعته على كتاب طرائق تدريس اللغة العربية، أبدى إعجابه به كثيراً، فقدّمته هديّةً له. وعندما التقيته في أمانة التعليم، شكرني على ما وجده في هذا الكتاب الذي لم يقع على مثله، لأنه فتح له أبواب المعرفة الصحيحة والسليمة في أساليب طرائق التدريس الحديثة.

 

س5- ما الذي أضافته لكم تجربة التفرّغ في مكتب مجلة “المعلم العربي” على المستوى المهني والفكري؟

ج5ـ تجربة التفرُّغ أتاحت لي التوسّع في التعرُّف على أدباء المحافظة. جمعت أرقامهم الهاتفية وقمت بالاتصال بهم لتزويدي بنِتاجاتهم الأدبية على مختلف أنواعها، وقد جاء في أحد أعداد المجلّة ثمانيةُ مشاركين من المحافظة بموضوعات متعددة. فبتاريخ هذه المجلة لم يطلبوا المشاركة من كتّاب محافظتنا حتى ينشروا لهم. وفسح لي التفرّغ مجال الانكباب على المطالعة، إذ اشتركتُ في المركز الثقافي ببطاقة للاستعارة، واستفدت من الوقت في كتابة المقالات، ونشرها في الصحف الدورية. وكذلك في حضور الندوات والأمسيات إن كان في المراكز الثقافية، أو في مضافات المهتمين بالثقافة، والتجمُّعات الأدبية. وخاصة مثقّفي التجمّع الأدبي، فكانوا يتناولون الأثر الأدبي ويشرّحونه تشريحاً نقدياً دون مواربة أو مخاتلة، أو مداراة لكاتبه، فكان نقدهم تقييمياً وتقويمياً. عند ذلك يعود صاحبه لصياغته، فيخرج إخراجاً ثانياً، يلبس حُلَّتَه الجديدة بالروعة والتألّق إشراقاً وإمتاعاً، فيتّسع الأفق الفكري عند الجميع، وتزداد ثقة الكاتب بنفسه، وينتج إنتاجاً لائقاً. لذلك تخرّج الكثير من أدبائنا الكبار في هذا التجمع على المستويات العالية، وإلى المستويات الراقية.

 

المحور الثاني: الفكر اللغوي وفلسفة التعليم

رحلة اللغة والأدب: من “الثلج الحار” إلى “ألف ليلة وليلة

بين الشام وليبيا: سنوات الاغتراب وتجارب التدريس

مواقف لا تُنسى: درس “الصف الأول” ودعم البدايات

الإعلام التربوي: مجلة “المعلم العربي” وجسور التواصل

 

س6- هل رأيتم الإعلام التربوي امتداداً للعمل التعليمي أم مجالاً مختلفاً تماماً؟

ج6ـ الإعلام التربوي يعمل على التنشيط في مجال الارتقاء بالعملية التربوية، وهذا ما كانت تدأب على نشره مجلة المعلم العربي، ومجلة بناة الأجيال، ومجلة المعرفة في الموضوعات التي تعمل على التوجيه في العملية التربوية للمعلمين والمتعلمين في كل ما هو جديد في المواضيع الفلسفية، والنفسية، والتعليمية الداخلة في صلب الطرق الصحيحة لتقويم السلوكيات، والسير بها في السبل المستقيمة، وبناء جسور الثقة بين الأسرة التعليمية والأسرة البيتية، ولتعميق التواصل بين المدرسة وأولياء الأمور. ما أجمل أن تُدرسَ الحالةُ النفسية والاجتماعية للمتعلم، ويتمَّ التواصلُ مع الأهل لحل المشاكل العالقة!

 

س7- ما القضايا التربوية التي كنتم حريصين على طرحها أو الدفاع عنها في تلك المرحلة؟

ج7ـ كان التركيز على العلاقات التربوية الأصيلة لبناء جيلٍ واعٍ، ابتداءً من المتعلم نفسه. فقد قمت بشرح وتوضيح القول الآتي الذي يضمن له ثقته بنفسه في محاضرة بعنوان “العلاقة التربوية بين البيت والمدرسة”.

دواؤك  فيك  فما  تبصر            وداؤك  منك  فلا   تشعر

وتحسب أنك جِرْمٌ صغير           وفيك انطوى العالم الأكبر

هذا ما ذهب إليه عالم التربية جون ديوي الذي قال: إن التربية هي انكشاف للقوى الطبيعية، وهي انفتاح لطبيعة الطفل الخيّرة، وليست لطبيعته الشريرة. وأكّد العالم “بيير بوردو” على السلطة بأن تستعمل العنف الرمزي، وتبتعد عن العنف القسري، فالنشاط التربوي يصبح سلوكاً صحيحاً إذا دعمناه بالثواب والعقاب؛ بشرط ألا تُغتَصبَ طبيعة الإنسان. جميل أن نستثمرَ هذه الأساليب بشكل صحيح بين الأسرة التربوية عامة، وبين المعلمين والمتعلمين! وبين هؤلاء جميعاً! وصولاً إلى الإداريين. وتكون متأصّلة بين هذه الفئات وأولياء الأمور. وقد ركّزتْ هذه النظريات في هذا الخصوص على العلاقة التربويّة بين البيت والمدرسة، ونبّهت إلى الجديّة عند الأهل تجاه أبنائهم، والابتعاد عن التدليع والتهريق والميوعة، وعدم إعطائهم المصاريف الزائدة التي ستكون سبباً في انحرافهم في الحياة، مع الالتزام باتباع الطرق التربوية الأخلاقية السليمة، ولفَتتْ نظرَ الأهل إلى مراقبة أبنائهم في تصرفاتهم؛ مع انتباههم الزائد إلى معرفة انتقاء الأصدقاء. نكون بكل ذلك قد توصلنا إلى بناء جيل يُعتمد عليه في كل مفاصل الحياة.

 

المحور الثالث: التجربة الأدبية والمؤلفات

رحلة الكتابة الأولى: بين رثاء الشهداء وشغف الفلك

أسرتي والوطن”: ديوان يختزل الشوق والذاكرة والوجدان

العسل المر”: معاناة الاغتراب وإرادة النجاح في الصحراء

دور الأدب اليوم: قوة الكلمة أمام طغيان المادة

 

س8- كيف بدأت علاقتكم بالكتابة: أبالشعر أم النثر أم التأريخ؟

ج8ـ (الكتابةُ هي الصوت الداخلي للإنسان ليعبّر عن رأيه، فالإنسان بلا رأي هو إنسان بلا حياة). بدايات محاولاتي في الكتابة منذ المرحلة الإعداديّة، وقد كانت موزعةً بين اتجاهين: الاتجاه الشعري الفوضوي، لأنني لم أكن على دراية بالبحور الشعرية وتفصيلاتِها. كنت أعتمد على الجرس الموسيقي دون القواعد الأساسية للبيت. لكنني استطعت أن أنسج قصيدة من اثني عشَر بيتاً في رثاء الشهيد كامل عقاب الجباعي؛ وكانت قريبةً جداً إلى الأسلوب الصحيح في وزنها وقافيتها، وتسلسل أفكارها. وكان ذلك في بداية المرحلة الثانوية في 23 شباط 1966. كنا أيامَ اقترابِ الامتحانات، نحمل كتابنا إلى البرية الواسعة، نمشي على الطريق، ونقرأ بصوت عالٍ. ساقني حظي في صباح أحد الأيام، وأنا أصطحب كتاب العلوم للصف التاسع، وأقرأ في بابه الثاني الذي كان مخصصاً لدراسة مبادئ علم (الكون) وأجرامه السماوية؛ أقرأ مستمتعاً في هذا الباب الذي كان جديداً نطّلع من خلاله على الفضاء الخارجيّ الذي يحيط بنا، ولا نعرف عنه شيئاً. اقتربتُ من بيت شَعرٍ منصوب على مقربة من بركة (وتر) إلى الجنوب من قريتنا، مررت قربه، سلمتُ على صاحبه الذي يجمع اليابسَ من الأشواك والأعشاب ليوقدها؛ وبصوت عالٍ، يدعوني أن أدخلَ البيت المتواضع المرفوع على أعمدة. قعدتُ على فراشٍ أعدّه لي بسرعةٍ. سقاني من قهوته المُرّة، ومدّ سالفةً تتحدّثُ عن ثلاثة من أبطالنا المجاهدين المحكوم عليهم بالإعدام بقطع رؤوسهم بالسيف أيام الحكم العثماني. وبعد أن تمَّ قطعُ رأسي اثنين منهم أمام الثالث؛ تدحرج الرأس الثاني ولسان حاله يردد: (باطل…. باطل … با) زمجر الثالث، وهجم على جلّاديه، وتغلّب عليهم، وفرّ من الباب إلى الخارج، دخل غِيلاً من شجر العُلّيق الكثيف ـ وباختصار للقصة هنا ـ كُتبت له الحياة. استمرّ محدّثي قائلاً: إنّ هذا الرجل لا يزال على قيد الحياة، وقد تجاوز الثمانين من العمر، وأمضى حياته يتلعثم بكلامه، وتهتزُّ أعصاب أطرافه من هول ما جرى له. كتبت هذه القصة تحت عنوان (سفاح يحكم) متأثراً بأحداثها. كانت محاولاتي في الكتابة حول الصعب المرّ في الحياة: استشهاد كامل، والمجاهد الناجي من براثن مجموعة السفاحين. أدركت لاحقاً، بأن المرَّ هو الذي يحفّز على الكتابة والتوثيق في صياغة أدبية تاريخية أو شعرية.

 

س9- إلى أي مدى يعكس ديوانكم الشعري ـ قيد الطباعة ـ تجربتكم الشخصية والتربوية؟

ج9ـ وضعته تحت عنوان: (أسرتي والوطن) لأن الأسرةَ وطنٌ، والوطنَ أسرةٌ، وهذه علاقة وطيدة ومتينة بينهما. تناولت فيه تجربتي الحياتية في وطني ـ الذي أصبحنا غرباء فيه ـ واغترابي خارجه إلى القطر الليبي. فيه الشوق والحنين للأم والإخوة والأرض والذكريات. فقد جاء مزيجاً من العواطف الصادقة، لأنها تجاربُ صادقة. خصصت حيّزاً من عناوينه للأحداث العالمية، والداخلية، التي أثّرت على مجريات الحياة اليومية الصعبة، والتي أنهكت الجماد والعباد. وثّقت للمجاهدين منذ أوائل القرن العشرين، والمصائب التي حلّت على أرضنا خلال مئة سنة، وصولاً إلى الهجمات المرعبة في الأربعاء الأسود على قرى المقرن الشرقي، ومثلُها ما حلَّ بنا في السنة الفائتة.

 

س10- رواية “العسل المر” عنوان يحمل مفارقة واضحة… ما الفكرة الأساسيّة التي تدور حولها دون حرق تفاصيلها؟

ج10ـ هذه الرواية تحدّثت عن معاناة أبنائنا في اغترابهم، وتحمّلهم مصاعب العيش، والتعايش، والتّأقلم، ثمّ النجاح في آخر المطاف. بطلها (ماهر) الذي قَبِلَ أن يعمل أميناً لمستودعٍ ناءٍ في صحراء إمارة (أبوظبي). المستودعُ كبير وعريض ومرتفع، فيه كل أنواع صناديق البضائع. وركزتُ في حوادث هذا المستودع على كيفية تأقلم ماهر مع الجراذين. إذ استيقظ في الهزيع الأخير أثناء إحدى الليالي على قضمِ جُرذٍ أصابعَ قدمه، وقد اتخذ أحد الجراذين صديقاً له، يؤنسه في وحشة مجاهل هذه الغربة التي يبتعد بها عن أهله وعن البشر التي تبعده المسافاتُ عن البنايات، وصخب المدينة، وهو الذي يحمل شهادةً في التجارة والاقتصاد. ارتضى بهذه الوظيفة المتواضعة كحالةٍ إسعافية أوليّة، ثمّ ارتقى إلى درجاتٍ أعلى وأعلى، حتى أصبح محاسباً عامّاً لهذه الشركة. هذه حادثة من مكابدات أبنائنا في الاغتراب، وإظهار مقدرتهم على تحمّل المشاقّ والصعوبات، ومن بعدها يأتي الفرج بالنجاح في المثابرة بالقدرة على التصميم بإرادة قويّة.

 

س11- هل ترون أن الأدب اليوم ما زال قادراً على التأثير في الواقع الاجتماعي كما كان سابقاً؟

ج11ـ الأدب فيه عمق التأثير في المجتمعات في كل زمان ومكان، لأنه يتحدّث عن همومها بطرحه للمشاكل العامة، وبغوصه في إيجاد حلولها، وبتوجيهه إلى النتائج. فكم من رواية قلبت موازين حكومات ودول! وكم من مقالٍ نبّهَ الفقراءَ والعمال والفلاحين للمطالبة بحقوقهم من حكّامهم الظالمين! وكم من قصيدة ألهبت مشاعر الجماهير في الدفاع عن الشرف والكرامة، وحققت حلمها في الوصول إلى غايتها في النصر والتحرير! وإذا توقفنا قليلاً عند ما يحدث اليوم، نرى بأنّ المادة طغت على العادات الأصيلة، وقللت من قيمتها. وتبرّمَ الكثيرون، وابتعدوا عن الإصغاء، وسماع الأدب والأدباء بشيء من عدم الاكتراث بهم، وبما يطرحون؛ وهنا تحِلُّ الكارثة. فبدلاً من إلهاب الجماهير بقصيدة تثوِّرُهم، وتحفِّزهم، جاء إخمادُ المشاعر بحفنةٍ من الدولارات؛ ومع هذا فالأدب يبقى أدباً، وله قيمته الأولى في رفعِهِ للشأن الإنساني.

 

المحور الرابع: العمل الأهلي والمشهد الثقافي

جمعية المجيمر الخيرية: ثقافة العطاء وتكافؤ المجتمع

الإبداع والمشهد الثقافي: بين حرية الخيال والواقع الصعب

مكاشفة وختام: التحديات المادية ومرحلة ما بعد التقاعد

 

س12- ما الدافع الحقيقي وراء تأسيس جمعية المجيمر الخيرية؟ وهل كانت فكرة فردية أم حاجة مجتمعية ملحة؟

ج12ـ كتبت مقالاً حول (الجمعيات الخيرية ما لها، وما عليها) وطرحت وقتها في عام 2004 الحلول التي تقدمها الجمعيات للأسر المستورة. وكشف لنا طرح اسم جمعية المجيمر الخيرية بانهيال التبرعات من أصحاب النفوس السمحاء المعطاءة داخل القرية وخارجها، وفي بلاد الاغتراب، ولايزال تنظيم عمل الجمعية بإداراتها المتعاقبة، وبالتزامها المستمر، تأخذ باليد اليسرى وتوزع باليد اليمنى بدقّة ودراسة، ودراية تامّة، وأمانة موثوقة. تعزّزت الفكرة الفردية عندما قرّر كل الشباب الأصدقاء الخيّرين الانطلاق إلى عمل الخير. وهكذا كان، وتحقّق.

 

س13- كيف تقيّمون دور الجمعيات الثقافية مثل جمعية الثقافة والإبداع في تنشيط المشهد الثقافي المحلي؟

ج13ـ للإبداع قيَمٌ إنسانية مشرقة، ولولاه لما نهضت الأمم، وتقدّمت البشرية، وتوصّلت إلى ما هي عليه اليوم. الإبداع يكون عملاً ونتيجةً، وليس بلا فائدة، وحكياً سفطائياً، ومنصباً للبروز. والإبداع ليس قصيدةً ألقيتُها بصوت عالٍ؛ وصفّق الحضور لي، وقال: أبدعتَ، وقدّمتَ شيئاً جميلاً. فالإبداع ثورةُ تغييرٍ في الإنسانية كلّها. وغيابه يودي بنا إلى الضياع، وهو عطاء من داخل خيال حرٍّ. ونحن الآن ليس لدينا حريّة، فنحن في ظلِّ هذه الأنظمة التي تغتال الخيال الحر والعقلَ المنفتح سنبقى منغمسين في أوحال التخلّف واللامسؤولية. كنت قد قدّمت محاضرةً في هذه الجمعية تحت عنوان (الذكاء والإبداع ودورهما) وبعد أن انتهيت، لم أتلقَّ تعليقاً واحداً، أو استفساراً واحداً أو تفاعلاً من أحدهم. فالإبداع عقلٌ وعملٌ. وأعطيت مثالاً على المخترع أبي نزار سعيد مليح الذي أنتج لدولتنا الغرّاء اثنين وسبعين اختراعاً، ولم يعترفوا له بعملٍ واحدٍ أبداً، وحاربوه محاربة شعواء، واغتالوا جائزةَ براءة اختراعاته التي كاد أن يحصل عليها، ولم تصله، أو يتّصلوا به. فالإبداع ميّتٌ ومدفون في الغباء. وفي مقال نُشِر في مجلّة العربي الكويتية العدد 290 سنة 1983 للدكتور كمال أبو المجد تحت عنوان (المستقبل العربي مهدّد بالاغتيال) فقد أكّد أن التهديد الأول هو غياب الإبداع والمبدعين.

 

س14- ما العلاقة بين العمل الثقافي والعمل الخيري في تجربتكم الشخصية؟

ج14ـ علاقةٌ وطيدة ومتماسكة. فتقديم الخير، والعمل فيه، يحتاج إلى معرفة عند استطلاعنا للمجتمع من حولنا. والمعرفة كلٌّ متكاملٌ ضمن العملية الثقافية، لأنها ثقافةٌ اجتماعية بامتياز، ودراسة مجتمعيةٌ بعمقٍ وتمعُّن. صاحبها يستطيع أن يتلمّس المعوقات، ويضع لها الحلول بما يرضي الضمير المجتمعي والإنساني كافة دون مَنٍّ أو حَيْفٍ أو استعلاء، مع التأكيد على ثقافة المحافظة على كتْمِ الأسرار دون تشهير أو تجريح، وهذه تحتاج إلى تربية نفسية كتومةٍ وصبورة. فالعمل الخيري ليس معوناتٍ ويتمُّ توزيعها بشكل عادل فحسب، بل هو قيَمٌ أخلاقية عالية، تحتاج إلى نفوسٍ رياضية، تزرعها وتوزعها بين الناس.

 

س15- بعد كل هذه التجارب، ما الذي تعتقدون أنه ما زال ينقص المشهد الثقافي والتربوي في السويداء؟ وفي سورية عموماً؟

ج15ـ كنت قد قدّمت نُبذاً عن الثقافة، والمشهد الثقافي عامةً. منها: أ ـ الفرق بين المفكر، وهو الذي يشتغل على المستوى النظري التجريدي. والمثقف وهو الذي يتحرّك على المستوى العملي. ب ـ الأدب والمجتمع دراسةُ مقاربةٍ سوسيولوجيّة. فالأدب في علم الاجتماع يتجاوز حالةَ الإبداع الفردي. العمل الأدبي لا يُقرأ فقط بوصفه نصّاً جمالياً، بل باعتباره إنجازاً اجتماعياً مُتشكّلاً ضمن منظومةٍ من العلاقات التاريخية والاقتصادية والسياسية والثقافية ـ أين نحن من كل هذا؟! ـ وقد نبّهَ جورج لوكاش بأنّ الأدب ليس محايداً، بل يتحدّدُ ضمن الحقل الثقافي الذي تحكمه قواعد التناغم الرمزي، وآليّاتُهُ المتنافرة. فالأدب والتربية حقلان ضمن الثقافة، فإذا غابت الثقافة أصبح كلاهما تخبُّطاً وضياعاً، وهذا ما ينطبق على حالتنا التربوية الأدبية الثقافية في ظلِّ هذه الأوضاع المشينة.

 

س16- هل واجهتم خيبة أو صداماً بين طموحكم الفكري والواقع العملي؟ وكيف تعاملتم معه؟

ج16ـ كثيراً ما سُئلتُ سؤالاً حساساً ومهمّاً. يقولون: لماذا لم تُكمل دراساتك العليا بعد دبلوم التأهيل التربوي؟ فيكون الجواب بسيطاً وصعباً في آنٍ واحد. إذ كانت الحالة المادّيّة هي العائق في مسيرة الطموح والوصول إلى مستوى تعليمٍ أعلى. والأمثلة كثيرة على تلك التي كنا نعاني منها: منذ صغري وأنا في أصياف المراحل الابتدائية، كنت أشتغل داروساً على بيادر ميسوري الحال. وأتقاضى أجرتي أيّ نوعٍ من أنواع غلال الموسم، ليشتري والدي لنا جزءاً من كسوة الشتاء، واللوازم المدرسية، وفي المرحلة الإعدادية في فصول العطل الصيفية، نسافر إلى لبنان، نقضي ثلاثة أشهر لنجلب معنا جزءاً مما يكفينا لقضاء حاجات الشتاء. والأمرُّ من ذلك: أثناءَ تقديمي لشهادتَي التاسع والثالث الثانوي، كنت أذهب في الجوّ البارد مع والدي إلى زراعة (الصحراء) ألقط وراءه بذور البطيخ والقثّاء والبامياء وعباد الشمس، وكتابي بين يديّ. فما بالُكَ بالدراسات العليا التي تحتاج إلى المصادر والمراجع من مكتبة الكلية أو المكتبة الظاهرية…. وكل ذلك يحتاج إلى الجو الهادئ والمريح، والجلوس على كرسي خلف طاولة الكتابة، ونثر المراجع أمامي وحولي، فكل هذا كان عائقاً أمامي لمواصلة الطريق. فيجدون الجواب مقنعاً. فعلى مستوى قريتنا لا يوجد شخصٌ نال درجة الدكتوراه في أي مجال علمي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. مع أننا نجد مجموعةً من الأشخاص العسكريين الضباط وصف الضباط، اختاروا طريق التطوّع لأنه الأقرب لتأمين الحياة المادية. وبعد تقاعدهم لجؤوا إلى سهَرات الورق والمشادّات الكلامية بينهم. وأحلف ألف يمينٍ بأنهم لا يمسكون كتاباً أبداً، إلا ما ندر منهم. أما أنا انكببتُ على دراستي الجامعية، وتخرّجتُ فيها، واقتنعتُ بما وصلتُ إليه، ولم أتوانَ في متابعاتي للمطالعة، والبحث، وحضور النشاطات الأدبية. وكلُّها طرقٌ مفضّلةٌ لديّ لأنها تغذي الروح والعقل والفكر.

 

س17- ما الذي تغيّر في نظرتكم للحياة بعد التقاعد: هل هو بداية جديدة أم مرحلة مراجعة؟ أم كلتاهما معاً؟

ج17ـ بعد إحالتي إلى التقاعد لم أجد فراغاً إلا ما ندر، تابعت زملائي المهتمين بالشؤون الثقافية، أحضر بينهم، أتفاعل معهم، أشاطرهم الآراء المختلفة، وهذا ما ساعدني عليه انتقالي من قريتي إلى المدينة، استفدت، واستفاد ولدايَ في ارتيادهم للمركز الثقافي بشكل مستمرّ. وكان هذا الانتقال امتداداً لسنوات تفرّغي في مكتب مجلة المعلم العربي في البحث والكتابة، والعودة إلى مخزوني الداخلي، ومن مطالعاتي الدائمة.

 

المحور الخامس: الرؤية الأدبية وفلسفة الوجود

الأثر الأدبي بين غيرة الأب وأمانة القارئ

التشكّل الثقافي: رحلة بحث لا تنتهي في كون متسع

رسالة الكاتب: أن تترك أثراً ولا تمر مروراً عادياً

 

س18- ماذا تريدون أن يقرأ الناس في أعمالكم بعد سنوات من الآن؟

ج18ـ حبّذا لو استطعت؛ أو أستطيع أن أنشر روايتي وديواني، لأن النِتاج الأدبي عند الإنسان بمثابة الأولاد في محبّتهم، والغَيْرة عليهم، وأؤكد بأن القارئ لهما سيجد فيهما الجديد والممتع.

 

س19- هل تشعرون أن مشروعكم الأدبي تشكّل أم أنه ما يزال قيد التشكل؟

ج19ـ مهما عمل الإنسان في حياته في كلّ المجالات، يرى بأن عمله يبقى في طور التشكيل، وإذا قلت غيرَ ذلك أكون مغالياً بحقّ نفسي، وبحقّ هذين العملين. ربما ألتقط ورقةً من على قارعة الطريق، وأقرأ محتواها، فيفتح لي هذا المحتوى باباً من أبواب البحث عن معرفة الموضوع المطروح الذي لم يكن في حُسباني. وكثيراً ما أنقذت كتباً من الحرق أو الإتلاف من بين يدَيّ من لا يعرف قيمتها. مع كل ذلك كيف لي أن أقولَ بأنني توصلت إلى التشكّل الثقافي أو إلى درجة عالية منه، فهذا سيكون ادعاءً كاذباً. فأنا لا أخوض فيه ولا أتمثّله. عندما قرأت كتاب الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون لمؤلّفه (استيفن وينبرغ) وجدت بأن العالم والكرةَ الأرضية وما عليها كلُّها أصغر من أصغر ذرّة من هذا الكون الشاسع. فأين لي من التّشكُّل في هذا المُتّسع اللامتناهي. ورغم اتساع هذا الكون، وصغر الإنسان فيه، يجب أن يعطي حتى لا يمرَّ في تاريخ البشرية مروراً عاديّاً. وصدق المثل العامّيُّ القائل: (كم رجلٍ يُعدُّ بألفِ رجلٍ، وكم رجلٍ يمرُّ بلا عِداد).

 

المحور السادس: وصايا تربوية للجيل الجديد

عن أمانة التعليم: حتى لا يشرب الطلاب من مياه آسنة

رسالة للكتّاب الشباب: التدقيق لغة الاحترام مع القارئ

 

س20- ما النصيحة التي تقدمونها للجيل الجديد من المعلمين والكتّاب؟

ج20ـ أثناء دوامي في كلية التربية، وحضوري الدائم لمحاضرات الدكتور محمود السيد، كان يقول دائماً: (سئل أحد المعلمين المتمرّسين عن سبب تحضيره الدائم للدروس، فيجيب: حتى لا تشربَ طلبتي من مياه آسنة). الجيل الجديد من المعلمين لهم هذه الملاحظة الهامّة التي لا يدركها إلا من جرّبها، ووقع فيها. إذ لاحظت الفوارق بين المعلمين الذين يشتركون في تصحيح أوراق امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية؛ ومَن لا يشاركون فيها. المشاركون أكثر دقةً في الإعطاء والعطاء، وطرح الأسئلة، ودقّة الإجابة عنها؛ فهم يتمسّكون بحقّ الطالب ليحصَل على درجته الحقيقية، إن كان ذلك في المذاكرات أو في الامتحانات. وكذلك يتوخّون الدقة في طرح الأسئلة، وتثبيتها لتكون الأجوبةُ ممنهجةً موازيةً للأسئلة الموضوعية كي لا يضيع الطالب أثناء الإجابة، فهؤلاء المشاركون يبتعدون عن العشوائية، والعجلة، والاستهتار، وعدم المسؤولية. وكلٌّ منهم يضع نفسه مكان المتعلم بكلّ مواقف الحياة المدرسية: بفرح الطالب وسروره بالنجاح، وحزنه وكمده، وإحباطه في الإخفاق. وهذا من أساسيات العملية التربوية، ومسيرتها الناجحة. فيما أسجّله لأصدقائي الكتّاب من الجيل الجديد، ما يلي: في أحد اللقاءات أهداني أحدهم كتاباً من تأليفه، فتحته بالمصادفة، وبدون تعيين، وقعت عيني على أخطاء في صفحة واحدة. سألته: هل دققت كتابك؟ أجاب: لقد أعدته مرتين. فقلت له: انظر ما وجدت في هذه الصفحة. ولو كنتُ مكانك لعدته مليوني مرة حتى يخلوَ من مثل هذه. وكنت كلّفت كلَّ زملائي بمراجعته للأخذ برأيهم. الأخطاء تعتبر عدمَ احترامٍ للقارئ، واستهتاراً به. فتكون ردّة فعله: التّبرّمَ، واستصغارَ المؤلّف، ورميَهُ الكتابَ جانباً.

 

المحور السابع: ذاكرة مئوية الثورة السورية الكبرى ورسالة الوفاء

مئوية الثورة السورية الكبرى: رؤية وطنية في وجه التجهيل

مركز سميح للتنمية: إحياء التراث النضالي ووثائق التاريخ

كلمة ختامية: منصة “حرمون” وشغف العطاء الثقافي

 

س21- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصَة حرمون قد أطلقت ثلاثةَ لقاءات علمية حول المئوية، ماذا ترى في مناسبة المئوية؟ وكيف يمكن الاحتفاء بها بما يليق وتطويرها؟

ج21ـ منصة حرمون موقع إعلاميٌّ متميّز، موقع يحترم نفسه كما يحترم قراءه ومتابعيه، موقع موثوق لأنه كان السبّاقَ إلى إطلاق هذه المبادرات التي تستحق الثناء. وهذا ما جعل المهندس سميح يتعامل معها، لأنها منصّةٌ صادقة وجِدِّيّةٌ في عملها المهنيّ، ومتابعتها الحقيقيّة لكل ما هو مميّز. كان المهندس سميح يخطّط بالتعاون مع هذه المنصّة لإقامة فعّاليّاتٍ في كلّ أنحاء القطر السوريّ، وبكلّ مراكزه الثقافيّة، وساحات القرى والبلدات، وشوارع المدن، ودور الثقافة، والسفارات العربيّة في أكثر دول العالم، وبعض السفارات الأجنبيّة في سوريا؛ للمشاركة في هذه الاحتفاليّة التي كان يخطط لها، لتدخل كلَّ بيت، وكلَّ اُذُنٍ إن كان صاحبها صغيراً أو كبيراً للتعرُّف على الثورة السورية الكبرى، وقائدها، ومجاهديها، وشهدائها، وإنجازاتها التي تحقّقت بالجلاء، وطرد المستعمر. ولكن… ولكن… لأنّ هذه الـ (لكن) أوصلتنا إلى ما أندى الجبين خجلاً، سببه التجهيل المتعّمد والمقصود لكل الرموز التي نرفع بها رؤوسَنا شموخاً وكبرياء. لا أستطيع أن أتحدّث في مجال تطوير هذه الفعّالية المئويّة حتى تزول هذه الغيوم السوداء المرعبة.

 

س22- يَنْشَط مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون في السويداء بندوات ورعاية إصدارات كتب مشتركة وأبحاث وموسوعات، إحياءً لمئوية الثورة منذ سنتين. ما تعليقكم؟

ج22ـ وضع المهندس سميح مخطّطاً لإنجاح أعماله منذ لقائه بالرجل السبعيني (فرانس) لذلك بدأ يجمع الوثائق التي تجمّعت، وتراكمت تراكماً منطقياً ناجحاً، نظرياً وعملياً، ليبدأ بالبحث المُجدي، والتنقيب المضني بعد تقاعده، فرسم الخطوط العريضة، وتحدّث عنها منذ سبع سنواتٍ ـ وأنا كنت على دراية على جُزءٍ مما كان يخطط له ـ لبثِّ الروح الوطنيّة النضاليّة في عقول وأذهان هذا الجيل، والأجيال المتلاحقة بعد مئة عام على انطلاقة الثورة السورية الكبرى، هذه الثورة التي قال فيها السيد عمر أرناؤوط رئيس رابطة المحاربين القدماء عام 2006، يوم تأبين الشيخ المرحوم متعب الجباعي. قال ضمنَ كلمته الصادقة: يوجد في مكتبتي ستُّمِئةِ كتابٍ، كلّها تتحدّث عن الثورة السورية الكبرى. وأنا أقول الآن: هذه الثورة التي كانت الشُّغلَ الشّاغِلَ في العالم لكل الشعراء والأدباء، والمترجمين، والكتّاب، والصحافيين في الجرائد والمجلاّت والإذاعات في تلك الفترة. وهذا ما أكده الشاعر القروي إذ يصيح بأعلى صوته:

يا لكِ غارةً لو لم تذعْها            أعادينا   لكذّبنا    المذيعا

يا لكَ أطرشاً لما دُعينا             لحربٍ كان أسمعنا جميعا

 

س23- أي كلمة ترغبون بنشرها عبر منصة حرمون؟

ج23ـ كل الشكر والتقدير لمنصة حرمون التي أتاحت لي بتوجيهٍ من الإعلامية السيدة ميساء أبو عاصي لأجيبَ عن هذه الأسئلة الذكية المنتقاة بدقّة، وموضوعية، واحترافية، وترتيبٍ في تسلسلها المنطقي. ومن خلالها استطعت أن أجيب عنها دون تداخلٍ، أو إرباكٍ، أو خللٍ في ترتيب الإجابات، واستطعت أن أسجّل ترجمةً لجزءٍ من مسيرة حياتي المتواضعة، وتفاعلاتها مع المجتمع في بيئاته المختلفة والمتعددة، إن كان ذلك في قريتي، أو القرى المجاورة، أو المدينة، والعاصمة، والقطر الليبي، والتمازُج بيني وبين أفراده على اختلاف مشاربهم. وأقول: لولا المهندس سميح ومركزُهُ المفتوح لكل أديب يريد أن يقدّم نشاطاً حسب اختصاصه، لما تعرّفنا إلى بعضنا بهذا المتّسع الذي خلق بيننا حميميّة اللقاء في هذا المكان المفتوح للجميع، ولِما اطلعنا على أفكار بعضنا بتنوُّعها، وتعدُّدها من شعريّةٍ، ونثرية أدبية، وتاريخية، واجتماعية، وفلسفية بعمقٍ من التأمُّل، واتساعٍ في الفكر والثقافة. التحيّة من الأعماق لمنصة حرمون، ولكل القائمين على إدارة مركز سميح، وتفعيله الذي جعل منا أسرة واحدة، مترابطة روحياً ونفسياً واجتماعياً.

 

اعلانات حرمون

رفعت لتصميم مواقع الانترنت

منتجات الريان

حرمون معكم دائماً

مزايا إعلانك لدينا

مجوهرات المقت

إعلانات حرمون

إعلانات حرمون